دراسات استراتيجية

استراتيجية اوباما للخروج من العراق: التحديات والقرار

دراسة القيت في مؤتمر حول الانسحاب الاميركي من العراق عُقد في بيروت في أيار 2009 

مقدمة

على أثر التدخل العسكري، تواجه القوات المتدخلة تحديًا أساسيًا في كيفية الخروج من البلد الذي تدخلت فيه عسكريًا، لذا تجهد في تصميم “استراتيجية خروج” تتلاءم مع المتطلبات العسكرية والميدانية على الارض في البلد المتدخل فيه، وتتلاءم مع التطورات السياسية الداخلية في البلد المتدخل، وخاصة إذا كانت القوى السياسية المحلية تضغط لخروج الجنود وعودتهم الى الديار، وهذا ما يحصل اليوم مع الولايات المتحدة في العراق.

في العراق، وبعد فشل التدخل العسكري الأميركي وغرق الأميركيين في المستنقع العراقي، تشهد الساحة العراقية اليوم، استعداد القوات العراقية لتسلم الملف الأمني بعد انسحاب القوات الاميركية منها باتجاه قواعدها في حزيران المقبل، على أن يتم الانسحاب النهائي “نظريًا” في العام 2011، كما نصّت الاتفاقية الأمنية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة، ولهذا يقوم الباحثون الأميركيون اليوم ومراكز الدراسات الاميركية المختلفة بطرح تصوراتهم لخطة خروج مشرّفة وغير مكلفة للقوات الاميركية من العراق.

من هنا، كان لا بد من طرح الاسئلة التالية: ما هي استراتيجية الخروج الممكنة التي سيعتمدها اوباما بعدما ورث من ادارة بوش اتفاقية أمنية حددت بعض أسس ومعايير الانسحاب؟ وهل سيستطيع اوباما الايفاء بتعهداته التي قطعها خلال حملته الانتخابية؟

سننطلق في بحثنا هذا بداية في تحديد الأسس النظرية التي تقوم عليها استراتيجيات الخروج، وماهيتها والعوامل التي تؤثر على أصحاب القرار في اختيار استراتيجية معينة دون سواها، ثم نطبق فيما بعد على الوضع العراقي، والاستراتيجيات المتضاربة التي يقترحها الأميركيون، ونضع تصورًا لما سيكون عليه قرار اوباما في العراق مستندين الى تصريحاته المعلنة.


القسم الاول: استراتيجيات الخروج: أسسها، معاييرها، أهدافها

أولاً: ضرورة رسم استراتيجية للخروج

إن وضع استراتيجيات للخروج يمثل تحديًا أساسيًا بالنسبة للدول المعنية بالتدخل سواء بالنسبة للدولة المتدخلة[1] أو للدولة المتدخل في شؤونها[2] عسكريًا، لأنه يتطلب قطع الالتزامات التي التزمتها دولة الاحتلال، وخاصة أن قطع هذه الالتزامات قد لا تشكّل نتائج وعواقب على الدولة المحتلة على المستوى الراهن فحسب، بل أيضًا على المستوى المتوسط والمستقبلي، بالإضافة لما لشكل وللاعلان عن استراتيجية الخروج هذه وكيفيتها من تأثير على مستقبل كل من الدولتين، دولة الاحتلال والدولة المحتلة[3].

 غالبًا ما تحاول القوى الكبرى التي تحتل بلدانًا أخرى أو تقوم بالتدخل العسكري في شؤونها، التأثير على تصورات الآخرين تجاهها، لذلك تجهد الى الإيحاء بأن عملية الخروج هذه هي مجرد خيار اتخذته القيادة السياسية والعسكرية بملء إرادتها، وحتى لو كانت، في الواقع، تواجه فشلاً عسكريًا واضحًا في البلد المحتل.

ولعل مناقشة استراتيجيات الخروج بحد ذاتها، تؤدي الى تقويض ما تحقق من أهداف دولة الاحتلال، وإظهارها بمظهر الأضعف على الساحة السياسية الدولية والداخلية في البلد المحتل، فالمناوئين للتدخل، لا يريدون فقط من السلطة المحتلة أن تنسحب، ولكنهم يريدون أيضا تحقيق هدف أساسي هو إظهار أن الانسحاب تمّ تحت الإكراه، وليس بموجب الاختيار الطوعي من قبل سلطة الاحتلال[4].

 وعليه، فإن عملية الخروج من البلد المحتل وتظهيرها والقصة السببية التي تعلن لهذا الخروج، تمثّل محاولة من جانب كل من قوة الاحتلال وخصومها لخلق صورة للرأي العام حول كيفية انتهاء التدخل العسكري، والتي سيكون لهذه الصورة بالتأكيد، تأثير كبير على مجرى الاحداث في المستقبل، وعلى نظرة المجتمع الدولي لدولة الاحتلال، وعلى كل من الوضع السياسي العالمي والوضعين الاقليمي والمحلي في كل من الدولتين، دولة الاحتلال والدولة المحتلة[5].

وانطلاقًا من هنا، يبدو هناك بعض المعايير التي تؤخذ بعين الاعتبار عند وضع أي استراتيجية للخروج، ولعل أهمها يبدو على الشكل التالي:

– أولا، الوضع الميداني على الارض، وفيه يُسأل: هل الوضع هو لصالح قوى الاحتلال أم العكس، أي بالتحديد، هل استطاعت المقاومة أن تفرض واقعًا ميدانيًا معينًا ليس في صالح القوى المحتلة؟

– ثانيًا، الضغوط المحلية والدولية التي تواجه قوات الاحتلال والتي تتأثر بالأوضاع العسكرية والميدانية على الارض.

وللمفارقة، وبعكس ما يظنه كثيرون، فإن المعيار الاول يبدو أقل شأنًا بالنسبة الى تصميم استراتيجيات الخروج، إذ قد يكون له التأثير الأكبر على اتخاذ القرار بالخروج وليس في تصميم خطة الخروج بحد ذاتها[6]. لأن الوضع الميداني على الارض وكيف يسير التدخل،  وهل كان ناجحًا أم لا ، وهل تستطيع القوات اكمال مهمتها أم لا، هو الذي يؤدي الى اقتناع الاحتلال بضرورة الخروج، من ثم تأتي مهمة الاستراتيجيين والقادة الميدانيين بوضع خطط الخروج الاصلح للقوات المتواجدة على الارض[7].

ثانيًا: ماهية استراتيجية الخروج

بعبارة مختصرة، يمكن تعريف استراتيجية الخروج بأنها “الخطة التي تعدّها القوة المتدخلة لسحب قواتها العسكرية من البلد المتدخل فيه”[8].

 بدأت النقاشات الاكاديمية في الولايات المتحدة الاميركية حول استراتيجيات الخروج وكيفيتها بشكل مكثف، منذ تسعينيات القرن الماضي، ولعل ما دفع الى تكثيف هذه الدراسات هو السياسة التدخلية التي بدأتها الولايات المتحدة الاميركية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، والتي بدأت تباشيرها في العراق عام 1990 ومن ثم في البلقان. لكن ما لبث الأميركيون أن وجدوا أنفسهم في مأزق كبير في الصومال، دفعهم الى الانسحاب بسرعة قياسية، جعل بعض الاستراتيجيين الأميركيين يعتقدون أنه على الولايات المتحدة قبل البدء بأي تدخل عسكري مفترض، أن تضع معه وبصورة مسبقة “استراتيجية خروج” ممكنة وفعّالة تحفظ لها هيبة جنودها وموقعها والتزامتها الدولية.

وفي هذا الإطار، قال انطوني ليك، مستشار الأمن القومي في ادارة الرئيس بيل كلينتون، محذرًا “قبل أن نرسل جنودنا الى بلد أجنبي، يجب علينا أن نحدد مسبقًا كيف ومتى سنخرجهم من هناك.”[9]

 لكن البعض يشير، أنه حتى لو كانت فكرة وضع استراتيجية مسبقة للخروج هي استراتيجية خاطئة، إلا أن هذا لا يعني أن المفهوم العام الذي يؤكد ضرورة وضع “استراتيجية خروج” هو فكرة سيئة أو غير عملية، فبمجرد التسليم من قبل القادة السياسيين والعسكريين بضرورة ان يكون هناك استراتيجيات الخروج- سواء حددت قبل التدخل العسكري أو خلاله- يمكن عندئذٍ فتح نقاش حول استراتيجيات الخروج، من خلال الاسئلة التالية:

–       كيف ومتى تخرج قوات الاحتلال من التدخل العسكري؟

–       ما هي العواقب وكيف يمكن التخفيف منها الى أقصى حد؟

–       كيف تتمكن قوات الاحتلال من الخروج من التدخل العسكري بدون أن تضرّ بمصالحها الوطنية؟[10]

وللاجابة على هذه الاسئلة، تواجه قوات الاحتلال خلال وضع استراتيجية للخروج، مجموعة متنوعة من الخيارات حول شكل وكيفية إجراءات الخروج، ولعل كل واحد من هذه الخيارات المختلفة يطرح اشكاليات عدة بالنسبة لدولة الاحتلال، ويتمثل التحدي الكبير في حل هذه المعضلات على النحو الأفضل الممكن لحماية مصالح دولة الاحتلال، من دون تقويض الاستقرار في الدولة المحتلة، وعلى نطاق أوسع، حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة الاقليمية الاوسع التي تحيط بالدولة المحتلة والتي تعدّ جزءًا لا يتجزأ منها، هذا بالإضافة الى الفائدة التي تشكّلها القوى العسكرية في الضغط الذي يمكن أن تمارسه قوات الاحتلال على البلد المحتل وسياسييه وحكومته، والذي تؤمن من خلاله مصالحها.

بالتالي، إن القرار الذي تتخذه دولة ما بإنهاء تدخلها العسكري في بلد آخر، عادةً ما يكون مدركًا للقوة المعنوية والمادية التي يمكن أن تمثلها هذه القوات، وخاصة في المفاوضات. في فيتنام، على سبيل المثال ، كان ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر يدركان جيدًا أنه حالما غادرت جميع القوات الاميركية من فيتنام، فإن الولايات المتحدة سوف تتخلى عن مصدر مهم للضغط والتأثير على التطورات في جنوب آسيا[11].

وفي أفغانستان مثلاً، توقف الاتحاد السوفياتي عن أن يكون لاعبًا أساسياً في المنطقة بمجرد خروج قواته العسكرية منها. وفي جميع الأحوال، كان للقرار الذي اتخذه الاتحاد السوفياتي في نهاية المطاف، بسحب قواته من افغانستان تأثيرات هائلة على كل من سلطاته المحلية الداخلية، وعلى الدولة المحتلة، وعلى السياق الإقليمي الأوسع.

ثالثًا- محددات استراتيجيات الخروج

أ- السؤال الاساسي: متى ننسحب؟

عادة، تهدف قوات الاحتلال الى المحافظة على وجودها لأطول فترة ممكنة بما يكفي لإنجاز أهدافها ومصالحها القومية، وليس لفترة أطول من تحقيق هذه الاهداف، إلا في حال كانت الدولة المتدخلة عازمة على بناء “امبراطورية”، فعندها فقط قد تهدف الى البقاء “الى الابد”.

أما إذا وصلت الأوضاع الميداينية الى حد إيمان قوات الاحتلال، أن القوة العسكرية لم تعد قادرة على تحقيق الأهداف المنوي تحقيقها من التدخل العسكري، فإنها عندئذ تسعى إلى تخليص نفسها من “المستنقع” الذي وجدت نفسها فيه، بدلاً من الاستمرار في تبديد الموارد الوطنية، وخاصة أن التدخلات العسكرية مكلفة من الناحيتين البشرية والمالية.

وهكذا يصبح تحديد استراتيجية الخروج والسؤال الرئيسي فيها “متى ننسحب” هو الأهم، خاصة عندما تصبح تكاليف التدخل مكلفة جدًا، وبالمقابل تنخفض عائدات التدخل  لتصبح هامشية أمام التكاليف التي تُدفع كلما طال أمد الاحتلال أكثر فأكثر[12].

إن اشكالية “متى ننسحب” تتجلى بشكل واضح ايضًا في العراق، فالمطالبين بتحقيق انسحاب سريع من العراق “وبأسرع ما يكون” يشددون على الكلفة العالية التي باتت الولايات المتحدة تتكبدها في العراق ( البشرية والمالية…)، بينما المعارضين للانسحاب أو المطالبين بتأخيره، يشددون على أن انسحابًا سريعًا للولايات المتحدة من العراق، وبشكل غير مدروس قد يؤدي الى عواقب كارثية، وسيقلّل من مصداقية الولايات المتحدة وسيخلّف فراغًا استراتيجياً كبيرًا في الشرق الاوسط. وفي كلا الحالتين، ان الخيارين الاستراتيجيين سواء بالانسحاب السريع أو التأخير بالانسحاب سيكلفان الولايات المتحدة، وهنا تكمن الاشكالية الكبرى والسؤال الاهم في تصميم استراتيجيات الخروج: متى ننسحب؟

ب- وتيرة الانسحاب
ان التحدي الأول الذي يواجه أصحاب القرار بشأن تنفيذ استراتيجية الخروج هي وتيرة الانسحاب. فكلما كان الانسحاب أسرع، كلما ساهم في خفض التكاليف بالنسبة لقوات الاحتلال، وخاصة عندما تكون في حالة ميدانية غير ناجحة في البلد المحتل، وفي حال كانت تعاني مشاكل وعقبات تمنعها من فرض الاستقرار والأمن المنشودين، عندها تزداد المشاكل إذ قد يثير هذا النوع الفاشل من التدخلات جدلاً داخليًا وخارجيًا يسهم في زيادة أزمة قوات الاحتلال.

 بالمقابل، من المرجح أن تخلّف سرعة انسحاب قوات الاحتلال وراءها عدم الاستقرار في البلد المحتل، لذا قد تكون الانسحابات البطيئة أكثر منهجيةً، فتسمح للجنود الذين يتم سحبهم بأن يكونوا أكثر أمانًا، وربما يزيد من احتمالات الاستقرار في البلد المحتل بعد انسحاب قوات الاحتلال[13].

لهذا يمكن القول، يعتقد الاستراتيجيين أن الانسحاب البطيء له عواقبه والانسحاب السريع له عواقبه ايضًا، ويقولون ببديل هو الانسحاب المنهجي غير المتسرع، الذي يعمل على تأمين الأمن والاستقرار في البلد المحتل ويحفظ لقوات الاحتلال أمنها وقدرتها على الانسحاب بدون أن يتم إطلاق النار عليها من الظهر. وقد عبّر عن هذا همفري تريفيليان، الذي عيّن سفير بريطانيا في اليمن عام 1967،” عندما تقوم القوة المستعمرة بادارة ظهرها تمهيدًا للرحيل، فانها تعرّض نفسها للركل على المؤخرة، لذا يجب عليها عندما تدير ظهرها أن ترحل بسرعة”[14] .

و بكل الاحوال، ان دراسة تاريخ التدخلات العسكرية في العالم والتجارب التي مرت فيها الدول في تصميم استراتيجيات الخروج من الاحتلال، تفيد أن استراتجية “اقطع واهرب”  نادرة الحصول في تدخلات كهذه[15].

ج- اتفاقيات ما قبل الانسحاب
 ان مسألة “وتيرة الانسحاب” تتداخل الى حد بعيد مع مسألة ما إذا كان من الضروري توقيع اتفاق تفصيلي يسبق الانسحاب بين مختلف الأطراف المعنية.  فالاتفاق الذي يعقد بين الطرفين، إذا كان موثوقًا ومدروسًا، فإنه قد يخلّف وراءه دولة أكثر استقراراً بعد إنهاء الاحتلال، ويمكن أيضًا أن يمثّل اشارة إيجابية للجمهور المحلي في الدولة المتدخلة، الذي يبحث عن قادة يقودون التدخل العسكري إلى نهاية ناجحة، ويعيدون الجنود الى الوطن.

عادةً، تصرّ قوات الاحتلال على اتفاق تفصيلي بين مختلف الأطراف المعنية (عادة تكون بينها وبين السلطات التي ستخلّفها وراءها في البلد المحتل)، بخصوص مرحلة ما بعد الاحتلال وكل ما يختص بالمستقبل السياسي والأمني للدولة المحتلة. لكن هذا الاتفاق لا يمكن تحقيقه الا في حال قبلت دولة الاحتلال بتباطؤ وتيرة الانسحاب. بالمقابل، إن قوات الاحتلال التي ترغب بانسحاب سريع، قد تقبل باتفاق أقل تفصيلاً أو بدون أي اتفاق على الاطلاق[16].

الواقع العملي على الارض، يفيد أن وجود هذه الاتفاقيات وتوقيعها والمراسيم والاحتفاليات التي تعد لها، قد تكون أكثر قيمة من تنفيذها. إذ تفيد بعض الدراسات التاريخية أنه حينما تنسحب قوات الاحتلال، سرعان ما تتغير موازين القوى على الأرض في الدولة المحتلة، وعندها قد يكون الأطراف المعنيين أقل حوافزًا للامتثال لالتزاماتهم الواردة في الاتفاق. لذلك، عادة ما تحاول دولة الاحتلال أن تحدد فيما إذا كان الوقت والجهد اللازمين للتفاوض قبل الانسحاب قد أديا في نهاية المطاف الى اتفاق يستحق كل ذلك، لأن انسحاب قوات الاحتلال من البلد المستهدف ستبدّل بشكل جذري ميزان القوى على الارض، وكنتيجة لذلك فإن الاتفاقيات قد لا تطبق بعدما تفرض القوى الجديدة نفسها في السلطة.

د- إبقاء القوات

يعدّ إبقاء بعض العناصر العسكرية في البلد المحتل، عنصرًا  هامًا من عناصر استراتيجية الخروج. وعادةً ما تتذرع قوات الاحتلال بأنها لحماية الاستقرار والأمن في البلد المحتل بعد انسحاب قواتها. بالتأكيد، إن وجود قوات عسكرية فعّالة على الارض تشكّل استثمارًا جيدًا من قبل دولة الاحتلال، تستخدمها في تحقيق أهدافها ومصالحها الوطنية بعد انتقال السلطة الى السلطات المحلية.

لكن الانسحاب الجزئي الذي يبقي جزءًا من القوات العسكرية في البلد المتدخل في شؤونه، يمكن أن يواجه بمعارضة داخلية في دولة الاحتلال، والتي قد يطالب مواطنوها بعودة جنودهم الى الوطن، وايقاف النزف البشري الحاصل خاصة اذا كان في البلد المحتل مقاومة تكبد جنود الاحتلال خسائر مادية وبشرية لا يمكن احتمالها.

وفي الموضوع العراقي، يتحدث الكثير من الأميركيين بتشاؤم عن مقدرة القوات الاميركية التي ستبقى في العراق، ومدى قدرتها في تحقيق المهمات المطلوبة منها وتأمين المصالح الأميركية وعن كلفة الاستنزاف المادي والبشري الذي سيحصل، ويعتقد البعض أن الضغط الشعبي الداخلي لن يتوقف حتى انسحاب آخر جندي أميركي من العراق[17].

في هذا الاطار، حذّر هنري كيسنجر الرئيس نيكسون من كيفية تطور ردة فعل الرأي العام الأميركي على الانسحاب الجزئي من فيتنام في أيلول 1969 ، وقال “ان انسحابًا كهذا يشبه الى حد بعيد الفول السوداني المملح: كلما سحبت كمية من الجنود، كلما زادت المطالبات بسحب عدد أكبر”[18]. وهكذا قدّر كيسنجر- وكان محقًا- انه حالما يبدأ الانسحاب الاميركي من فيتنام، لن يتوقف ما لم يعد آخر جندي أميركي الى الديار[19].

رابعًا- التحديات التي تواجه استراتيجيات الخروج

لعل من أصعب الامور التي تواجه القائد الذي يحدد استراتيجية الخروج، هو كيف يوازن بين جميع المعضلات والتحديات التي يواجهها القرار بالخروج. لأنه يترتب على القادة العسكريين الذين يعدّون استراتيجيات الخروج لقوات الاحتلال، أن يدرسوا جيدًا إذا ما كان انسحابهم سريعًا جدًا أم متأخرًا جدًا، مع أو بدون اتفاق الخ…. ولعل أبرز هذه التحديات التي تواجهها الاستراتيجيات هي الآتي:

1-  الضغوط المحلية

تعدّ الضغوط التي يشكّلها الرأي العام المحلي على أصحاب القرار لسحب الجنود هامة ومؤثرة في صياغة استراتيجيات الخروج، فقد يعمد بعض القادة الى تأخير الانسحاب الى أن يتم توقيع اتفاق ما مع السلطات المحلية خوفًا من أن يصوّر الانسحاب أنه خسارة، وبالتالي يؤثر على وضعه السياسي أو وضع حزبه، خاصة إذا كانت البلاد في مرحلة تحضيرية لانتخابات مقبلة. وهكذا يكون توقيع الاتفاقيات هو المخرج الملائم لهذا النوع من الضغوطات.من جهة أخرى، قد تؤدي النفقات الباهظة التي تنفق على التدخل في محاولة لانقاذه عسكريًا الى انعكاسات سلبية داخلية، فتؤدي الضغوط لخفض النفقات في اتجاه تسريع وتيرة الانسحاب.

هكذ يرى القادة الذي يضعون خطط التدخل أن عليهم الموازنة بين جميع هذه المطالب المحلية عند وضع استراتيجية للخروج أي تحديد: الحاجة المتصورة لتحقيق النصر، والتكاليف المحتملة خلال مواصلة السعي الى تحقيق النصر 

2- الضغوط الدولية

تحاول قوات الاحتلال والدول المسؤولة عنها، حفظ ماء الوجه على الصعيد الدولي، وخصوصًا عندما يكون التدخل قد فشل وأدى الى خسارة ميدانية واضحة وقوّض الاستقرار في البلد المعني. وهكذا، تحاول قوات الاحتلال من خلال الاستراتيجية التي تضعها للخروج، أن تصوّر أنها خرجت بملء ارادتها وليس من خلال الضغط الذي مارسته المقاومة الداخلية او الدولية عليها. لذا قد تعمد الى تأخير انسحابها للايحاء بأنها قوية وليست مرغمة على الانسحاب، إذ ان الانسحاب السريع يعطي إشارات سيئة الى دول العالم والى الحلفاء والخصوم على حد سواء[20].

 بالنسبة للحلفاء قد يبدو الخروج الذي يعتمد وكأنه قطع للالتزامات المعقودة ما يؤدي الى فقدان المصداقية، بينما بالنسبة للخصوم فأنهم بالتأكيد سيحاولون تصويره على أنه هزيمة وتراجع.

لذلك، إن تصميم استراتيجيات الخروج غالبًا ما تعبّر عن محاولة لمعالجة تضارب  الضغوط الداخلية والخارجية والميدانية. ففي محاولته لحفظ ماء الوجه، يقوم صاحب القرار بالموازنة بين الاعتبارات المحلية التي تدخل في حسابات الزعيم من جهة، واستراتيجية المثابرة في السعي إلى التوصل إلى اتفاق رسمي قد يخفف من تصريحات المقاومة في البلد المحتل بإدّعاء الفوز، وبالتالي إنقاذ مستقبل القادة السياسيين الذي قرروا التدخل العسكري في الانتخابات المقبلة. ولهذا فإن الاتفاق التفاوضي يسهل انسحاب قوة الاحتلال، وبالتالي يمكّن الزعيم السياسي من الادّعاء بأن هذا الاتفاق هو للمصلحة الوطنية العليا.

في كثير من الاحيان، تعاني القيادة السياسية من ضغوط داخلية من أجل الانسحاب في أسرع وقت ممكن وذلك من أجل الحد من التكاليف البشرية والمالية. ففي حال طال أمد الاحتلال وتجاوزت  تكاليف استمرار الاحتلال توقعات الجمهور، يشعر الزعيم السياسي أن مستقبله في خطر، وهذا ما حصل مع الرئيس بوش والحزب الجمهوري الذي دفع ثمنًا باهظًا للكلفة التي تكبدتها الولايات المتحدة من جرّاء احتلالها للعراق، وأتت بالرئيس باراك اوباما الى البيت الابيض، مشفوعًا بنقمة هائلة على أداء الادارة الاميركية السابقة. 

وهكذا تدفع الأبعاد الثلاثة أي الاعتبارات الميدانية والسياسية الداخلية والخارجية في اتجاهات معاكسة لبعضها البعض، فقد تدفع الضغوط الداخلية دولة الاحتلال الى الانسحاب في الوقت الذي قد تكون صورة الدولة الخارجية بخطر ويحتاج القائد السياسي الى الحفاظ على صورته عند الجمهور الدولي ما يضطره الى تأجيل الانسحاب. وهكذا ، إن تحديد استراتيجية للخروج من قبل دولة الاحتلال هي نتاج توازن بين جميع هذه الضغوط على الشكل التالي:

–       عندما تدفع الضغوط الخارجية أو الداخلية دولة الاحتلال الى الانسحاب، وتجهد تلك الدولة الى ابراز صورة “عدم الخسارة” الميدانية والعسكرية، فانها عندئذٍ تعمد الى اتباع استراتيجية للخروج المطول الذي يقوم على اتفاق تفاوضي يسبق الانسحاب، يحفظ ماء الوجه ويؤدي الى انسحاب عسكري محدود الخسائر المادية والمعنوية.

–        عندما تكون الضغوط المحلية المطالبة بخفض التكاليف كبيرة جداً، فمن المرجح ان تنتهج قوة الاحتلال استراتيجية خروج سريع، بالرغم من تكاليفها الكبيرة، وتداعياتها على سمعة دولة الاحتلال وهيبتها.

–       عندما تكون جميع هذه الضغوط متوافرة في نفس الوقت، فإنها عادة ما تفرض نفسها في شكل استراتيجية طويلة الأمد مع إعطاء الاشارات بأن قوة الاحتلال قد بدأت فعلاً بالانسحاب. هذه الاستراتيجية يمكن لها أن تخفف من بعض الضغوط الداخلية وتؤدي الى مزيد من الصبر الداخلي، مع العمل على تجنب الصورة التي تظهر بأن القادة الذين يزمعون على الخروج من البلد المحتل، هم خاسرون يجرجرون ذيول الهزيمة والخيبة.

 لذلك، وبناء على ما سبق، يمكن القول ان استراتيجيات الخروج غالباً ما تمثّل محاولة للتوفيق بين كل تلك الضغوط المتضاربة، ما يؤدي بالقادة الميدانيين والسياسيين إلى رسم “استراتيجية خروج” عقلانية، لكنها قد لا تكون بالضرورة في قمة المثالية، أي بمعنى آخر، إن “استراتيجية الخروج” هي نوع عملية اتخاذ القرار التي تقوم على نوع من الخدعة المباشرة التي تهدف الى الجمع بين معايير “الكفاية” الفعلية، وليس بالضرورة المعايير الامثل للانسحاب[21].

بعد هذا العرض، أين الولايات المتحدة من هذه المفاهيم النظرية في العراق، كيف حددت الولايات المتحدة استراتيجيتها للخروج من العراق، ما هي الاسس التي حاولت اعتمادها، وما هي “استراتيجية الخروج” التي يمكن أن يعتمدها الرئيس الأميركي اوباما في العراق؟

القسم الثاني: الخروج الاميركي من العراق: المسار والمآل

أولاً: توقيع الاتفاقية الأمنية: التطور والمسار

إذاً، كما هو محدد في الاطار النظري لاستراتيجيات الخروج ، استطاع الأميركيون توقيع اتفاقية أمنية تحدد جدول انسحابهم من العراق، وأقد أقرّوا فيها مبدأ ابقاء القوات والانسحاب التدريجي غير المتسرع، فكيف تمّ ذلك وما هي التعديلات التي استطاع العراقيون فرضها وتعديلها على الاتفاقية كما عرضت بصيغتها الاولى، ومن ثم تحولت من اتفاقية طويلة الامد الى اتفاقية أمنية أو ما اصطلح على تسميتها “اتفاقية وضع القوات”، هذا ما نوجزه فيما يلي:

بعد عام على إعلان “مبادئ علاقة التعاون والصداقة طويلة الأمد بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأميركية” الموقع في 26 تشرين الثاني 2007، والذي وقعّه الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وكان عبارة عن اتفاقية غير ملزمة لتحديد العلاقات الاميركية ـ العراقية، مهدت لإجراء محادثات رسمية تحدد العلاقة الاستراتيجية بين البلدين ، تمّ توقيع اتفاقيتين تاريخيتين بين العراق والولايات المتحدة الاميركية هما: الاتفاقية الأمنية، واتفاقية “الإطار الاستراتيجي لعلاقة صداقة وتعاون بين العراق والولايات المتحدة”،  اللتان دخلتا حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني 2009.

تشمل اتفاقية “الإطار الاستراتيجي”  العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية الشاملة مع العراق، اما “الاتفاقية الأمنية ” وتعرف باتفاقية “وضع القوات”، فتحدد العلاقات الأمنية بين البلدين وتحكم الوجود العسكري الاميركي، وتقرر الصلاحيات العملياتية والنشاطات العسكرية الأميركية، والانسحاب بالتالي من العراق، وتكفل الحماية  للقوات الأميركية.

تمّ التوقيع بعد سلسلة طويلة من المفاوضات الرسمية استغرقت ثمانية أشهر، غلب عليها طابعاً حاداً من الاعتراض العراقي والاقليمي خاصة من قبل ايران وسوريا، والمطالبة بتعديل بنود الاتفاقية الأمنية كما برزت في المسودة الاولى. وبعد مسيرات هائلة قام بها العراقيون بدعوة من سياسيين ورجال دين وعلماء، واقرار رئيس الوزراء نوري المالكي ان الاتفاقية الأمنية المزمع توقيعها تواجه صعوبات كبيرة، قدّم الأميركيون بعض التنازلات وقاموا بكثير من الضغوط السياسية والتهديدات العلنية لاقرارها، اذ ان الوقت أصبح داهماً بالنسبة لهم بسبب إنتهاء الولاية والتفويض الممنوحين للقوات المتعددة الجنسية بموجب القرار رقم (1790) الصادر عن مجلس الأمن للأمم المتحدة استناداً إلى الفصل السابع في موعد أقصاه 31 كانون الأول 2008.

أقر مجلس الوزراء العراقي في 16 تشرين الثاني 2008 الاتفاقية الأمنية واتفاقية الاطار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة، بموافقة 27 من أعضاء الحكومة واعتراض وزيرة.

وقد وضعت الاتفاقية الأمنية تاريخاً محدداً ونهائياً لانسحاب القوات الأميركية من المدن العراقية في الثلاثين من حزيران 2009، على أن يُستكمل الانسحاب  الكامل للقوات من العراق في 31 كانون الأول 2011، وهو أمر أدخل الى الاتفاقية بعد ان كانت المسودة الاولى قد تركت المجال مفتوحاً امام الأميركيين ولم تحدد أي جدول زمني للانسحاب.

 لكن الاتفاقية الموقعة، تضمنت “إمكانية بقاء القوات الأميركية إذا طلبت الحكومة العراقية ذلك”، كما ربط الأميركيون هذه المواعيد بـ” تقييم إيجابي للأحوال على أرض الواقع واستجلاء واقعي للموعد الذي يمكن أن تخفض فيه القوات الأميركية وجودها وتعود إلى الوطن دون أن تضحي بالمكاسب الأمنية التي تحققت.”[22]

اما التعديلات التي طرأت على الاتفاقية الأمنية بمسودتها السابقة والتي أخذت الكثيرمن الاعتراض، فكان أهمها على الشكل التالي:

–       اشارت المسودة الاولى للاتفاقية الى خضوع المجال الجوي العراقي لسيطرة القوات الاميركية وأن يقوم الأميركيون بطلعات جوية بدون اذن السلطات العراقية، لكن الاتفاقية بصيغتها النهائية الموقعة أكدت أنه في الأول من كانون الثاني 2009  يعود المجال الجوي العراقي إلى السيطرة العراقية الى العراق، ويستعيد العراق سيطرته على الترددات الجوية، وقد تمّ ذلك بالفعل.

–       أعطت المسودة الاولى الحقّ للأميركيين باعتقال من يشاؤون ومداهمة البيوت والمقرّات واقتحامها، تفتيشاً عن ارهابيين محتملين، بدون اذن السلطات العراقية، لكن الاتفاقية نصّت انه لا يمكن للقوات الأميركية القيام بذلك، إلا بأمر قضائي عراقي وبالتنسيق مع القوات العراقية”، وقد أقرت انه لا يجوز للقوات الأميركية تفتيش منازل العراقيين دون تصريح عراقي، على ان  تجرى جميع العمليات العسكرية التي يتم تنفيذها بموجب هذه الاتفاقية بموافقة حكومة العراق وتشرف على عملية تنسيق كل تلك العمليات العسكرية لجنة مشتركة يتم تشكيلها بموجب هذه الاتفاقية.

–       من بين التعديلات التي طلبها العراق أيضاً على مسودة الاتفاق حق محاكمة العسكريين الأميركيين في حال ارتكابهم جرائم خارج قواعدهم، وكذلك خضوع الشحنات التي يدخلها الأميركيون إلى العراق او يخرجونها منه للتفتيش من قبل الحكومة العراقية وهو ما رفضه الأميركيون. وفي هذا المجال نصت الاتفاقية على ما يلي:

–       يسلم أفراد القوات الأميركية والعنصر المدني- أي المتعاقدين في الشركات الأمنية- فور إلقاء القبض عليهم أو توقيفهم من قبل السلطات العراقية إلى سلطات قوات الولايات المتحدة، وعندما يمارس العراق ولايته القضائية تتولى سلطات الولايات المتحدة عندئذ مهمة احتجاز عضو القوات أو العنصر المدني المتهم وتقوم سلطات الولايات المتحدة بإتاحة هذا الشخص المتهم إلى السلطات العراقية لأغراض التحقيق والمحاكمة.

–        يجوز للسيارات والسفن التي تديرها قوات الولايات المتحدة أو تلك التي تدار لحسابها حصرا أن تدخل وتخرج وتتحرك داخل الأراضي العراقية ولا تكون عرضة للتفتيش.

وقد حصلت الاتفاقيتان على موافقة المرجع الشيعي آية الله العظمى السيستاني الذي صرّح بأنها “أفضل الخيارات الممكنة” للعراق، وعلى موافقة معظم الاحزاب المنضوية في العملية السياسية – باستثناء الكتلة الصدرية- مما أتاح اقرارها في البرلمان العراقي في 27 تشرين الثاني 2008، بعد أن أقرّ البرلمان قرار وثيقة الإصلاح الوطني، وقانوني التصديق على الاتفاقية والاستفتاء العام الذي سيجرى على الاتفاقيتان في 30 تموز 2009.

وفي 4 كانون الأول 2008، صادق المجلس الرئاسي الثلاثي العراقي على نتيجة تصويت مجلس النواب العراقي، وباتت الاتفاقيتان قانونيتان وبانتظار التطبيق. وفي 14 كانون الاول 2008 وصل الرئيس الأميركي جورج بوش إلى بغداد في زيارة مفاجئة وداعية قبل انتهاء فترة رئاسته رسمياً ، حيث التقى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، ووقّعا الاتفاقية الأمنية بين البلدين في خطوة رمزية أكثر منها قانونية، لأن التوقيع الرسمي كان قد حصل في 17 تشرين الثاني 2008 بين وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، والسفير الاميركي راين كروكر، في بغداد.

وقد اعتبر مؤيدو الاتفاقية انها ستُخرج العراق من احكام الفصل السابع المستمرة منذ القرار 661 عام 1990، لكن القرار1859  الذي صدر في 22 كانون الاول 2008، لم يُشر الى هذا الأمر، بل  أجّل الأمر مكتفياً بالاشارة الى أن مجلس الأمن “يقرر إعادة النظر في القرارات المتصلة بالعراق على وجه التحديد، بادئا بالقرار 661 في 1990 ويطلب في هذا الصدد إلى الأمين العام أن يقدم، بعد التشاور مع العراق، تقريراً عن حقائق ذات صلة بنظر اﻟﻤﺠلس في الإجراءات المطلوبة لكي يستعيد العراق المكانة الدولية التي كان يتبوؤها قبل اتخاذ تلك القرارات”

ونص على ان مجلس الأمن: “يقرر أن يمدد حتى 31 كانون الأول 2009 الترتيبات المحددة في الفقرة 20 من القرار 1483 في العام 2003 بشأن إيداع العائدات المتأتية من مبيعات صادرات النفط والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي في صندوق تنمية العراق”.

وهكذا دخل العراق، في مرحلة  الاحتلال “التعاقدي” مع الولايات المتحدة، وبقيت القرارات الدولية العقابية نفسها بالرغم من الاطاحة بصدام حسين، والاحتلال وتغيير الحكم وإصدار الكثير من القرارات الاممية التي لم تستطع إخراجه من دوامة “العقوبات” التي أقرت بموجب الفصل السابع، واعتبار الحالة فيه “تهدد السلم والأمن الدوليين”.

وهكذا إذاً، تمّ التوصل الى اتفاق يحدد الانسحاب الاميركي من العراق، بالرغم من أن بعض التخوف يسود في الاوساط الأكاديمية والسياسية من أن هذا الاتفاق قد لا ينهي بشكل كامل الاحتلال الاميركي للعراق. فما هي خطة الانسحاب أو استراتيجية الخروج الذي سيعتمدها الرئيس باراك اوباما، وما الذي يعرض بالمقابل من حلول في الولايات المتحدة في ظل أجواء أمنية مضطربة عادت للظهور في الآونة الأخيرة، وأعطت أهمية للاتفاقية ومدى امكانية تطبيقها والالتزام بها من الأميركيين. 

ثانيًا: الاستراتيجيات المقترحة أميركيًا للخروج من العراق

إن التدقيق بالاستراتيجية التي استخدمتها الولايات المتحدة للانسحاب من فيتنام، تفيد أن الولايات المتحدة عادةً لا تقوم بخسارة مصداقيتها ولو على حساب الكلفة البشرية والمادية التي تتكبدها من جراء الاحتلال. فبالرغم من أن الرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون اتخذ القرار بالانسحاب من فيتنام بعد وقت قصير من توليه منصبه في كانون الثاني 1969، لكن انسحاب القوات الأميركية القتالية النهائي من فيتنام لم يتم سوى بعد ذلك بأربع سنوات في نيسان 1973.

 بدأ انسحاب القوات الاميركية البرية من فيتنام في عام 1969 مع عودة أول 800 جندي الى الوطن في 8 تموز 1969. وتزامنًا مع سحب القوات، أكد نيكسون على برنامج “الفتنمة” الذي يهدف الى تمكين قوات الفيتنام الجنوبية من توفير الدفاع عن نفسها، لتحل محل قوات الولايات المتحدة[23].

وفي 3 تشرين الثاني 1969، أطلق نيكسون تصريحه الشهير “أغلبية صامتة” الذي أكدّ فيه ان “الانسحاب المتعجل سيكون كارثة هائلة الحجم… وهو لن يؤدي إلى السلام، بل سيؤدي الى مزيد من الحرب”.
وبدلاً من اعتماد استراتيجية “الانسحاب المتسرع”، قام نيكسون بتنفيذ انسحاب تدريجي للقوات الأميركية على مدى سنوات عدة، ولم تنهِ القوات العسكرية الأميركية الانسحاب من فيتنام سوى في ربيع 1973 بعد الاتفاق على ميثاق باريس للسلام.
ان بطء وتيرة الانسحاب الأميركي مكّنت قادة الولايات المتحدة من مواصلة المفاوضات مع الفيتناميين الشماليين حول شروط الانسحاب الاميركي، الى أن توصلوا في النهاية الى اتفاق في كانون الثاني 1973. وبالتأكيد كان للقوات العسكرية المتواجدة على الارض مساهمة هامة في تأمين شروط أفضل للتفاوض وبالتالي شروط أفضل للانسحاب.

وقياسًا على ما تقدم، تعتبر الاتفاقية الأمنية التي تمّ عقدها ما بين حكومة العراق والولايات المتحدة الأميركية والتي نصت على خروج الأميركيين من العراق وحددت مهلاً زمنيًا لذلك، المقياس الأساسي الذي يمكن من خلاله دراسة واقع ومستقبل العراق، واستراتيجية الخروج المحتملة التي سيعتمدها الرئيس الاميركي أوباما.

لكن، بالرغم من توقيع الاتفاقية الأمنية، تبحث قوات الاحتلال في العراق اليوم عن الاستراتيجية الأفضل لخروج القوات الاميركية من العراق، ويلاحظ أن الدوائر السياسية والأكاديمية في واشنطن تنقسم في الطريقة الافضل لخروج قوات الاحتلال، بالرغم من ان الاستطلاعات تشير الى رغبة قوية لدى الرأي العام الاميركي ولدى القيادة الاميركية بإنهاء الاحتلال وعودة الجنود. ويلاحظ من الاطلاع على التقارير والدراسات الاميركية حول الخروج من العراق وتداعياته وأساليبه، تباينًا بين الرأي العام وقيادته، وبين الادارة الاميركية والقادة الميدانيين حول السبل الافضل للخروج الاميركي الذي يحفظ المصالح الوطنية ويحفظ “ماء الوجه” الاميركي ولا يشير الى هزيمة أميركية في العراق، هذا بالاضافة الى بروز بعض مجموعات الرأي ومراكز الابحاث التي تنظّر لانسحاب متأخر جدًا تحت أعذار واهية، أو لسيناريوهات عدة تؤدي الى سيطرة أميركية مقنّعة على العراق.

 وسنورد في ما يلي نموذج من الدراسات والآراء التي تطرح في خصوص الاستراتيجية الامثل للخروج من العراق.

– أولاً: جماعة :[24]Washington Beltway البقاء أفضل الحلول 

 تعتمد مجموعة من السياسيين وأصحاب الشركات النفطية، أو ما يطلق عليهم في واشنطن اسم “واشنطن بلتواي” “Washington Beltway”   الترويج لفكرة أن الوضع الأمني والسياسي داخل العراق يحتاج الى بقاء قوات الاحتلال لسنوات طويلة، وأن الانسحاب قد يسبب كارثة عراقية وقد يؤدي الى حرب أهلية.

و بالرغم من أن المؤشرات الاحصائية تدل على تكاليف باهظة بشرية ومالية للولايات المتحدة الاميركية، إلا ان هذه المجموعات تسوّق لفكرة أن هذه الكلفة تعدّ صغيرة نسبيًا قياسًا لما يمكن أن يحصل في العراق بعد الانسحاب والتكاليف التي سيتكبدها العراقيون والأميركيون والمنطقة بأكملها عند انسحاب القوات الاميركية من العراق، علمًا أن بقاء قوات الاحتلال لسنتين إضافتين في العراق يكلّف شهريًا  12  مليارًا كحد أدنى، وفي السيناريو المثالي ما يقارب600 مليار دولار لسنتين .

يشير هؤلاء الى أن الاستقرار في العراق والأمن ما زال غير مستتب، ويزعمون أن رحيل القوات الاميركية سيجعل الأمن والاستقرار ينهاران، والى تقوية القاعدة و”فلول النظام السابق” و”عودتهم الى ارهاب الناس” . كما سيعرّض العراق لخطر كبير من جيرانه، ويجعل ايران وسوريا تتدخلان في شؤونه وتفرضان سيطرة عليه وايصال من يشاؤون الى الحكم، وتحرمان الشركات الاميركية والمقاولين ما كسبوه خلال السنوات الماضية من الاحتلال.

ويحذر هؤلاء من ان ايران ستتحول قوة اقليمية كبيرة جدًا من الصعب احتواؤها بعد الانسحاب، كما سيتعرّض الأمن الاسرائيلي للخطر، وقد يشهد الشرق الاوسط أسوأ سيناريوهات يمكن أن تحصل للولايات المتحدة واسرائيل على الاطلاق وذلك بتقوية “المجموعات الراديكالية” مثل حماس وحزب الله، وقد تعاد الى الاذهان صورة “الهلال الشيعي” الذي سيشكّل خطرًا وجوديًا على كل من اسرائيل والدول الخليجية النفطية.

ثانيًا- دراسات أكاديمية: العودة الى الديكتاتوية هي الحل

أصدر مركز الشؤون الدولية في جامعة نيويورك، تقريرًا وضعه خبراء في القانون الدولي والاستراتيجيا على رأسهم البروفسور مايكل أوبهايمر[25]، وقد تحدث بشكل مسهب عن المستقبل العراقي لما بعد الانسحاب الأميركي في العام2010، وفي هذا الخصوص أدرج التقرير ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العراق:

–  يقضي السيناريو الأول بظهور قائد وطني من وسط الفوضى التي تسود البلاد، يكون مستقلاً عن كل اللاعبين الإقليميين والدوليين، من الولايات المتحدة إلى إيران إلى تنظيم القاعدة والحكومات العربية، فيؤسس مصداقيته بوصفه الشخص القادر على توحيد البلاد بجميع طوائفها وقومياتها، ويمارس الديكتاتورية التي ستشجعها كل من الولايات المتحدة والدول المجاورة لأسباب تتعلق بمصالحها القومية[26].

 ويشير التقرير الى أنه بحلول عام 2010 وبسبب فشل مشاريع نشر الديمقراطية والكلفة العالية التي تكبّدها العراقيون من جرّاء سياسات بوش ومحاولاته نشر الديمقراطية بالقوة، لذا فإن العراقيين سيفضلون الديكتاتورية المصاحبة للامن والاستقرار على الديموقراطية والحريات التي لم تحقق لهم شيئًا.

–       يتلخص السيناريو الثاني بالحل الذي يحقق الأمن والاستقرار في العراق من خلال اقتناع دول جوار العراق بأن انهياره، وانتشار عدوى الأفكار الثورية، وحالة اللااستقرار، ستؤدي إلى تهديد هذه الأنظمة المجاورة لذا عليها العمل سوية لتجنب انتشار حالة الفوضى في العراق إلى أراضيها، من خلال المساهمة باحتواء الفوضى في العراق والحيلولة من دون انتشارها في منطقة الشرق الأوسط.

–       أما السيناريو الثالث فيتمثل في عراق غارق في فوضى حرب أهلية تطال آثارها دول الجوار، فتعيش المنطقة برمتها حالة من عدم الاستقرار، بسبب طوفان اللاجئين، وتنامي نفوذ الجماعات الإرهابية وتهديدها، وتآمر الدول على بعضها بعضًا لتقويض كل دولة استقرار الأخرى.

ويظهر التقرير ميلاً لمعدّيه الى تفضيل السيناريو الاول، ويقولون أن الولايات المتحدة ستلجأ اليه باعتباره الاصلح والانجع لحلّ مشاكل العراق التي استجدت بعد احتلاله، واسقاط نظام صدام حسين، وذلك للاسباب التالية:

 بالنسبة لدول الجوار، إن حالة العنف الطائفي، واللااستقرار الأمني في العراق الذي دفع بالملايين من العراقيين الى دول الجوار أو الارتماء في أحضان الجماعات المسلحة أو الميليشيات الطائفية، والذي يهدد استقرار المنطقة برمتها، قد يدفع بكل دول الجوار فضلاً عن الولايات المتحدة إلى قبول ظهور قائد عراقي ديكتاتوري يوحد البلاد تحت قيادة مركزية قوية.

ويصنّفها التقرير على الشكل التالي:

–       إيران قد تدعم مثل هذا القائد العراقي القوي إذا ما كان شيعيًا، ولكنها لن تمانع إذا ما كان سنيًا يحظى بمباركة المرجع الديني السيستاني.

–       أما سوريا القلقة من سيل المقاتلين الأجانب الذي يتسلل من حدودها نحو العراق، والتي تحاول جاهدة أن لا تسمح لهم بالرجوع مرة أخرى إلى سوريا، ستدعم مثل هذا القائد العراقي القوي، لأنها ستقوم بمقايضة فك العزلة الدولية التي ضربت حولها إثر اغتيال الحريري بالعمل الجاد على وقف تسلل المقاتلين الأجانب من أراضيها نحو العراق، كما تذكر الدراسة.

–       المملكة العربية السعودية قد تكون من بين أكثر الدول تخوفًا من ظهور قائد عراقي قوي، لأنها تخشى ظهور قائد شيعي قوي تربطه علاقة قوية بطهران، أو قائد علماني يهدد شرعية نظامها الديني المحافظ. ولكن السعوديين، الذين لا يملكون أوراق هامة يلعبونها في العراق، سيستمرون في الاعتماد على الأردنيين والمصريين واستخدام أموال النفط للتأثير في حلفائهم الإقليميين.

بالنسبة للقوى الكبرى أو الولايات المتحدة بالتحديد، فيبدو الدافع الرئيسي الذي سيجعل من الولايات المتحدة لا تعارض ظهور مثل هذا القائد الديكتاتوري بل تشجيعه وحتى “خلقه”، هو قدرته على توفير الاستقرار المطلوب لتسهيل سحب القوات الأميركية، والبدء بأسرع وقت ممكن بعمليات إعادة الإعمار. ولأن هذا القائد سيستمد جزءًا كبيرًا من شرعيته بمحاربته الجماعات الإرهابية، فإن هذا قد يوازن الخسارة الأميركية بخروجها من العراق من خلال استمرار الحرب ضد الإرهاب.

وتعطي الدراسة الوصفة المثالية لتسهيل ظهور مثل هذا الديكتاتور، والتي يمكن للولايات المتحدة استخدامها، وهي تتلخص كما يلي:

–       تحقيق الانسحاب الأميركي من العراق على أن يتم تعويضها بجيش عراقي يمثل جميع أطياف الشعب. إذ من المفترض أن تقوم الولايات المتحدة بتقوية الجيش العراقي الى أقصى حد قبيل انسحابها، الأمر الذي يمهّد الطريق لظهور مثل هذا القائد عن طريق انقلاب عسكري يهيئ المناخ الملائم لعقد علاقة متوازنة مع الولايات المتحدة، وباقي دول المنطقة.

–       تقوم الولايات المتحدة بتقديم دعم مادي ومعنوي للجيش العراقي ليقوم بواجبه بمطاردة الإرهابيين، وتحرص على تطوير علاقتها مع القوات العراقية بحيث تصبح من الأولويات، لأن هذا الجيش سيكون وسيلة النفوذ الأميركي داخل العراق، وسيكون القائد الوطني الجديد خارجًا من بين صفوفه.

–       ولأن تجهيز الجيش العراقي بالمعدات العسكرية أمر مهم وحيوي للتمهيد للانقلاب العسكري الذي سيأتي بهذا القائد، فإن دعم الولايات المتحدة له سيكون مشروطًا بتعهده بمحاربة الإرهاب من دون هوادة او مساومة، مع تقبل مخاطرة تحوله إلى قائد لا يمكنها السيطرة عليه.

–       على الولايات المتحدة اختبار هذا الديكتاتور مسبقًا من خلال قياس قدرته على التصدي للجماعات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم القاعدة في العراق، وأن يضع هدف التخلص من كل الجماعات المحرّضة على العنف الطائفي، على رأس أولوياته.

–       قد يكون هذا الديكتاتور المحتمل هو الفريق “عبود كنبر هاشم” الذي له تاريخ عسكري مشهود له وقد تسلّم مهمات أمنية خطرة جدًا وحساسة خلال فترة الاحتلال.

–       لكن التقرير يشير الى أن الولايات المتحدة لا يجب أن تقوم بدعم علني لهذا الديكتاتور، لأنه من الضروري أن يبدو مستقلاً وبعيدًا عن النفوذ الأميركي كي يتمتع بالمصداقية الكافية بين أفراد شعبه. لذا تقوم واشنطن بالسماح لهذا القائد القوي بتوجيه انتقاد لفظي لسياساتها أحيانًا، لأن هذا سيؤدي إلى إبعاد بعض المتعاطفين مع القاعدة التي تقدّم نفسها مرجعًا وحيدًا معاديًا للولايات المتحدة داخل العراق.

وتختتم الدراسة طرحها بالقول: يبقى من المهم جدا أن تنظم واشنطن سياستها الإقليمية لتقديم الدعم المطلوب لهذا القائد القوي، فإيران يجب أن تتوقف عن دورها في تقويض الأمن في العراق، مع أن وجود قائد شيعي قد يهدئ من مخاوف إيران، على أن تقوم دمشق بتكثيف جهودها لضبط الحدود، ويجب إقناع السعودية بدعم هذا القائد الشيعي، عن طريق تقديم ضمان بأن إيران ستُمنع من استغلال نفوذها في بغداد لتعزيز دورها الأقليمي.

أما إسرائيل التي تستطيع بقدراتها أن تكون عامل إفساد إذا لم تشعر بالراحة إزاء هذا النظام الذي تقوم الولايات المتحدة بتسليحه، من الضروري جدًا ضمان ألا تشاكس هذا القائد الجديد، الذي يجب أن يكون جزءًا من ترتيبات عملية السلام في الشرق الأوسط، والذي سيكون على الأرجح على رأس أولويات الإدارة الإميركية الجديدة.

 

3– استراتيجية أوباما للخروج من العراق

تشير الاستطلاعات في كل من الولايات المتحدة والعراق الى رغبة مزدوجة لدى الأميركيين والعراقيين بسحب القوات الاميركية من العراق، وانهاء الاحتلال.

في العراق، تشير الإحصائيات الى أن 78% من العراقيين يعارضون وجود قوات أجنبية في العراق وهذه المعارضة تصل الى97% بين سكان المناطق الوسطى وتصل الى83 % في المناطق الجنوبية، أما في الولايات فلعل أبلغ تعبير عن هذه النسب، هو التأييد الشعبي الذي أوصل أوباما الى البيت الابيض في ظل استياء من آداء ادارة بوش، ووعد اوباما خلال حملته الانتخابية بسحب الجنود من العراق والانتصار على الارهاب.

وهكذا إذاً،  تكون القضية في العراق ليس في اذا ما كانت الولايات المتحدة ستنسحب أم لا- فالولايات المتحدة تريد ان تترك العراق بأسرع وقت ممكن يكون مناسبًا لمصالحها، والعراقيين يريدون رحيل الولايات المتحدة لتحقيق سيادتهم واستقلالهم ومسك زمام أمنهم بأنفسهم- بل القضية بمجملها تبدو في كيفية الانسحاب ومداه وهل سيكون كاملاً أم جزئيًا، وما هي استراتيجية الخروج التي سيعتمدها الأميركيون في العراق؟

تشعر الولايات المتحدة في العراق بأنها في مرحلة انتقالية قد تكون صعبة بصعوبة هزيمة القاعدة، كما تشعر أنها بحاجة الى الرحيل وتخفيف الاكلاف المادية والعسكرية والبشرية لقواتها في العراق.

 لكن ما يثيره الأميركيون من مخاوف تتجلى في كون العراق قد حقق تقدمًا في الحياة السياسية والأمنية، لكن لا أحد، مع ذلك، يمكنه التأكيد أن العراق قادرعلى تحقيق التسوية السياسية للتعامل مع ما تبقى من المشاكل الداخلية أو ما اذا كان هناك موجة جديدة من العنف الأهلي، أو ما إذا كان العراق سوف يواجه مشاكل مع جيرانه. 

ويخشى الأميركيون من رغبة إيران في توسيع نفوذها في العراق، وهي كانت قد أبدت رغبتها واستعدادها لملء الفراغ الاميركي بعد الخروج. أما بالنسبة لتركيا، فيدرك الأميركيون أن الاتراك لن يتسامحوا مع ملاذات الحركات الكردية في الشمال مثل حزب العمال الكردستاني، وقد يستغلون الخروج الاميركي من العراق لفرض سيطرتهم على الشمال.

أما بالنسبة للدول العربية، فيدرك الأميركيون أن الدول الخليجية المتحالفة مع الأميركيين غير قادرة على توفير دعم كافٍ للعراق يوفر له الأمن والاستقرار المنشودين بعد رحيل القوات الاميركية منه…

لكل هذه الأسباب، يدرك الأميركيين إن الأمن العراقي سيعتمد على قدرات قوات الأمن العراقية (قوى الأمن الداخلي)، وقدرتها على التعامل مع الصراعات الداخلية والضغوط الخارجية على حد سواء، وبالتالي، يبدو أن الحل يكمن في كيفية تطبيق الاتفاقية الأمنية التي وُقّعت بين العراق والولايات المتحدة الاميركية.

الملاحظ أنه بالرغم من كل النقاشات التي سادت قبل توقيع الاتفاقية والتي تضمّنت الكثير من البحث حول تفاصيل التوقيت والظروف الملائمة لانسحاب القوات الأميركية، وزيادة الولاية القضائية العراقية على أفراد الجيش الأميركي والمتعاقدين، والحقوق المختلفة، والحدّ من قدرة الولايات المتحدة على القيام بعمليات من دون موافقة السلطات العراقية الخ… لكن كل هذه النقاشات لم تعطِ الأهمية الكافية لكيفية تفعيل قوات الأمن العراقية، على الرغم من علم الموقعين والاستراتيجيين المفاوضين الذين أعدّوها أن معدل سرعة انسحاب القوات الأميركية يقلل حتمًا من الفترة الزمنية اللازمة لتصبح القوات العراقية قادرة على الاعتماد على نفسها.

وهكذا نجد عند قراءة نص الاتفاقية أن قادة العراق والولايات المتحدة توافقوا على جدول زمني لانسحاب قوات الولايات المتحدة من دون أي اتفاق عام على خطة لضمان قدرة القوات العراقية على العمل من دون دعم الولايات المتحدة والضمانات الأمنية، وهذا ما جعل الرئيس الاميركي باراك اوباما يعلن عن نيته  “إبقاء قوة أميركية انتقالية يتراوح قوامها ما بين 35 ألف جندي إلى خمسين ألفًا تنحصر مهامها في تدريب وتجهيز القوى الأمنية العراقية[27]” بالإضافة إلى “مساعدة الحكومة في محاربة الإرهاب، أو مواجهة أي تصعيد عسكري محتمل، وذلك قبل حلول نهاية العام 2011”.

وأوضح اوباما في تصريح له، أن قرار سحب القوات بدءًا من العام 2010 يأتي في إطار إستراتيجيته التي حدّد فيها إنهاء الوجود الأميركي في العراق خلال 18 شهرًا من تسلّمه ولايته الدستورية، ولكنه ربطها بالاستناد إلى مشاوراته مع القادة العسكريين و”تحسن الوضع الأمني” في ذلك البلد. ولعل عبارة “تحسن الوضع الأمني” التي ربط اوباما الانسحاب الاميركي بها هي الاشكالية التي ستواجه العراقيين عند استحقاق موعد سحب القوات الاميركية من العراق، لأن العذر المستخدم “تحسن الوضع الأمني”  قد ينطوي على اشكاليتين خطيرتين:

–       قد تعمد الولايات المتحدة الى توتير الوضع الأمني في البلاد لضمان استمرار بقاء قواتها بذريعة “عدم تحسن الوضع الأمني”، علمًا أن تقارير كثيرة كانت قد برزت عن الشبكات الاميركية والاسرائيلية التي تقوم بما يطلق عليه اسم “الحرب القذرة” التي بدأت منذ بدء الاحتلال في العراق، والتي تتكشف فصولها يومًا بعد يوم[28].

–       في المقابل قد يؤدي انسحاب القوات الاميركية بدون “ضمان تحسن الوضع الأمني”، وفي ظل عدم قدرة العراقيين على ضمان الاستقرار والأمن، وصفة جاهزة لحرب أهلية عراقية قد لا تنتهي او قد تؤدي الى عدم استقرار في المنطقة الاقليمية بمجملها. وقد كان لافتًا التفجيرات والحوادث الأمنية التي عادت الى الظهور منذ ليلة السابع من نيسان 2009، حينما فجر الارهابيون سبع سيارات مفخخة تزامنًا مع الاستعدادات الجارية على قدم وساق لانسحاب القوات الأميركية من المدن في حزيران المقبل، تمهيدًا للإنسحاب شبه الكامل في العام 2011، وكأن الذين يفجّرون، يبعثون برسالة واضحة تؤكد أنهم لا يبحثون عن نهاية للاحتلال.

ويشكك الكثير من الاستراتيجيين الأميركيين في قدرة وفعالية المدربين الأميركيين في استعادة  قوات الأمن العراقية قوتها الكاملة والقدرة القتالية، لذا يعتبرون أنه في النهاية قد يكون الحل هو في تقوم الولايات المتحدة بتسلم مسؤولية قوات الأمن العراقية، قبل أن تكون قادرة تمامًا على القيام بهذه المهمة، أو سحب المدربين قبل الأوان والمشاركة في وحدات قوى الأمن الداخلي لتأمين احتياجات البلد والدفاع عنه. لهذا أكدّ الجيش الاميركي الشهر المنصرم أن القوات العراقية ما زالت في حاجة الى الكثير من المهارات وان المشوار لا زال طويلاً، وان الانسحاب من المدن العراقية لا يمنعه من شنّ عمليات بطلب العراقيين، وكذلك لا يعني عدم العودة اليها أو دخولها اذا طلبت الحكومة ذلك، خصوصًا في العمليات العسكرية وعمليات التطهير التي تقوم بها القوات العراقية.

خاتمة

في النهاية، لا بد أن نشير أن الخبراء الاستراتيجيين يختلفون في تحديد الإستراتيجية التي سيقوم أوباما بتنفيذها في العراق، وضمن هذا الاختلاف يبرز 3 تيارات:

التيار الاول وهو المتفائل جدًا والذي يعتقد أن أميركا ستتقيد بنصوص الاتفاقية الأمنية الموقّعة بينها وبين العراق، وستسحب قواتها كليًا من العراق، تاركة البلد المحتل لأهله ليعيدوا إعماره ويسترجعون السيادة الكاملة على نفطه وثرواته وقراره…. رأي يروّج له الأميركيون والسلطة العراقية الحاكمة، وهو احتمال ضعيف للغاية.

التيار الثاني يعتقد أن الأميركيين سيكتفون فقط بإبقاء قواعد عسكرية عدة، تمكنّهم من التحكم بالنفط وهو ما سعوا إليه منذ قيامهم باحتلال العراق، وهو الخيار الذي نعتقد أنه الأقل احتمالاً.

اما التيار الثالث وهو الإحتمال الاقوى، يتحدث عن إبقاء حوالي 50 الف جندي أميركي في قواعد عسكرية على مساحة البلاد، لا تسمح للأميركيين بالتحكم بالنفط فحسب، وإنما تسمح لهم أيضًا بالتحكم بالقرار السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد.

 نشير الى أننا نرى أن الاحتمال الثالث هو الأقرب الى الخيار الذي قد يتخذه أوباما في تحديده لإستراتيجية الخروج من العراق، وهو الذي يمكن أن نستشرفه مما أطلقه أوباما من تصريحات حول العراق، ومن الخيارات العسكرية التي تتخذها القيادة الأميركية في العراق.


[1]  بالرغم من أن مصطلح دولة الاحتلال أي التي قامت بالتدخل العسكري قد يعتبره البعض الانسب نظريًا، لكننا  نفضّل لأغراض هذه الدراسة ولخصوصية الوضع العراقي استخدام تعبير دولة الاحتلال، والتي ستتكرر في اقسام الورقة كافة.,

[2]  أيضًا سيتم استخدام عبارة “الدولة المحتلة” للاشارة الى الدولة المحتلة بالتدخل أو الدولة المتدخل في شؤونها.

[3] Thomas C. Shelling, Arms and Influence , Yale University Press, New Haven, pp. 35-91

[4]  H. E. Goemans, War and Punishment: The Causes of War Termination and the First World War, Princeton University Press, Princeton, 2000.

[5] See Thomas C. Schelling, Arms and Influence, Yale University Press, New Haven,  1966, p. 35-91.

[6] David M. Edelstein, Exit Strategies, lecture delivered in Georgetown University, March 2008.

[7] Gideon Rose, “The Exit Strategy Delusion,” Foreign Affairs 77, no.  ,1998.

[8] David M. Edelstein, op cit.

[9] Anthony Lake, “Defining Missions, Setting Deadlines: Meeting New Security Challenges in the Post-Cold War World,” Remarks at George Washington University, March 6, 1996.

[10] See Ashley J. Tellis, “Terminating Intervention: Understanding Exit Strategy and U.S. Involvement in Intrastate Conflicts,” Studies in Conflict and Terrorism 19, no. 2 ,1996.

[11] See:  Henry Kissinger, Ending the Vietnam War: A History of America’s Involvement in and Extrication from the Vietnam War: Simon & Schuster, New York, 2003, p. 142.

See also:  Robert D. Schulzinger, A Time for War: The United States and Vietnam 1941-1975, Oxford University Press, New York, 1997, p. 285.

[12] Roland Paris, At War’s End: Building Peace after Civil Conflict , Cambridge University Press, New York, 2004.

[13] David M. Edelstein, op.cit.

[14] Quoted in Spencer Mawby, British Policy in Aden and the Protectorates, 1955-67: Last Outpost of a Middle East Empire, Routledge, London; New York, 2005, p. 157.

[15] David M. Edelstein,op.cit.

[16] هذا ما حصل مع  اسرائيل  في لبنان، فقد سعت كثيرًا للتوصل إلى اتفاق رسمي يسبق الانسحاب الاسرائيلي من بيروت وبعض المناطق اللبنانية في أيار 1985. في البداية حاولت اسرائيل فرض عقد تسوية سلمية بينها وبين لبنان لكنها لم تستطع فرضها وتمّ الانقلاب عليها واسقاطها في آذار 1984، وقد  جهد الاسرائيليين وسعوا إلى مزيد من التفاوض فيما بعد للوصول الى إتفاق دون جدوى، الى أن استسلمت اسرائيل للأمر الواقع، وباتت كلفة بقائها في لبنان البشرية والمادية، والضغوط المحلية في الداخل الاسرائيلي أكبر بكثير من المنافع التي ستجنيها منى بقائها في لبنان لمدة أطول أملاً في توقيع اتفاقية مع لبنان، وهكذا انسحبت اسرائيل من لبنان في العام 2000.بدون توقيع اي اتفاقية.

[17]  للاطلاع على المواقف المتشائمة من ابقاء جزء من القوات في العراق انظر:

 Stephen Biddle, “Iraq: Go Deep or Get Out,” Washington Post, July 11, 2007 and also

 Biddle, “Evaluating Options for Partial Withdrawals of U.S. Forces from Iraq,” Testimony before the U.S. House of Representatives Armed Services Committee, Oversight and Investigations Subcommittee, July 25, 2007

[18] Kissinger to Nixon, “Our Present Course in Vietnam,” September 10, 1969. Reprinted in Kissinger, Ending the Vietnam War: A History of America’s Involvement in and Extrication from the Vietnam War, p. 587.

[19] Ibid.

[20] Barry O’Neill, Honor, Symbols, and War, University of Michigan Press, Ann Arbor, 1999, p.140.

[21] Ibid.

[22]  انظر بيان الحقائق الصادر عن البيت الابيض في 4 كانون الاول 2008، على الرابط التالي:

http://www.america.gov/st/peacesec-arabic/2008/December/20081205154525bsibhew0.9175836.html

[23] See Jeffrey P. Kimball, Nixon’s Vietnam War, University Press of Kansas, Lawrence, 1998, p. 72-73.

 [24] هو مصطلح يستخدم لوصف النظام السياسي الاميركي الحاكم. ووهي ترمز الى الحزام الذي يلف المدينة (بلتواي) ويشير في جوهره الى المكاتب التي تستخدمها الحكومة الفدرالية، ومقاوليها، واللوبيات ووسائل الاعلام التي تتعامل معهم. تستخدم هذه العبارة كبديل او تشبيه وصفي للمجموعات التي تتحكم بالسياسة الاميركية والتي تتحاور حول مختلف قضايا السياسة اليومية منها على سبيل المثال كتّاب أعمدة الصحف، والبرامج التلفزيونية وغيرها من صناع الرأي.

الاستخدام الاول لهذا المصطلح كان للكاتب نيكولاس هوورك في النيويورك تايمز في 12 تشرين الأول 1975  الذي اعتبر ان فضيحة واترغيت بدأت تصبح خطيرة وجدية عندما خرجت فقط من دائرة “واشنطن بالتواي”، وانتقلت الى الأميركيين العاديين.

[25] Look: Center of global affairs report, CGA SCENARIOS, IRAQ POST-2010.

[26]  قام  جناح حمود المنسق الإعلامي للقوات المتعددة الجنسيات في العراق بانكار ما جاء في هذه الدراسة.  وقال حمود: “أؤكد لكم أن الدراسة التي حصلتم عليها من جامعة نيويورك التي تقول بأن الحل في العراق هو حل عسكري، وأن الأفضل هو الجنرال عبود كنبر قائد حملة خطة فرض القانون، هي خاطئة. نحن كما قال الجنرال كيفن بيرغنر الناطق الرسمي قوات التحالف، لا نحبذ أي فكرة للعمل العسكري، وقيادة عسكرية هنا. ونحن كما قال الجنرال بيرغنر في مؤتمره الصحافي منذ يومين، ندعم الحكومة العراقية، وندعم حكومة المالكي. ونحن هنا لاستتباب الديمقراطية، ولسنا هنا لحل عسكري”. انظر:  جريدة كل العراق، 11 آب 2008.

[27]  بحسب بعض المصادر العسكرية لن يكون الجيش العراقي جيشًا متسلحًا بالقدر الكافي الا لغاية  عام 2018.

[28]  كشف المستوطن اليهودي من اصل عراقي ابراهم اكرم  والذي يقطن في (حي محاني يهودا ) بالقدس الغربية,ان الموساد الاسرائيلي استطاع تجنيد العشرات من الشبان العراقيين في مدن عراقية مختلفة ابرزها بغداد والحلة والموصل والبصرة مضيفا ان الموساد الاسرائيلي يستعمل خلال عملية التجنيد صور قديمة تعود الى القرن الماضي يظهر فيها مشاركة اليهود في (ممارسات اجتماعية ) اضافة الى صور اخرى يظهر فيها التعايش بين اليهود والمسلمين في العراق. 

وحول اهداف عملية التجنيد قال:((الموساد لديه عدة أهداف من ذلك لكن ابرزها جمع المعلومات عن نشاط المجاميع المسلحة واختراقها وكذلك معرفة التوجه السياسي لافراد الجيش العراقي وطبيعة حياتهم الاجتماعية واختراق الطلبة وشراء العقارات والبيوت والسيطرة على التجارة اضافة الى معرفة الوضع المعاشي الاجتماعي داخل العراق اولا باول)) على حد قوله.

ويذكر أكرم أن استاذ في قسم تاريخ الشرق الاوسط بجامعة تل ابيب قال للطلبة الاسرائيليين بان النهاية في العراق تبدأ في سامراء.

التداعيات الاستراتيجية للتقارير الدولية على اسرائيل[1]

ليلى نقولا الرحباني

مقدمة

بعد صدور تقارير دولية عدة تدين اسرائيل وتتهمها بارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية والى “ما يقارب” الابادة الجماعية، يبدو من المفيد دراسة التداعيات الاستراتيجية على سابقة في تاريخ العلاقات الدولية منذ انشاء اسرائيل، فلأول مرة تقوم تقارير رسمية أممية بـ”محاولة” مساءلة اسرائيل على ما اقترفته من فظائع.

وبالرغم من أن غولدستون حاذر اعطاء التوصيف الفعلي والقانوني للاعمال الاسرائيلية، وخفف كثيرًا من حدة تقريره، كما اعترف، فلم يذكر سوى “جرائم الحرب” واحتال على التوصيف القانوني لجريمة الابادة، فاعتبر ان هناك “نيات متعمدة اسرائيلية لفرض عقوبة جماعية”، الا أن تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة “ريشارد فولك”، المنوي مناقشته خلال الشهر الحالي يعدّ أهم وأخطر من تقرير غولدستون[2] وستكون لمناقشته العلنية وعرضه أمام الراي العام تداعيات أكبر وأخطر على اسرائيل، فيما لو عُرض.

لن ندخل في التفاصيل القانونية للتقارير وعلى توصيف الجرائم الاسرائيلية وتفنيدها بموجب القانون الدولي العام، فهذا الموضوع قد أشبع درسًا منا ومن كثر الحقوقيين والمهتمين بالشأن[3]. لكننا سنعالج في هذه الورقة التداعيات الاستراتيجية التي خلّفتها هذه التقارير على اسرائيل عالميًا، وعلى القاعدة الاجتماعية اليهودية في العالم، لاعتقادنا أنه حتى لو لم تتم محاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين، ستكون اسرائيل امام تداعيات مستقبلية خطيرة لن تتخلص منها بسهولة.

ماذا في هذه التداعيات؟

أولاً: انهيار صورة “التفوق النوعي”

ثانيًا: تقويض شرعية اسرائيل على الساحة الدولية

ثالثًا: بداية تحولات في القاعدة الاجتماعية لليهود حول العالم.

 

أولاً: انهيار صورة “التفوق النوعي”

يمكن القول أن الخطر الأكبر الذي تواجهه اسرائيل حاليًا بعد صدور التقارير الدولية التي تدينها وأهمها تقرير غولدستون هو تحطيم “الصورة” التي رسمتها لنفسها خلال عقود من الزمن، وكلّفتها الكثير من الجهد الدبلوماسي والسياسي والمالي والاعلامي وجهد اللوبيات اليهودية في العالم.

عملت اسرائيل منذ ما قبل تأسيسها وبالتحديد منذ نشوء الحركة الصهيونية على انتاج صورة عن نفسها وعن شعبها مستندة في ذلك الى معتقدات دينية توراتية، وصولاً الى مرحلة قيام “الدولة” وما رافقها من استعمال “الصور المتناقضة” التي تصلح للاستخدام السياسي والدولي.

عمل المنظّرون الأوائل للحركة الصهيونية على استجلاب العديد من مفردات الخطاب الديني اليهودي بهدف إدخالها ضمن النسق الفكري الداعي الى أحقية بناء وطن قومي لليهود في فلسطين، بحيث أدرج هذا الامر ضمن “قيم معيارية ونسق متكامل” من صور “الأنا” و”الآخر”، والتي سرعان ما أضيف إليها صور أخرى بعد تأسيس الدولة.

مستمدة من مفاهيم توراتية وتلمودية، عمل الاسرائيليون على تكريس صورة “الشعب المختار والمتفوق”، وذلك في كتابات المفكرين الصهاينة الاوائل، وبالتحديد، تيودور هرتزل الذي قال في كتابه: “فلسطين هي الوطن التاريخي لليهود، ومن هناك سوف نشكّل جزءًا من استحكامات اوروبا في مواجهة آسيا كموقع أمامي للحضارة في مواجهة البربرية”.[4]

في هذه العبارة، نجد صورة رسمها هرتزل وعملت الصهيونية العالمية على ترسيخها لغاية اليوم، وهي ترتكز على معايير ثلاث:

1-    التركيز على تمجيد الذات ورفع “الأنا” الى مستوى أعلى من البشر الآخرين، وهي صورة تتلاءم مع الصورة التي تقدمها النصوص الدينية اليهودية.

2-   العمل على تشويه صورة الآخر، فالآخر هو “البربري العنيف” مقابل “الحضارة والرقي والتمدن”.

3-   صاغ هرتزل لليهود وللدولة الموعودة، وظيفة ودورًا هامين جدًا تتجلى في حيازة “موقع أمامي متقدم” لاوروبا في مواجهة “العدو”، بغض النظر عن الصفات التي يتخذها هذا “العدو” والتي تتبدل بتبدل اللحظة التاريخية، فقد يكون البربري في لحظة تاريخية معينة لينتقل الى الارهابي في فترتنا الحاضرة.

فيما بعد أضيفت الى هذه الصورة، صورة اخرى تتلاءم مع مرحلة تاريخية مختلفة أي مرحلة تأسيس الدولة، وهي صورة “الضحية المظلومة” التي تأتي لتبرر للمتفوقين أخلاقيًا وقيميًا ما يقومون به من مجازر وعدوان وتعديات، ويمكن أيضًا أن نقتبس من بن غوريون في احد رسائله عبارة معبرة يقول فيها: “مَن يَعلم لمن ستكون الكفة الراجحة، هل هي لعدالة وحضارية انجازاتنا في فلسطين، والمحنة الرهيبة لليهود في المهجر من ناحية، أم لقنابل العصابات العربية وألغامها، وتهديدات وسلطة الحكومات العربية، والعداء المتزايد لليهود في العالم”[5].

إذًا، بالاضافة الى الصور السابقة التي ارساها المفكرون والاعلاميون والسياسيون الصهيونيين، أضيف اليها صورة اخرى هي “صورة الضحية المظلومة المهددة في وجودها وكينونتها” والتي تعاني الأمرّين في المهجر وتعيش تجارب رهيبة وقاسية، وهي صورة لازمة من المنظور الصهيوني لاستدراج العطف اللازم لتأسيس الدولة، واستجلاب اليهود من انحاء العالم الى فلسطين لتخليصهم من العداء والمآسي التي يعانون منها.

في هذه المرحلة، انتقل الفكر الصهيوني الى تحديد أكثر للعدو فلم يعد مجرد “بربري” بل بات له اسم وهوية: إنه العربي الذي يحمل “قنابل وألغام” ويهدد اليهود في وجودهم وحياتهم هو وسلطاته وحكوماته.

ولان بحثنا اليوم لا يتسع لشرح تفاصيل انتاج البناء المعرفي والصوري عن النفس والآخر في الفكر الصهيوني، يمكن أن نلخّص الصورة التي كانت قد انتجتها اسرائيل عن نفسها وركّزتها في ذهن الرأي العام العالمي عشية حرب لبنان عام 2006 بالصفات التالية:

–       تفوق أخلاقي وحضاري مقابل أعداء إرهابيين منحطّين أخلاقيًا ومتخلّفين حضاريًا، وهم بالمجمل “معادين للسامية”.

–       اسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط.

–       لاسرائيل دور ووظيفة تؤديهما، ووجودها ضروري لحماية المصالح الاميركية والغربية في المنطقة.

–       الضحية المظلومة التي تقاتل للدفاع عن نفسها ضد اعداء يريدون الغاءها.

–       الجيش الاسرائيلي هو الجيش الاقوى الذي لا يُقهر، وأي حرب يخوضها يخرج منها منتصرًا بسهولة.

وبالرغم من تناقض صورة الضحية مع صورة القوة التي لا تقهر، فقد استطاعت اسرائيل ان تجعل العقل الغربي يقبل صورتان متناقضتان بدون تفكير: صورة الضحية المغلوب على أمرها المهددة في وجودها وصورة القوة العاتية التي لا تقهر.

لكن، ما رسمته الدعاية الصهيونية خلال ما يزيد عن قرن من الزمن وكل الجهود التي بذلتها اعلاميًا وسياسيًا وفكريًا لترسيخ صورة اسرائيل هذه في العقل اليهودي والغربي والعالمي، بدأت ملامحه الحقيقية تنكشف منذ حرب تموز 2006 ولغاية اليوم. وبدأت ألوان الصورة المزيفة تتحلل، وتتكشف يومًا بعد يوم وذلك على الشكل التالي :

1-   في صورة القوة العاتية ووهم الوظيفة والدور 

 بلا شك، كان لحرب لبنان 2006 تأثيرات هامة على صورة الجيش الاسرائيلي “الذي لا يُقهر”، فقد ظهر بشكل جلّي وواضح ان القوة والهيبة الاسرائيلية والردع الذي امتلكته منذ عقود وبالتحديد منذ عام 1967، جميعها قد سقطت بالضربة القاضية.

وبحسب الخبراء العسكريين، تعد حرب غزة «نكسة» للجيش الاسرائيلي، فقد كشفت الوهن الذي أصابه والذي لم يستطع تفاديه بعد حرب تموز 2006، بالرغم من ملاحظات «فينوغراد» ونصائحه في كيفية استعادة الهيبة والردع. لقد كان لما حصل في غزة من عدم قدرة الاسرائيليين على تحقيق انتصار ساحق على مقاومة لا تملك العمق الاستراتيجي الذي يملكه حزب الله في لبنان ولا المقومات العسكرية نفسها، تداعيات على الجيش الاسرائيلي الذي أثبت عجزه عن حسم أية معركة يخوضها بعدما كان «الجيش الذي لا يقهر» والذي انتصر على دول عربية مجتمعة واحتل أجزاء من أراضيها في ستة أيام.

لقد أثبتت الحرب التي شنّها الاسرائيليون على لبنان عام 2006 وبعدها الابادة التي مارسوها في غزة، نظرية «عجز القوة»، بل لعلها أعطت الدليل القاطع على ان قرار الحرب لم يعد بأيدي الاسرائيليين منفردين، بل صار ملك منظومة توازن عسكري استراتيجي في المنطقة، وهو ما تثبته التهديدات الاسرائيلية المتتالية للبنان والتي تبقى في اطار التلويح والتهديد لغاية الآن.

أما الوظيفة والدور التي حددتها اسرائيل لنفسها كموقع متقدم للجبهة الغربية في حربها واستعمارها للمنطقة، فقد أتت التطورات التي حصلت منذ مجيء الاميركيين عسكريًا الى المنطقة واحتلالها العراق، وبعدها هزيمة الذراع العسكرية للغرب في حرب تموز 2006، لتكشف ان اسرائيل لم تعد مصدر ثقة للغرب وغير قادرة لاسباب بنوية جوهرية أن تضطلع بالوظيفة والدور المنوطان بها وأهمها أن تكون “شرطي المنطقة”.

2-   في صورة الضحية وادعاء التفوق الاخلاقي

بشكل لا يقل عن أهمية تهاوي “صورة القوي الذي لا يُقهر” تتهاوى الآن أمام أعين الاسرائيليين، صورة “اسرائيل الضحية الخيّرة المظلومة” التي “تدافع عن نفسها” ضد أعداء شريرين يحاولون القضاء عليها وابادتها و”رميها في البحر”.

لقد كان للصور التلفزيونية التي بثّتها وسائل الاعلام والتي أظهرت وحشية الحرب التي شنّتها اسرائيل على قطاع غزة، تأثيرها الكبير في كشف صورة اسرائيل العدوانية والعنصرية وجعلت الاعلام الغربي المسخّر لخدمة الصهيونية عاجزًا أمام هول الصورة الحقيقية، ما جعل التعاطف المبني على أسباب تاريخية  في الغرب تجاه اسرائيل يتراجع في أذهان الشعوب. وهكذا شهدت عواصم العالم مظاهرات حاشدة ضد الهجوم العسكري الاسرائيلي على شعب أعزل محتلة أرضه ولادانة الحصار الاسرائيلي المفروض على غزة باعتباره “عقابا جماعيًا” لشعب بأكمله.

أما الصور القيمية الاخلاقية الزاهية التي روّجتها اسرائيل عن نفسها، والتي استمرت في رسمها أكثر من قرن من الزمن، فقد لطختها دماء الأطفال الفلسطينيين والشواهد الدامغة التي أتت بها التقارير الدولية التي أثبتت بالدليل القاطع أن الجيش الاسرائيلي “استخدم الاطفال دروعًا بشرية” وانه قصف المناطق الآهلة والمدارس والمستشفيات ومقرات الامم المتحدة “بشكل متعمد”، بينما لم يثبت أن حماس قامت بأي من هذه الاعمال الوحشية أو الاجرامية التي لا تقيم وزنًا لا لضمير انساني ولا اخلاقي ولا ديني.

واستكمل تحطيم الصورة الاخلاقية الحضارية الراقية الاسرائيلية، بالتقارير التي كشفتها الصحافة الاوروبية حول قيام القوات الاسرائيلية بسرقة الأعضاء البشرية للشهداء الفلسطينيين والمتاجرة بها، وتتابعًا مع الكشف الخطير حول انتهاك اسرائيل لسيادات الدول الاوروبية من خلال تزوير جوازات سفر لمواطنيها واستخدامها في عملية اغتيال المبحوح في دبي.

بالاضافة الى مصداقية المنظمات التي ادانت اسرائيل، كان تعيين القاضي الجنوب افريقي غولدستون،  ضربة قاصمة لمقولة “معاداة السامية” التي يلصقها الاسرائيليون بكل معارض لهم او منتقد لسياساتهم، فالقاضي المذكور هو من اليهود المؤيدين لاسرائيل وتاريخه وتصريحاته تشهد له بذلك[6]، بالاضافة الى أن عدد من المظاهرات التي انطلقت في العالم ضد الحرب على غزة قادها يهود أو كانوا من المشاركين الأساسيين فيها وفي انتقاد الممارسات الاسرائيلية[7].

3-   ادعاءات “الدولة الديمقراطية الوحيدة” في الشرق الاوسط

أما صورة “الدولة الديمقراطية الوحيدة” في الشرق الاوسط، والتي نظّر لها الغرب وبعض العرب من مفكرين ومحللين سياسيين، فقد بدأت بالاهتزاز أيضًا، بعد تهم الفساد التي تواجه معظم القيادات الاسرائيلية، وآخرها محاكمة اولمرت على ضلوعه بالفساد خلال فترة توليه منصبه  والتي استؤنفت في شباط الماضي.[8]

واليوم تتعالى أصوات يهودية من الداخل الاسرائيلي وخارجه لتكشف زيف هذه الصورة بعد التداعيات التي فرضتها التقارير الدولية ومنها تقرير غولدستون، والانباء التي تتحدث عن سياسات حكومية اسرائيلية “مكارثية” كرد على تقرير غولدستون، حيث تقوم الحكومة الاسرائيلية بالتضييق على منظمات حقوق الانسان وعلى وسائل الاعلام بسبب “مساهمتها في تشويه صورة اسرائيل دوليًا، بحسب الادعاء الاسرائيلي.

بسبب دور مزعوم لهذه المنظمات الانسانية في الحقائق التي استند اليها تقرير غولدستون والحملة الدولية التي استتبعها ضد اسرائيل، تحاول الحكومة الاسرائيلية تمرير قانون يضيق هامش الحريات التي تتمتع بها المنظمات غير الحكومية، ويضع عليها شروطًا تعجيزية سيؤدي في حال تصديقه الى سجن معظم رؤساء منظمات حقوق الانسان الداعية للسلام، وهذا ما يدفع  بعض الاسرائيليين الى التشاؤم واعتباره توجهًا اسرائيليًا نحو الديكتاتورية.

هكذا إذًا، تهاوت أجزاء الصورة التي رسمتها الصهيونية عن اسرائيل وشعبها المختار المتفوق أخلاقيًا، الى حد وصف كثير من اليهود لدولة اسرائيل بانها تشبه نظام “الفصل العنصري في أفريقيا”.

ويبقى على العرب من جهتهم والقيّمين عليهم أن يرسخوا هذه الصورة اعلاميًا وسياسيًا وثقافيًا، ليس في العالم العربي فحسب بل في العالم أجمع، لا أن يندفعوا لمد اليد والقبلات ومحاولات التطبيع مع العدو لإخراجه من “أزمته الوجودية” التي بدأت تلوح في الأفق.

 

ثانيًا: تقويض “شرعية” اسرائيل على الساحة الدولية

1- توتر علاقات اسرائيل مع حلفائها التقليديين (اوروبا واميركا)

لعل أي مطّلع على الدعم غير المسبوق والتحالفات الدولية التي عقدتها اسرائيل خلال ما يزيد عن ستين عامًا على تأسيسها، يعلم أنه بالرغم من كل الانتهاكات التي قامت بها للقانون الدولي وكل المجازر التي ارتكبتها، بقي الاميركيون والاوروبيون مستمرين في دعم اسرائيل واعلانهم الالتزام بازدهارها وحقها في الامن والسلام، كما في “حقها في الدفاع عن نفسها” فهي “دولة تحارب من أجل السلام”، وتتعرض بشكل دائم لخطر “الارهابيين من الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والايرانيين”، بحسب زعمهم.

إن مراجعة المواقف الحديثة للقادة الاوروبيين التي استفاضت في دعم اسرائيل، كبراون وبرلسكوني وساركوزي، على سبيل المثال، الذي اعتبر ان “اسرائيل هي معجزة القون العشرين التي تتقدم بالرغم من كل التحديات والاخطار التي تحيط بها”، بالاضافة الى تصريحات مسؤولي الاتحاد الاوروبي كنائب رئيس اللجنة الاوروبية السيد فرانكو فراتيني، الذي اعلن خلال مشاركته في مؤتمر هرتسيليا الثامن، باسم الاتحاد الاوروبي: “الالتزام التزامًا عهيدًا بدولة اسرائيل اليهودية، وبحقها في العيش بسلام… وعدم التسامح مع معاداة السامية أبدًا…”[9] ان من يراجع هذه المواقف يعلم حجم الخسارة الاستراتيجية التي يمكن أن تتكبدها اسرائيل في حال بدأت دول العالم تتخلى عن الدعم المفرط لها والتعهد بنموها واستقرارها وأمنها.

لإدراكها لخطورة تداعيات تقرير غولدستون عليها في علاقاتها الدولية، طالبت اسرائيل في ردها على التقرير بتغيير قوانين الحرب والتي تعتبر من أهم قواعد القانون الدولي الانساني.[10]

وفي هذا الاطار، لا يمكن لأي مراقب موضوعي أن يغفل عن الدلالات السياسية والرمزية لإعلان البرلمان الأوروبي خلال الاسبوع المنصرم[11] تأييده لتقرير غولدستون ومطالبته بالعمل على تطبيق التوصيات الواردة فيه، والدعوة إلى إجراء تحقيقات للكشف عن الحقائق وتحديد المسؤوليات عن الانتهاكات التي حصلت خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة. بلا شك، يعتبر هذا الاعلان ضربة مهمة للعلاقات الاسرائيلية مع اوروبا والتي تراهن عليها اسرائيل اقتصاديًا وسياسيًا واستراتيجيًا.

وكان تصاعد السخط العام الأوروبي ضد الفظائع الاسرائيلية في قطاع غزة أدى  خلال عام 2009 الى تعليق الاتحاد الأوروبي تنفيذ اتفاق مقرر لرفع مستوى العلاقات مع اسرائيل. وقال دبلوماسي رفيع في الاتحاد الأوروبي ان “الحرب في غزة واستمرار بناء المستوطنات اليهودية واستمرارالحصار على غزة تجعل من الصعب أن تمضي العلاقات بين اسرائيل والاتحاد الأوروبي بالصورة المعتادة”[12].

وربما يكون من ظواهر التحول في العلاقات الأوروبية الاسرائيلية، إصدار محكمة بريطانية في كانون الاول من عام 2009 أمرًا بالقبض على وزيرة خارجية اسرائيل السابقة تسيبي ليفني على خلفية دعوى قضائية بشأن تورطها في ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، ما دفعها الى إلغاء زيارتها المقررة الى بريطانيا. ورغم أن قرار المحكمة دفع رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون الى الاعلان عن حاجة لتغيير النظلم القضائي البريطاني، وبالرغم من تقليل بعض وسائل الاعلام من شأنه، لكن يبقى أن مثل هذه الخطوة من جانب محكمة بريطانية ما كان يمكن تصورها قبل عقد من الزمان.

أما العلاقات الاميركية الاسرائيلية، وبالرغم من بعض التشجنات الصغيرة التي تحصل الآن خلال عهد الرئيس الجديد باراك اوباما، وأهمها التوتر الذي حصل خلال زيارة بايدن لتل ابيب[13]، الا انه يبقى من الصعب على تقرير غولدستون أو غيره، أن يهز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين والدولتين بالرغم من التبدل “المحدود” الذي يحصل في الرأي العام الاميركي وتساؤلاته حول مشروعية ما تقوم به اسرائيل في قطاع غزة.

وفي هذا الاطار،أظهر استطلاع للرأي في الولايات المتحدة الاميركية، ان الاميركيين الذي يعدّون أنفسهم داعمين لاسرائيل تراجع من 69% قبل حرب غزة الى 49% في حزيران 2009، بينما تناقص عدد المستطلعين الذين يعتبرون ان على الولايات المتحدة الاميركية دعم اسرائيل من 69% الى 44% في الفترة نفسها[14].

ونورد فيما يلي بعض النماذج التي تؤشر الى بدايات” خجولة، لفقدان اسرائيل قوة الدعم العالمي التي تمتعت به في العقود المنصرمة، لكنها كما سنلاحظ أنها تأتي في إطار المجتمعات المدنية أكثر مما هي سياسيات رسمية:

في الميدان القانوني

–        أصدرت محكمة بريطانية مذكرة اعتقال في حق تسيبي ليفني على خلفية اتهامها بجرائم حرب بوصفها وزيرة خارجية إسرائيل أثناء عملية الرصاص المصبوب[15].

–       أثار قرار القاضي الإسباني فرنندو أندراو، محاكمة سبعة من القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب، ضجة كبرى في إسرائيل. وقامت وزارت الخارجية والعدل والاتصالات الاسرائيلية بتجنيد مجموعة من كبار السياسيين ورجال القانون في إسبانيا وأوروبا عمومًا لإجهاض هذا القرار وإلغاء المحاكمة، خوفًا مما وصفوه بـ “تسونامي من المحاكمات” قد تحصل في اوروبا بسبب حربهم على غزة.[16]

–       رفعت منظمات فرنسية دعوى قضائية إلى محكمة الجنايات الدولية ضدّ الرئيس الإسرائيلي، ووزيرة الخارجية ووزير الدفاع الاسرائيلي بسبب جرائم الحرب التي حصلت في غزة.[17]

–       قدم نشطاء أتراك في مجال حقوق الإنسان بتقديم دعوى تتهم أيهود باراك بالإبادة وارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، وطلبوا من المدعي العام إصدار مذكرة اعتقال بحق وزير الجيش الإسرائيلي بتهمة الإبادة في حرب غزة، لدى زيارته تركيا[18].

ميدان الأمن

–       إثر حرب غزة، وبسبب المشاهد التي بثت، أصدرت الحكومة البلجيكية قرارًا بحظر تصدير أسلحة الى اسرائيل “يمكن أن تقوّيها عسكريًا”.[19]

–       صوتت نقابات العمال البريطانية لصالح قرار فرض حظر على البضائع المستوردة التي تنتجها إسرائيل في “المستوطنات غير الشرعية” ووقف الاتجار بالأسلحة مع إسرائيل[20].

منظمات المجتمع المدني

–       رُفع في المظاهرات التي نُظمت في تشرين الثاني 2009 في شوارع البرازيل ومدريد وبيونس آيرس، لافتات تشبه  القادة الإسرائيليين بالنازيين وتتهمهم الإبادة الجماعية.

–       اتهمت ماريد ماغواير الحائزة على جائز نوبل للسلام إسرائيل بانتهاج سياسة “تطهير عرقي” في القدس الشرقية.[21]

–       أعلن المنتدى الاجتماعي العالمي ـ وهو مظلة تضم المئات من الجماعات الاجتماعية، والمناهضة للعولمة، والحقوقية من شتى أرجاء العالم – عن إطلاقه حملة تدعو كافة المنتسبين إليها إلى مقاطعة اسرائيل.[22]

 الميدان الأكاديمي

–       في احد  أكبر المعاهد الأكاديمية في النرويج، عزمت جامعة بيرغين على فرض مقاطعة أكاديمية رسمية على إسرائيل لما وصفته بسلوك إسرائيل الشبيه بالتفرقة العنصرية في افريقيا الجنوبية.[23]

–       عقد مجلس إدارة جامعة ترودنهايم في النرويج جلسة تصويت على إقرار حملة مقاطعة أكاديمية لإسرائيل. وأقامت الجامعة سلسلة ندوات حول استخدام إسرائيل لمعاداة السامية كأداة سياسية[24].

–       أطلقت مجموعة من أساتذة الجامعات الأميركية حملة لحث الاكاديميين الاميركيين على “المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل” بسبب الفظائع التي ارتكبتها في لبنان وغزة[25].

–       اثر بثّ صور المجازر في غزة، رفعت مجموعة من الاساتذة الجامعيين الكنديين الى الحكومة اقتراحاً يطالب بفرض مقاطعة أكاديمية على إسرائيل[26].

–       وقّع 400 أكاديمي في بريطانيا بينهم يهود، رسالة نشرتها صحيفة الغاريان، تدعو الى وقف الحرب في غزة وتحثّ على  مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها فيما لو لم تلتزم[27].

–       وجّه أكثر من 400 أكاديمي رسالة الى متحف العلوم في بريطانيا يطالبونه فيها بإلغاء ورش العمل التي تروّج للمنجزات العملية الإسرائيلية في أوساط طلاب المدارس[28].

ميدان السينما

–       اضطرت احدى شركات الافلام الى الانسحاب من مهرجان تورونتو الدولي للأفلام السينمائية بسبب الضجة التي أثيرت لاختيارها تل أبيب موضوعاً بحثياً[29].

–      بعد احتجاجات كبيرة وتهديدات بالانسحاب، اضطر مهرجان إدينبورغ الدولي للأفلام السينمائية الى إعادة منحة بقيمة 300 جنيه إسترليني كانت السفارة الإسرائيلية قد قدمتها.[30] 

2-   توتر علاقات اسرائيل مع الحلفاء الاقليميين

كما بالنسبة للاتحاد الاوروبي، كذلك بالنسبة لتركيا التي شهدت علاقاتها مع اسرائيل خلال عام 2009 وعلى أثر حرب غزة، أسوأ مرحلة منذ التحالف الاستراتيجي الذي قام بين الدولتين.

لطالما نظرت اسرائيل الى تركيا بوصفها حليفها الأهم والأكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال عام 2008  ثلاثة مليارات دولار، وشمل شراء أنقرة أسلحة إسرائيلية وطائرات من دون طيار بقيمة 183 مليون دولار.

 وقد وفرت تركيا ولفترة طويلة جسرًا بين إسرائيل ودول عربية خليجية، كما لعبت دور الوسيط بين سوريا واسرائيل تمهيدًا لاجراء مفاوضات غير مباشرة خلال عام 2008، وقد أوقف العدوان الإسرائيلي على غزة هذه الاتصالات من الجانب السوري، في حين أن الحرب نفسها زادت من تدهور العلاقات الإسرائيلية مع تركيا.

وقد شهد العام المنصرم الكثير من الازمات الدبلوماسية والسياسية بين تركيا واسرائيل، بدأ بالموقف التركي الشهير في «دافوس» في كانون الثاني عام 2009 حينما انسحب رئيس الوزراء التركي رجب اردوغان من الجلسة احتجاجًا على السلوك الاسرائيلي، ومخاطباً بيريز بقوله «صوتك العالي يثبت أنك مذنب لأن الجيش الإسرائيلي يقتل الأطفال على شواطئ غزة»، في حين أن معظم العرب الحاضرين لم يحركوا ساكناً. ثم أتى قرار أنقرة إلغاء مشاركة اسرائيل في مناورات “نسر الاناضول” الجوية في تشرين الاول 2009 وأزمة المسلسل التلفزيوني التركي “الوداع” الذي يعرض التنكيل الاسرائيلي بالفلسطينيين في الاراضي المحتلة، والأزمة الدبلوماسية الكبيرة التي حصلت بعد أن قام نائب وزير الخارجية الاسرائيلي داني ايلون بإهانة السفير التركي في اسرائيل، لكن تركيا منتصرة ومرفوعة الرأس بعد الاعتذار الاسرائيلي الرسمي.

دفعت هذه المواقف والازمات المتتالية العلاقات بين البلدين الى التباعد أكثر فأكثر، مع تأكيد اقتناعنا بأن تركيا في حركتها لن تصل الى مستوى القطيعة أو الجفاء مع اسرائيل التي تحرص هي بدورها على تلك العلاقة الاستراتيجية. وقد عبّر أحد مسؤولي الخارجية الإسرائيلية لصحيفة هآرتس الإسرائيلية عن تشاؤمه بمستقبل عودة العلاقات التركية الاسرائيلية الى سابق عهدها بقوله “الواقع ربما تغير وربما أصبحت علاقتنا الإستراتيجية بتركيا في مهب الريح”.

قد لا تكون الجرائم الاسرائيلية المرتكبة في غزة بحد ذاتها هي المحفز لتغيير الاستراتيجية التركية في الشرق الاوسط، ولا شك أن تركيا تتحرك للتعويض عن دور فقدته في المنطقة منذ انهيار الامبراطورية العثمانية، ولم تستطع ان تجد ما يناسبها من دور اقليمي في موقعها اللصيق بالغرب، كما باتت على قناعة تامة بأن اوروبا لن تقبل بها عضوًا في الاتحاد الاوروبي، بالاضافة الى ادراكها للتبدلات الاستراتيجية التي فرضتها حروب اسرائيل على لبنان وغزة وتأثيرها على هيبة اسرائيل وقوتها ودورها ووظيفتها في المنطقة… لذا عمدت الى استغلال حرب غزة وما تلاها وما قامت به اسرائيل خلالها من فظائع والتقارير الدولية التي ادانتها، لرسم مسار آخر لسياستها الخارجية بالعمل على تحقيق مصالحة على نطاق واسع مع أعداء تركيا التقليديين كالأرمن والسوريين واليونانيين والأكراد، والدخول كلاعب اقليمي مهم في الشرق الاوسط من بوابة دعم القضايا العربية المحقة، ولعب دور الوسيط الذي يجعل من التحالف مع إسرائيل يغدو عبئًا أكثر منه ورقة رابحة في ظل تبدل المعطيات وبروز توازن استراتيجي جديد في المنطقة.

أما بالنسبة للدول العربية التي توصف “بالاعتدال”، فان تقرير غولدستون والمجازر التي حصلت في غزة وبالرغم من أنها عرّت الانظمة العربية المذكورة، فان التغيير في علاقاتها باسرائيل لم يحصل، ولو حصل فاسرائيل لن تهتم بسبب استتباع هذه الانظمة وعدم امتلاكها لقرارها المستقل.

 

ثالثًا: بداية تحولات في القاعدة الاجتماعية لليهود حول العالم

بالفعل لقد شهد عام 2009 تحوّلاً ملموسًا في مواقف اليهود من إسرائيل، وخاصة الأميركيين منهم. وكان لافتًا بروز الكثير من المنظمات اليهودية التي تعارض السياسات الاسرائيلية ومنها منظمات “جي ستريت”  التي تبدو الآن كمنافس مستقبلي حقيقي لمنظمة آيباك، بالاضافة الى منظمات أقل قوة مثل منظمة “يهود أميركيون من أجل سلام عادل”، و”يهود ضد الاحتلال” الخ… وقد قام هؤلاء بمظاهرات حاشدة جدًا للمطالبة بوقف العدوان على غزة، وأيدوا التحقيقات التي دعا اليها تقرير غولدستون.

تبدو “جي ستريت” التي تأسست عام 2008، كمنظمة يهودية جديدة تقتحم النفوذ التقليدي والمتجذر لآيباك، مطوّقة من اليمين واليسار على حد سواء. فخلال نزاع غزة، أصدرت المنظمة بياناً أدانت فيه حماس وإسرائيل لأنها “عاقبت مليون ونصف مليون غزاوي يعانون أصلاً من ممارسات المتطرفين في وسطهم”، بحسب البيان. كان موقفاً شجاعاً من منظمة يهودية مبتدئة تحاول كسب الدعم في أوساط الاتجاه السائد، وقد أثار البيان غضب المسؤولين في الجالية اليهودية.

بعد حرب غزة، بدأت طلبات الانتساب الى المنظمات اليهودية المعادية للسياسات الاسرائيلية تزداد. وقد تضاعفت لائحة المشتركين برسائل البريد الإلكتروني على موقع منظمة “الصوت اليهودي من أجل السلام” التي تتّخذ من أوكلاند مقراً لها، لتصل إلى 90 ألفاً مع تسجّل ستة آلاف شخص كل شهر. وتقول المديرة التنفيذية للمنظمة إن المنظمة تجد دعماً يهودياً في أماكن غير متوقّعة مثل هاواي وأتلانتا وجنوب فلوريدا وكليفلاند، وهو أمر لم يكن ممكنًا قبل حرب غزة والتقارير التي أتت لتكشف الانتهاكات الاسرائيلية.

إن دراسة تطور التوجهات السياسية لليهود الاميركيين تفيد انه كان حرب 1967 التأثير الابرز في صعود اللوبيات اليهودية الداعمة لاسرائيل، وقد وجد المدافعون عن اسرائيل و”حقها في الوجود والدفاع عن نفسها في بيئة تريد رميها في البحر” في الانتصار السريع الذي حققته اسرائيل دافعًا لهم للتعبير عن أنفسهم بقوة.

وفي السنوات التي أعقبت حرب 1967، اكتشفت الثقاقة الأميركية “المحرقة” وبدأ الحديث عنها في المناهج التربوية وفي اللقاءات المنظّمة وفي الاعلام، ما أدى الى طغيان شعور عارم بوجوب عدم السماح بتكرار الامر، الأمر الذي أدى تصاعد قوة اللوبي اليهودي الإسرائيلي الحديث. ببساطة، تنظّم اليهود الأميركيون في سياسات دعم اسرائيل بدون قيد أو شرط انطلاقاً من اقتناعهم بأنهم الوحيدون الذين يقفون بين إسرائيل والنسيان[31].

بهذا المعنى، غزة هي بمثابة الخط الفاصل الذي يُطلق مرحلة جديدة مختلفة عن مرحلة ما بعد حرب 1967 في الوعي اليهودي.

ويبدو التحوّل أكثر وضوحاً في القواعد الاجتماعية اليهودية في الجامعات، حيث أصبح تأييد الفلسطينيين الاختبار الحاسم للالتزام التقدّمي بين الطلاب والاكاديميين اليهود. ويؤدي الشباب اليهودي دورًا رئيسيًا في الحركات المناوئة للسياسات الاسرائيلية وفي الدعوات الى المقاطعة وسحب الاستثمارات.

في تحليل الظاهرة هذه علميًا واجتماعيًا، يمكن القول أن الشباب اليهودي الجديد ليس متأثرًا بدعايات حرب 1967 والخوف من محرقة اخرى، بل إنهم بمواقفهم الآن يطبّقون على إسرائيل ما تعلّموه عن حقوق الإنسان والمساواة والديموقراطية والقيم الأميركية الليبرالية. لذا تتقدّم المسألة الإسرائيلية- الفلسطينية لتحتلّ المركز في عالمهم السياسي، ويبدون رأيهم فيها من هذا المنظار.[32]

وكما في أميركا كذلك في بريطانيا، فخلال العدوان على غزة قامت مجموعة من المنظمات اليهودية، وبالاضافة الى فاعليات يهودية بارزة ومرموقة باصدار بيان دعوا فيه “الى وقف النار فورًا، والى مراقبة دولية لاتفاقية وقف النار”. واعتبروا ” ان من حق اسرائيل الدفاع عن نفسها ولكن ردها العسكري المفرط سيقوض الاستقرار في المنطقة”.

قويت المنظمات اليهودية المعادية للصهيونية في بريطانيا خلال عام 2009 بعد ما حصل في غزة. وقد نظمت منظمات يهودية عدة منها منظمة “يهود لمقاطعة البضائع الإسرائيلية”، و”يهود من أجل العدالة للفلسطينيين” اعتصامات خلال شباط المنصرم في وسط لندن، ضد “احتلال إسرائيل غير المشروع للضفة الغربية والقدس الشرقية والعقاب الجماعي للشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة” وما وصفوه “بسرقة إسرائيل جوازات سفر بريطانية”، ورفع المحتجون لافتات كتب على بعضها “لا تأخذ جواز سفرك إلى إسرائيل”، و”إسرائيل سرقت مياه الفلسطينيين وجوازات سفر البريطانيين”.

ودعت هذه المنظمات إلى “عزل إسرائيل بسبب مواصلتها انتهاكها القانون الدولي، كما دعت لحملة دولية واسعة لمقاطعة البضائع الإسرائيلية وفرض عقوبات على إسرائيل”.

وكما في الجامعات الاميركية، يلعب الطلاب اليهود في بريطانيا دورًا في الحركات التي تنتقد الممارسات الاسرائيلية، ما دفع بالمنظمات الصهيونية الى اعتبار ان “الجامعات بدأت تتحول الى مقر تنمو فيه سياسات معاداة السامية الجديدة”.

بلا شك، النزاع في غزة ساعد على كسر المقاومة اليهودية التقليدية لانتقاد إسرائيل. ويقول المحللون أن الاضطرابات والغضب في أوساط اليهود في مختلف أنحاء أميركا يعود الى السلوك الإسرائيلي الاجرامي والعنصري الذي ظهر جليًا خلال تلك الحرب. وفي ما يلي بعض النماذج من كتاب ومحللين كانوا سابقًا من أشدّ الداعمين لاسرائيل:

–       إم جيه روزنبرغ، وهو محلّل مخضرم في واشنطن يعد تقارير لشبكة “ميديا ماترز أكشن”، يقول: إن غزة كانت “الكارثة الأسوأ في العلاقات العامة في تاريخ إسرائيل”. لأول مرة في جيل كامل، حصلت قطيعة بين يهود أميركيين بارزين والدولة اليهودية بسبب سلوكها.

–       كاتب العمود الخاص في صحيفة “نيويورك تايمز” روجر كوهين يقول  إنه “يشعر بالخجل” من الممارسات الإسرائيلية.

–        في حين كتبت ميشيل غولدبرغ في صحيفة “الغارديان” إن قتل إسرائيل مئات المدنيين رداً على الهجمات الصاروخية “همجي” وعلى الأرجح “عقيم”.

–       في “ذي نايشن”، دافعت اليهودية نعومي كلين عن مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها؛ ولاحقاً لدى زيارتها رام الله، اعتذرت من الفلسطينيين بسبب “جبنها” وعدم اتخاذها ذلك الموقف من قبل.

–        الحاخام برانت روزن من إفانستون في ولاية إيلينوي، يقول: “طوال سنوات، كان هناك “صوت ملتبِس” في رأسي يبرّر الممارسات الإسرائيلية… خلال الانتفاضتَين الأولى والثانية والحرب في لبنان، كنت أقول ‘هذا معقّد’… عندما قرأت التقارير عن غزة، لم أعد أسمع الصوت الملتبس”.

–        أطلق بعض الحاخامات مجهوداً بعنوان “الصوم اليهودي من أجل غزة”. كل شهر، يشارك أكثر من سبعين حاخاماً من مختلف أنحاء البلاد إلى جانب قادة من أديان مختلفة وأشخاص معنيين في صوم يستمر يوماً كاملاً “لوضع حد لصمت اليهود حول العقاب الجماعي الذي تمارسه إسرائيل في غزة”.

بالتأكيد، تبدو هذه الحركات اليهودية عاجزة لغاية الآن عن التأثير الكبير في الرأي السائد بين اليهود في العالم في دعم اسرائيل، ولكن يمكن القول ان كوّة فتحتها حرب غزة في جدار الصمت، والمستقبل ينبىء بتغييرات إضافية في حال عرف العرب والفلسطينيين كيف يستفيدون من هذه النوافذ.

خاتمة وتوصيات

ما من شك ان التداعيات التي ستخلفها التقارير الدولية والجرائم التي ارتكبتها اسرائيل في كل من لبنان وغزة، لن تؤدي الى تبدلات دراماتيكية سريعة، ونحنا لسنا مفرطين بالتفاؤل بحيث نعتبر ان هذه التداعيات ستؤدي الى انهيار اسرائيل في وقت قريب، أو الى عزلها دوليًا.

لكننا بدون شك ندرك أهمية هذه التداعيات على المدى البعيد فيما لو استعمل العرب استراتيجية مدروسة تؤسس منذ الآن لعهد جديد تنقلب فيه موازين القوى رأسًا على عقب، لكن هذا يحتاج الى كثير من العمل الدؤوب والالتزام بالقضية والجهد والصبر لترسيخ ما تحقق والبناء عليه للمستقبل.

وفيما يتعلق بالتوصيات التي يمكن أن نقترحها، انطلاقًا مما ناقشناه في ورقتنا:

1-   العمل على تثبيت وتدعيم أسس الصور الحقيقية التي بدأ العالم يراها عن اسرائيل، وذلك من خلال الاعلام والثقافة والمنظمات الحقوقية ومنظمات حقوق الانسان وغيرها.

2-   ترسيخ صورة العدوانية والعنصرية الاسرائيلية مقابل صورة “الضحية” العربية، وعدم القيام بما يؤدي الى قلب الصورة مجددًا.

3-   التأسيس على الخروقات التي بدأت تظهر والتباينات بين القواعد اليهودية والصهيونية، وذلك من خلال دراسة اعلامية وسياسية شاملة تؤدي الى خلق وعي سياسي للخيط الرفيع الذي يفصل الصهيونية واليهودية.

4-    المحافظة على علاقات جيدة مع الاتحاد الاوروبي ومنظماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتشبيك networking مع المنظمات غير الحكومية العالمية الداعمة لقضايانا العربية على المستويات كافة.

5-   العمل للمحافظة على الاصوات التي تدافع عن القضايا العربية وعدم خسارتها، بل القيام بعمل تراكمي يفيد من الموجود ويضيف اليه.

6-   التشبيك مع الاكاديميين والاعلاميين في العالم الداعمين للقضايا العربية ودعمهم ومدّهم بالمعلومات والامكانيات اللازمة.

 


[1]  محاضرة قدمت في دمشق في ندوة أقامتها نقابة المحامين السوريين، بتاريخ 18 آذار 2010.

[2]  اعتبر فولك  في تقريره

أن استخدام اسرائيل للقوة في غزة لم يكن مبررًا ولا شرعيًا ولا قانونيًا، وذلك بالاستناد الى الظروف الموجودة والخيارات الدبلوماسية المتاحة، وعليه إن ما قامت به اسرائيل يعتبر “جريمة ضد السلام”، وإن الحصار المفروض على غزة يشكّل انتهاكًا لاتفاقية جنيف الرابعة، ويرجّح فولك حصول انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم محتملة أخرى ضد الإنسانية.

وركز فولك على “رفض إسرائيل السماح للفلسطينيين في غزة بمغادرة منطقة الصراع للهروب من المجازر، معتبرًا أن ” هذا هو المكان الوحيد في العالم الذي لا يُسمح فيه للاجئين بالرحيل، وعليه يجب التعامل مع هذا الأمر على أنها  نوع جديد من الجرائم ضد الإنسانية “.

وأوضح أن المسالة القانونية التي على لجنة تحقيق مستقلة أن توضحها “هي ما إذا كان في الظروف التي يعرفها قطاع غزة، يمكن التفريق بوضوح بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية”. ويرى ريتشارد فولك أنه “إذا كانت الإجابة لا، فإن القيام بهجوم يعتبر غير شرعي وقد يكون بمثابة جريمة حرب ذات أبعاد كبرى من منظور القانون الدولي “. وفي حال أثبت التحقيق أن بعض الأفراد قد يتحملون المسؤولية الجنائية، فيجب أن تكون الخطوة التالية هي تأسيس “محكمة جنائية خاصة لغزة المحتلة” تحت رعاية الأمم المتحدة.

[3]  انظر في هذا المجال الدراسات التالية:

–          ليلى نقولا الرحباني، التقارير الدولية تدين اسرائيل: هل دقت ساعة الحساب؟، مركز باحث، تموز 2009.

–          ليلى نقولا الرحباني، محاكمة اسرائيل على جرائمها في غزة: هل هي ممكنة؟، ورقة عمل مقدمة لمؤتمر دعم غزة، طهران، آذار 2009.

–          ليلى نقولا الرحباني، محرقة غزة والقانون الدولي الانساني، مجلة محاور استراتيجية، عدد آذار 2008.

[4]  تيودور هرتزل، الدولة اليهودية، ترجمة محمد يوسف عدس، دار الزهراء للنشر، القاهرة، 1994، ص. 65.

[5]  بن غوريون، رسائل بن غوريون، ترجمة دينا عبد الملك، دار القدس، بيروت، 1979، ص 176.

[6]  على سبيل المثال يمكن الاطلاع على المقال التبريري الذي نشره القاضي غولدستون في صحيفة جيروزالم بوست في 18 تشرين الاول/ أكتوبر 2009 تحت عنوان “مهمتي ودوافعي”، والذي كان أقرب الى التبرير والاعتذار من الاسرائيليين أكثر منه شرح للمهمة التي قام بها.

قال جولدستون في مقاله أنه “كيهودي داعم لـ “إسرائيل” طوال حياته اعتبر أنه كان من واجبه الموافقة على إجراء التحقيق”. وقد تضمن المقال عتباً ولوماً كبيرين من قبل غولدستون على الحكومة الاسرائيلية “لعدم تعاونها مع مهمته التي جاءت لتصحح ارث من الظلم لاسرائيل في مجلس حقوق الانسان” على حد تعبيره.

[7]  انظر على سبيل المثال البيان الذي اصدرته منظمة “جي ستريت” اليهودية الاميركية في 21 ايلول 2009 والتي دعت فيه اسرائيل للقيام بتحقيقات مستقلة وجدية ونزيهة في الاتهامات التي أتت في تقرير غولدستون.

[8] Euro news 25/02/2010.

[9]  انظر: وثائق مؤتمر هرتزيليا الثامن 2008: اسرائيل في خطر وجودي، باحث للدراسات، بيروت، 2009، ص. 148.

[10]  انظر في هذا المجال الرد الذي تقدمت به اسرائيل على تقرير غولدستون الى الأمم المتحدة في 25 كانون الثاني 2010.

[11]  تمّ هذا الاعلان في 10 أذار 2010.

[12]  رويترز 15 حزيران 2009.

[13]  تزامن اعلان الحكومة الاسرائيلية بناء 1600 وحدة استيطانية في القدس الشرقية مع زيارة نائب الرئيس جو بايدن في 8 آذار 2010، الامر الذي أغاظ الاميركيين، واعتبرته وزيرة الخارجية الاميركية انه “اشارة سلبية جدًا” في العلاقات بين البلدين.

[14] Norman Finkelstein, “This Time We Went Too Far: Truth and Consequences in the Gaza Invasion”, OR books, 2010.

[15] CNN 14/12/2009.

[16] Aawsat 31/01/2009

[17] JCPA March /April 2009.

[18] AFP 15/01/2010.

[19] Ha’aretz 01/02/2009

[20] -Associated Press 17/09/2009

[21]  AFP 21/ 04/ 09 .

[22] Assafir, 30 March 2009.

[23] Jerusalem Post 24/01/2010

[24] Ha’aretz 20/10/09.

[25] The Weekly Standard 20/03/2009.

[26] The Star 22/02/2009.

[27] The Guardian 26/01/2009

[28] The Independent 03/03/2009

[29] The Guardian 07/09/2009

[30] AFP 15/09/2009.

[31] : http://mondoweiss.net.

[32] Interview with the director of “American Jews for just peace” on Jewish website: http://mondoweiss.net/, Oct.2009.

التقارير الدولية تدين اسرائيل: هل دقّت ساعة الحساب؟

ليلى نقولا الرحباني- تموز 2009

مقدمة

يعتبر البعض إن النظر في القانون الدولي وآلياته كما يُنظر الى القانون الداخلي في دولة سيدة، هو تفكير مبالغ فيه، ويشبه الى حد كبير نوع من اليوتوبيا البريئة التي لا تتلاءم مع متطلبات النظام الدولي وواقعه، وقد يقول قائل أن القيام بهذه الدراسات لن يؤدي الى مكان وسيبقى المثل الواقعي قائمًا “القوي يبطش والضعيف يتمسك بالقانون”.

من المهم جدًا أن نلفت، بدايةً، الى أننا ندرك أن القانون الدولي ليس سيّدًا ولا يُطبَّق كأنه في دولة ذات سيادة تمتد على مساحة العالم، كما لا وجود لسلطة تنفيذية عليا تطبقه في نظام دولي محكوم بالقوة والفوضوية، حيث لا حَكَم ولا قانون ولا سلطة فوق الاقوياء. وعليه، إننا نؤكد أن مطالبتنا بالالتزام بمعايير القانون الدولي ومتطلبات حقوق الانسان، لا تنسينا، بأي حال من الاحوال، أن تطبيق القانون على المستوى الدولي تحكمه أجندات المصالح السياسية وأهداف الدول الكبرى.

وبالرغم من ادراكنا الجوهري لهذا الواقع، لكن هذا لا يعفينا كعرب من أن نرتكز الى القواعد القانونية، وتوثيق الانتهاكات الاسرائيلية، والاستفادة من أي تقرير دولي يخدم مصالحنا ويخدم الضحايا ويثبت حقهم في معاقبة المرتكبين، وحقهم في التعويض ولو بعد حين.

منذ حرب غزة في بداية هذا العام والعملية العسكرية التي شنّها الاسرائيليون على غزة، تتوالى التقارير التي تثبت ارتكاب اسرائيل جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وأعمال ابادة في غزة. وقد ذُكرت هذه التعابير في كثير من التقارير الدولية، ما يجعل من الضروري أن نشرح ماذا تعني عبارات “الجرائم ضد الانسانية، جرائم الابادة، جرائم الحرب” بموجب القانون الدولي، وما هو مصدرها، وما هي عقوبتها بموجب القانون الدولي؟ هذا ما سنوجزه في القسم الأول من هذه الدراسة، ثم ننطلق في الأقسام الأخرى بتلخيص لبعض أهم التقارير الدولية التي صدرت وأدانت اسرائيل بارتكاب هذه الجرائم، فنركّز على أبرز ما جاء فيها، ونختم بشهادات الاسرائيليين، ودعوة الى الأخوة الفلسطينيين والحقوقيين للاستفادة من هذه التقارير. 

أولاً-  تعريف الجرائم وتوصيفها

1- الجرائم ضد الانسانية

هو الاطار الأشمل من الجرائم الذي توسّع ليضم جميع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجّي موجّه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين.

ولد المصطلح بصيغته الاولى باسم “جريمة ضد الانسانية والحضارة” بواسطة الخبراء القانونيين الفرنسيين والإنكليز وذلك في سياق إدانة الحكومات البريطانية والفرنسية والروسية للجرائم التي ارتكبها الأتراك ضد الأرمن عام 1915. لكن الولايات المتحدة وخبرائها القانونيين انتقدوا هذا التعريف واعتبروا أن ما يمكن تسميته بقانون الإنسانية هو أمر خالٍ من أي مضمون.

أما التعريف القانوني لهذه الجرائم، فلم يتم الا مع محاكمات نورمبرغ حين عرّفت المحكمة العسكرية الدولية، الجرائم ضد الانسانية بأنها “الجرائم التي تستهدف القتل والابادة والاستعباد والتغريب وكل عمل بشري تمّ ارتكابه ضد السكان المدنيين قبل أو اثناء الحرب، أو الاضطهادات التي تمّ ارتكابها لغايات سياسية، عرقية، دينية”.

توسّع هذا المفهوم خلال محاكمة مجرم الحرب “كلاوس باربي” في فرنسا، فقد ضمّنت محكمة الاستئناف في مدينة ليون الفرنسية في نص الحكم، تعريفًا للجرائم ضد الانسانية بأنها “أعمال غير انسانية واضطهادات تمّت باسم دولة تمارس سياسة هيمنة ايديولوجية وتمّ ارتكابها بشكل منهجي ليس فقط ضد اشخاص بسبب انتمائهم العرقي او الديني، و انما أيضا ضد خصوم سياسيين، مهما كان شكل معارضتهم”.

ثم تطوّر التعريف خلال المحاكمات في يوغوسلافيا السابقة ورواندا، الى أن قام نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية بتوسيع نطاق الجرائم التي تدخل ضمن مصطلح الجرائم ضد الانسانية في المادة السابعة منه، في خطوة أعطت أوسع وأشمل تعريف شهده القانون الجنائي الدولي للجريمة ضد الإنسانية، فاعتبر أنها تشمل جميع الاعتداءات التي يتم ارتكاب أي منها بصورة منهجية وعلى نطاق واسع كالقتل العمد، والابادة، والاسترقاق وابعاد السكان والنقل القسري واضطهاد جماعة الخ… [1] 

2- الابادة الجماعية

تعتبر الإبادة الجماعية “جريمة الجرائم” فقد اختيرت دون غيرها لتكون محل إدانة وعار. ورغم أن ظاهرة‏ “إبادة الجنس‏” معروفة منذ  أقدم العصور، إلا إن مفهوم هذه الجريمة لم يحدد ويقنن إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية‏.

ابتكر مصطلح‏genocide‏ أي إبادة الجنس البشري‏، فقيه القانون البولندي اليهودي رافائيل ليمكن‏(1900-1959)‏ في كتابه‏ “حكم المحور في أوروبا المحتلة” عام 1944، خلال محاولته وصف رعب التجربة اليهودية في ألمانيا الهتلرية‏.‏ ويتألف مصطلح‏genocide‏ من كلمة‏genos‏ اليونانية بمعني جماعة، واللاحقة اللاتينية‏cide‏ بمعنى قتل‏،‏ وبذلك يكون المعني الإجمالي للكلمة‏ “قتل جماعة”‏‏.[2]

وحينما كان يقوم بصياغة هذا المصطلح الجديد، كان ليمكين يحاول أن يشرح كيفية التخطيط والتنفيذ من قبل المجرم من خلال “وضع خطة منظمة تتألف من إجراءات مختلفة تهدف إلى تدمير الأساسيات الضرورية لحياة مجموعات قومية، تؤدي الى إبادة المجموعات نفسها.” وفي العام التالي، وجهت المحكمة العسكرية الدولية في مدينة “نورمبرغ” بألمانيا الاتهامات إلى كبار القادة النازيين بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” ، وقد اشتملت نصوص الاتهامات كلمة “الإبادة الجماعية”، ولكن ككلمة وصفية، إذ لم تكن قد تشكلّت كمصطلح قانوني بعد[3].
وفي‏9‏  تشرين الثاني ‏1946،‏ تبنت الأمم المتحدة مصطلح‏ “إبادة الجنس‏”،‏ ثم في‏11‏ كانون الاول ‏1946 اعتمدت الجمعية العامة القرار رقم 96‏  الخاص بإبادة الجنس‏، وبموجبه أُدرجت هذه الجريمة تحت طائلة القانون الدولي وعرّفت الإبادة بأنها‏ “إنكار حق الوجود لجماعات بشرية بأكملها‏”.[4]

وبعد سلسلة من الجهود‏،‏ أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في‏9‏ كانون الاول ‏1948‏ وبموجب القرار رقم ‏260‏ اتفاقية “منع جريمة إبادة الجنس والعقاب عليها‏”،‏ سواء وقعت في زمن السلم أم في زمن الحرب حسبما نصت المادة الاولى منها. وقد اعتبرت هذه الاتفاقية ان جريمة ‘إبادة الجنس’ هي أخطر وأضخم الجرائم ضد الإنسانية، ووصفتها- على نحو دقيق- بأنها “الجريمة النموذج” ضد الإنسانية، بل و”جريمة الجرائم”، نظرًا للتداعيات الناجمة عنها. كذلك، اقتبس نظام روما الاساسي الذي شكّل المحكمة الجنائية الدولية، في مادته السادسة النص الحرفي لتعريف جريمة “الابادة الجماعية”، الوارد في المادة الثانية في اتفاقية “ابادة الجنس”، فعرّفها بأنها جريمة ترتكب “بقصد إهلاك جماعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها هذه، إهلاكا كليًا أو جزئيًا”[5]

3- جرائم الحرب

يعرّف ميثاق محكمة نورمبرغ العسكرية الدولية لسنة 1945 جرائم الحرب بأنها “انتهاكات قوانين الحرب وأعرافها، بما في ذلك قتل مدنيين في أرض محتلة أو إساءة معاملتهم أو إبعادهم؛ قتل أسرى حرب أو إساءة معاملتهم؛ قتل رهائن؛ سلب ملكية خاصة؛ والتدمير غير الضروري عسكريًا”.

تاريخيًا، يعود فرض قيود على التصرف في النزاعات المسلحة، إلى المفكر الصيني “صن تسو” في القرن السادس قبل الميلاد، قام بعده الإغريق بتقنين تلك المحظورات، ولكنها بقيت ضمن القانون الذي يحظّر بدون تشكيل إطار قانوني واضح كما هو عليه الآن.

 لعل فكرة “جرائم الحرب” بحد ذاتها، لم تظهر إلا في مبدأ “مانو الهندي” في القرن الثاني قبل الميلاد، ومن ثمّ شقت طريقها إلى القانون الرومي والقانون الأوروبي، إلا أن التاريخ لم يسجل محاكمة وعقوبة حقيقية على “جرائم حرب” مرتكبة إلا عند محاكمة بيتر فون هاجنباخ، الذي تمت محاكمته عام 1474 في النمسا وحُكم عليه بالإعدام، لقيامه بأعمال وحشية خلال الحرب.

وفي القانون الدولي يُسجل لاتفاقيات لاهاي سنة 1899 وسنة 1907، تعدادًا للانتهاكات التي تحصل خلال النزاع المسلح والتي تعتبر “جرائم حرب يعاقب عليها القانون”[6]، أضافت اليها اتفاقيات جنيف عام 1949 بعض الانتهاكات الاخرى، [7] وخاصة الاتفاقية الرابعة منها. ثم  شهدت مع البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977[8]، توسيعًا لنطاق هذه الجرائم، وقد نصّ على ضرورة محاكمة الأشخاص المتهمين بخروق قانونية جسيمة تعدّ “جرائم حرب” أو تسليمهم إلى دولة مستعدة لمحاكمتهم.

وقد توسّع نظام المحكمة الجنائية الدولية في تعريف ماهية جرائم الحرب المرتكبة[9]،  وتعدادها فأدرج اثني عشر انتهاكًا خطيرًا لقوانين الحرب وأعرافها في مادته الثامنة.

ولعل من أهم ما أصدرته الامم المتحدة في مجال العقاب على هذه الجرائم هو القرار 2391 الصادر عام 1968 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي أقرّت فيه أن جرائم الحرب المرتكبة والجرائم ضد الانسانية لا تسقط بالتقادم بصرف النظر عن وقت ارتكابها،[10]وإذا ارتكبت أية جريمة من الجرائم المذكورة في المادة الأولى‏، تنطبق أحكام هذه الاتفاقية على ممثلي سلطة الدولة وعلى الأفراد الذين يقومون‏،‏ بوصفهم فاعلين أصليين أو شركاء‏،‏ بالمساهمة في ارتكاب أية جريمة من تلك الجرائم أو بتحريض الغير تحريضًا مباشرًا على ارتكابها‏،‏ أو الذين يتآمرون لارتكابها‏،‏ بصرف النظر عن درجة التنفيذ‏،‏ وعلى ممثلي سلطة الدولة الذين يتسامحون في ارتكابها‏.‏

والآن، وبعد تعريف سريع للجرائم وماهيتها، ونصوص القانون الدولي التي تحظّرها وتنص على معاقبتها، ننتقل الى عرض سريع لأهم التقارير الدولية التي أدانت اسرائيل واتهمتها بانتهاك حقوق الانسان في غزة وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وربما جرائم ابادة.

ثانيًا- تقارير الأمم المتحدة تدين اسرائيل

كان القرار الصادر عن مجلس حقوق الانسان في الامم المتحدة في دورته الاستثنائية التاسعة في ٩ و ١٢ كانون الثاني/يناير ٢٠٠٩، النقطة الفصل والعنصر الأهم في التحقيقات التي جرت وتجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة من قبل الامم المتحدة في العدوان الذي حصل على غزة.

أدان القرار “بشدة” العملية الإسرائيلية العسكرية في قطاع غزة، وقال إنها تسببت في “انتهاكات كبيرة” لحقوق الإنسان الفلسطيني.

–       وجّه القرار اتهامات مباشرة لاسرائيل بانتهاك حقوق الانسان في غزة وطالبها بوقف الحصار والانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة، وشدد على عدد الضحايا الكبير في صفوف المدنيين داعيًا إلى “تحرك دولي عاجل” لوضع حد “للانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان” من قبل إسرائيل.

 – طلب القرار من مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان نافي بيلاي أن ترسل خبراء ومراقبين لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني المرتكبة من قِبَل إسرائيل، بوصفها سلطة الاحتلال.

–       قرر أن يوفد بعثة دولية مستقلة عاجلة لتقصي الحقائق  يعيّنها رئيس اﻟﻤﺠلس “للتحقيق في جميع انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي المرتكبة من قِبَل إسرائيل، ضد الشعب الفلسطيني في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، وبخاصة في قطاع غزة المحتل”.

–       الطلب من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن يحقق في ما حدث من استهداف لمرافق وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى “الأونروا” في غزة، بما في ذلك مدارسها، مما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين الفلسطينيين ومن بينهم نساء وأطفال، وأن يقدم تقريرًا إلى الجمعية العامة في هذا الشأن[11].

وفي 12 كانون الثاني 2009 اعتمد القرار بتصويت مسجل بأغلبية 33 صوتًا مقابل اعتراض صوت واحد وامتناع 13 عضوًا عن التصويت، معظمهم من الدول الاوروبية[12].

وعليه، وفي الثالث من نيسان 2009، تمّ تشكيل لجنة تقصي حقائق حول الانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الانسان التي حصلت في غزة، والتي سنعود لشرح تفاصيل تشيكلها وتحقيقاتها وأعضائها، ولكن بعد أن نتطرق الى تقرير المقرر الخاص لحقوق الانسان في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1976 ريشارد فولك، نظرًا لأهمية هذا التقرير وما احتوى عليه من نصوص يمكن الاستفادة منها والتركيز عليها لدحض مزاعم اسرائيل والكثير من الاتهامات الدولية للفلسطينيين بانتهاك حقوق الانسان في اسرائيل.

1- تقرير ريشارد فولك: نوع جديد من الجرائم ضد الانسانية

بناءً على القرار الصادر عن مجلس حقوق الانسان في 12 كانون الثاني 2009، قدم ريتشارد فولك المقرر الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة في 23 آذار 2009 تقريره أمام مجلس حقوق الانسان، وقد اعتبر فيه أن استخدام اسرائيل للقوة في غزة لم يكن مبررًا ولا شرعيًا ولا قانونيًا، وذلك بالاستناد الى الظروف الموجودة والخيارات الدبلوماسية المتاحة، وعليه إن ما قامت به اسرائيل يعتبر “جريمة ضد السلام”، وإن الحصار المفروض على غزة يشكّل انتهاكًا لاتفاقية جنيف الرابعة، ويرجّح فولك حصول انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم محتملة أخرى ضد الإنسانية.

وركز فولك على “رفض إسرائيل السماح للفلسطينيين في غزة بمغادرة منطقة الصراع للهروب من المجازر، معتبرًا أن ” هذا هو المكان الوحيد في العالم الذي لا يُسمح فيه للاجئين بالرحيل، وعليه يجب التعامل مع هذا الأمر على أنها  نوع جديد من الجرائم ضد الإنسانية[13]“.

وأوضح أن المسالة القانونية التي على لجنة تحقيق مستقلة أن توضحها “هي ما إذا كان في الظروف التي يعرفها قطاع غزة، يمكن التفريق بوضوح بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية”. ويرى ريتشارد فولك أنه “إذا كانت الإجابة لا، فإن القيام بهجوم يعتبر غير شرعي وقد يكون بمثابة جريمة حرب ذات أبعاد كبرى من منظور القانون الدولي[14]“. وفي حال أثبت التحقيق أن بعض الأفراد قد يتحملون المسؤولية الجنائية، فيجب أن تكون الخطوة التالية هي تأسيس “محكمة جنائية خاصة لغزة المحتلة” تحت رعاية الأمم المتحدة.

ولعل الجديد والمهم الذي ورد في تقرير فولك هو:

–       تركيزه على “حق الشعب الواقع تحت الاحتلال للدفاع عن نفسه ضد القوة المحتلة”.

–       استناده الى دراسات احصائية تفيد أن اسرائيل هي التي خرقت الهدنة واتفاق وقف اطلاق النار، وأورد استنادًا الى مصادر اسرائيلية ” إنه في 79% من حالات انتهاك الهدنة كانت إسرائيل هي البادئة ولم تعمل حماس إلا على الرد[15]“. الأمر الذي يدحض المزاعم الاسرائيلية بالدفاع عن النفس، ويؤكد أن اسرائيل كانت لديها النية الجرمية[16] والمتعمدة في العدوان وارتكاب المجازر، وأن ذريعة الدفاع عن النفس المشروع التي تستخدمها كمبرر للعدوان هي ذريعة ساقطة، أما فيما يتعلق بتمديد الهدنة فأشار ريتشارد فولك لتصريحات خالد مشعل لصحيفة الغارديان عن رغبة حماس في تمديد الهدنة بعد انتهائها[17].

وانهى فولك بتوصيات منها احترام حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، وتشكيل لجنة تقصي حقائق من الخبراء المستقلين للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها اسرائيل في غزة في الفترة الممتدة من 27 كانون الاول 2008 الى 18 كانون الثاني 2009.

5-  تقرير لجنة التحقيق في قصف منشآت الامم المتحدة[18]

كشفت الأمم المتحدة في 6 أيار 2009 النقاب جزئيًا عن فحوى التقرير الذي توصلت اليه لجنة التحقيق التي يرأسها البريطاني يان مارتين المولجة التحقيق في تسع اعتداءات تعرضت لها مقرات ومباني الأمم المتحدة في قطاع غزة اثناء العدوان على غزة[19].
وتوصلت لجنة التحقيق إلى “أن لإسرائيل مسؤولية في ست حالات من بين التسعة التي خضعت للتحقيق والتي قامت فيها القوات الإسرائيلية بإطلاق قذائف إما من الجو أو من البر والتي تسببت في عمليات قتل وجرح وإلحاق أضرار”. أما الحادث السابع فهو من مسؤولية إسرائيل أيضا ولكن بأسلحة خفيفة. وإذا كان الحادث الثامن قد تمّ تحديد المسؤولية فيه ” لفصيل فلسطيني من المحتمل أن تكون حركة حماس” كما جاء في تقرير اللجنة، فإن لجنة التحقيق لم تتمكن من تحديد المسؤولية في الحادث التاسع.

وخلص التقرير إلى أن الجيش الاسرائيلي تعمّد استهداف المؤسسات والموظفين العاملين في وكالة تشغيل وغوث اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في حربه على غزة.

 وجاء في التقرير أن إسرائيل قصفت “بشكل مقصود” مؤسسات الأمم المتحدة بقوة مبالغ فيها، واتهم التقرير الجيش الاسرائيلي بـ”إطلاق النار بصورة غير تناسبية والمس المتعمّد بالمدنيين الفلسطينيين ومؤسّسات تابعة للأمم المتحدة في قطاع غزة في الحرب”. كما انتقد التقرير استخدام اسرائيل لقذائف الفوسفور الابيض التي تسببت في احراق كل محتويات مخزن الاغذية الرئيسي التابع للامم المتحدة في غزة.

وأكد تقرير اللجنة التابعة للأمم المتحدة “إنه لم تسجّل أية نشاطات عسكرية انطلاقًا من مباني الأمم المتحدة أثناء تلك الحوادث”، خلافًا لما كانت إسرائيل قد تذرعت به، بأن القصف الذي استهدف بعض المباني التابعة لمفوضية الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) كان “ردًا على قصف قامت به مجموعات فلسطينية من داخل تلك المباني”.

ودحضًا لأي ذريعة اسرائيلية والدفع بالخطأ وعدم المعرفة، ذكر التقرير أن الجيش الإسرائيلي كان قد حصل على إحداثيات موقع مدرسة جباليا مع 91 ملجأ تمّ إبلاغ القوات الاسرائيلية بها قبل شنّ العدوان على غزة.

واتهم التقرير السلطات الإسرائيلية “بعدم بذل ما يكفي من الجهود واتخاذ ما يكفي من الاحتياطات لتحمّل مسؤولياتها في احترام حرمة مباني الأمم المتحدة وحماية المدنيين المتواجدين في تلك المباني”.
وفي تمييز واضح ورضوخ للضغوط ، قدم بان كي مون تقريرًا مختصرًا الى مجلس الأمن وقد تمسّك فيه بتوصية واحدة من بين 11 توصية قدمتها اللجنة، وهي التوصية التي تدعو إلى الزام اسرائيل “بأن تدفع تعويضات لكل حالات الوفاة والاصابة التي طالت موظفي الامم المتحدة والمنشآت التابعة لها”[20]، لكنه وفي خطوة غير مسبوقة وتشير الى استهتار الامم المتحدة بحياة المدنيين، تخلى عن توصية  اللجنة بأن “يجري تحقيق إضافي مستقل في أحداث غزة التي استهدفت المدنيين، بعدما أشارت الى إن “التحقيق في ظروف مقتل المدنيين الاربعين خارج مدرسة فاخورة ليس من اختصاصها”[21].

كما تخلى الامين العام عن توصية تطالب اسرائيل “بالاعتراف الرسمي بأن ادعاءاتها العلنية من أن الفلسطينيين أطلقوا قذائف من مدرسة جباليا التابعة للأونروا في 6 كانون الثاني ومن مكتب الأونروا في 15 كانون الثاني هي إدعاءات كاذبة وأن إسرائيل تأسف لها”.

وفي الثامن من أيار2009 أخفق مجلس الأمن الدولي في الاتفاق على كيفية التعامل مع التحقيق بعد أن جرى عرض ملخص للتقرير الذي يتألف من 148 صفحة، وقد أنهى بان كي مون النقاش بوصفه التقرير بأنه وثيقة داخلية مشيرًا إلى أنه لن يتبنى توصية وردت في التقرير بإجراء تحقيق أوسع في انتهاكات للقانون الدولي معتبرًا أن تقرير اللجنة التحقيقية “لا يعتبر وثيقة قانونية”، وليس لمقاضاة اسرائيل.

6- لجنة تقصي الحقائق التي شكّلتها الامم المتحدة

في الثالث من نيسان 2009، وتطبيقًا لما ورد في توصيات قرار مجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة S-9/1 ، عيّن مجلس حقوق الإنسان القاضي الجنوب افريقي، وممثل الادّعاء السابق في محاكم جرائم الحرب في رواندا ويوغسلافيا “ريتشارد غولدستون”[22] لرئاسة لجنة تقصي حقائق مستقلة مهمتها “التحقيق في جميع الانتهاكات للقانون الدولي لحقوق الانسان والقانون الدولي الانساني التي يمكن أن تكون قد ارتكبت في غزة خلال الفترة الممتدة من 27 كانون الاول 2008 و18 كانون الثاني 2009، وما قبلها، وخلالها وبعدها”[23]. على أن تبدأ اللجنة أعمالها في 4 أيار 2009 وتنهي بتقديم تقريرها خلال ثلاث أشهر.

وكان مجلس حقوق الانسان قد أقرّ بتوسيع التحقيق الذي كلّف بها غولدستون ليشمل “كافة انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة من قبل جميع الاطراف في غزة والضفة الغربية واسرائيل، وليس فقط تلك التي ارتكبتها إسرائيل. وأعلن رئيس المجلس مارتن يوهوغيان اوهومويبي في بيان “أن طموح مجلس حقوق الإنسان هو الحصول على تقرير يعكس بصدق الأحداث، وهذا يتطلب أخذ كافة الانتهاكات بعين الاعتبار”.[24]

وقد زارت اللجنة الأراضي الفلسطينية في الفترة الممتدة من 1 إلى 5 حزيران 2009 عبر معبر رفح بسبب الرفض الاسرائيلي التعاون مع اللجنة ومنعها من الدخول عبر معابرها الرسمية، وقد خصصت اللجنة الزيارة الاولى لزيارة المناطق والمواقع التي استهدفتها إسرائيل أثناء العدوان في قطاع غزة حيث قام ببعض التحقيقات، وعقدت جلسات استماع علنية مع الضحايا الفلسطينيين[25]، أما الزيارة الثانية فخصصت للاستماع الى بعض الشهود انتقلت على أثرها اللجنة الى جنيف للاستماع الى شهادات اخرى، استمعت خلالها لشهادات من اسرائيليين وفلسطينيين وخبراء مختصّين.

ويبقى العالم بانتظار ما ستؤول اليه تحقيقات هذه اللجنة وما سيكون في تقريرها في ايلول القادم، وهل سيشهد العالم تشكيل محكمة خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب في اسرائيل أم أن التقرير سيواجه نفس مصير تقرير التحقيقات في الاعتداءات على مقرّات الأمم المتحدة؟ وهل سيقوم بان كي مون بالخضوع للضغوط وتقديم تقرير موجز يقتطع فيه ما يشاء من معلومات ويقدم التوصيات الأخفّ على اسرائيل؟.

ثالثًا- التقارير الدولية تثبت الإدانة

1- لجنة تقصي الحقائق الاوروبية

أنشئت اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن غزة والمكلّفة من قبل جامعة الدول العربية  في شباط 2009 لتولّي “مهمة التحقيق والإبلاغ عن انتهاكات قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني أثناء الهجوم الإسرائيلي العسكري على غزة، وجمع المعلومات حول ارتكاب جرائم دولية في الفترة الممتدة من 27 كانون الأول 2008 إلى 18 كانون الثاني “2009 .

وقد خلصت اللجنة التي يرؤسها البروفسور جون دوغارد [26] في تقريرها المعنون “لا مكان آمن” أن القوات الإسرائيلية لم تميّز بين المدنيين والأهداف المدنية من جهة وبين الأهداف العسكرية، ولم تكن الخسائر في الأرواح والممتلكات متناسبة مع الأضرار التي لحقت بإسرائيل أو التي كانت تهددها، كما لم يكن هناك أي دليل على تحقيق أي ميزة عسكرية نتيجة لقتل أو إصابة المدنيين أو تدمير الممتلكات… كل ذلك يشير الى خرق واضح وأكيد لاتفاقية جنيف الرابعة[27]، ولا يمكن تبرير أفعال إسرائيل على أنها دفاع عن النفس[28].

وفي تقدير لما يعانيه الفلسطينيون من خلال الحصار، وفي موقف داعم لحق الفلسطينيين في المقاومة، تؤكد اللجنة على حق الفلسطينيين في تقرير المصير ومقاومة الاحتلال، وتخلص الى استنتاج مفاده ان الفلسطسنيين في غزة “يخضعون، لأمد طويل، لحصار قاس من جانب إسرائيل، وعلى الأخص منذ سيطرة حماس على غزة في منتصف عام 2007، ومن الواضح أن هذا “السجن” للشعب يمثل أحد الأسباب الرئيسية لإطلاق الصواريخ”[29].

وتوصلت اللجنة إلى أن بعض أعضاء قوات الجيش الإسرائيلي قد ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وربما أيضا إبادة جماعية، خلال عملية “الرصاص المصبوب”[30]. ويقرّ التقرير بكل وضوح ان “أولئك الذين ارتكبوا مثل هذه الجرائم مسؤولون فرديًا عن أعمالهم شأنهم في ذلك شأن من أصدروا الأوامر أو حثّوا على ارتكاب مثل هذه الجرائم، أو الذين ساعدوا أو حرّضوا على ارتكابها، أو شاركوا بصورة مشتركة في ذلك. وعلى نفس المنوال فإن القادة العسكريين والزعماء السياسيين مسؤولون عن الجرائم التي ارتكبت تحت قيادتهم أو سلطتهم أو إشرافهم الفعلي حيثما يكونوا قد علموا أو كان ينبغي أن يعلموا بأن القوات ترتكب مثل هذه الجرائم وتقاعسوا عن منع أو وقف ارتكاب مثل هذه الجرائم أو التحقيق فيها أو ملاحقة المسؤولين عنها”[31] وذلك استنادًا الى المادة 25 من نظام روما الاساسي[32].

بالنسبة لحماس، تعتبر اللجنة أن حماس – بما انها السلطة الفعلية في غزة-  فهي تتحمل مسؤولية ترويع المدنيين من خلال اطلاق الصواريخ[33] ولكن اللجنة تعود وتؤكد على ضرورة تطبيق مبادئ التناسب أيضًا عند تقدير المسؤولية الجنائية[34].

رأت اللجنة أن الأفعال التي ارتكبتها إسرائيل تستوفي أركان جريمة الإبادة الجماعية كما جاءت في اتفاقية الإبادة الجماعية، من حيث أن قوات الدفاع الإسرائيلية مسؤولة عن عمليات القتل، والإبادة وإلحاق الأضرار الجسدية لأعضاء مجموعة هي الفلسطينيين المقيمين في غزة. ولكن اللجنة واجهت صعوبة في تحديد ما إذا كانت الأفعال المذكورة قد ارتكبت “بقصد تدمير جماعة قومية أو عرقية أو دينية كليًا أو جزئيًا، على النحو الذي تقتضيه اتفاقية الإبادة الجماعية”[35].

هي إذًا محاولة بدأت جيدة من قبل جامعة الدول العربية ولكنها لم تصل الى أي مكان لأن الجامعة أبقت التقرير ضمن أدراجها ولم تستفد قانونيًا ولا حتى اعلاميًا من التقرير المذكور.

وكأن الأمر محاولة من قبل البعض لطمس التقرير ونفض اليدين منه، وهو ما أزعج رئيس اللجنة جون دوغارد الذي وجه لومًا وعتبًا على جامعة الدول العربية لأنها اهتمت بالتحقيق دون الاهتمام بمتابعة نتائجه وتوصياته، فاشتكى علنًا في تصريح صحفي من “عدم وجود تحركات عملية من قبل جامعة الدول العربية بالرغم من مرور أشهر على صدور التقرير”. وأشار إلى أن التحرك يجب أن يحدث ولو متأخرًا وخاصةً “مع قرب انعقاد الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في شهر أيلول القادم”، وأعرب دوغارد عن الأسف لأن “هذا التقرير لم يلقَ الترويج الكافي إعلاميًا”. وذكّر دوغارد بما تضمّنه التقرير من توصيات للجامعة العربيةوالتي لم تنفّذ منها شيئًا وهي:

–       الطلب من سويسرا، بوصفها راعية معاهدات جنيف، أن “تدعو لعقد اجتماع للدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة للنظر فيما ما ورد في التقرير الحالي من وقائع”.

–        دعوة مجلس الأمن الدولي لتحويل قضية الانتهاكات الإسرائيلية في غزة الى المحكمة الجنائية الدولية، إذ كما قال دوغارد “حتى لو كان من المسلم به أن دولة من الدول الدائمة العضوية قد تستخدم حق الفيتو ضد قرار من هذا النوع، لكن مثل هذه التحرك سيعمل على فضح ازدواجية المعايير المستخدمة في هذا المحفل”.

2- تقريران لـ هيومن رايتس واتش

أصدرت “هيومان رايتس ووتش” تقريرين بالغي الأهمية وأعطتهما عناوين معبّرة، الأول بعنوان “أمطار النار” يورد نتائج التحقيق في استخدام الفوسفور الابيض، والثاني باسم “عين الخطأ” ويورد نتائج التحقيق في قصف طائرات الاستطلاع للمدنيين.

أ – تقرير “أمطار النار” الصادر في 26 نيسان 2009

ركّزت فيه المنظمة على استخدام القوات الإسرائيلية قذائف الفوسفور الأبيض خلال عدوانها على قطاع غزة، وتجاوزت في هذا التقرير الجدل حول ما إذا كانت هذه القذائف تدخل ضمن الأسلحة المحرم استخدامها دوليًا أو لا، فجزمت بأن الإطلاق العشوائي لهذه القذائف على مناطق مزدحمة بالسكان يعدّ “جريمة حرب”.

واعتبر التقرير أنه إذا كان الهدف من استخدام الفسفور الأبيض هو إطلاق ستار كثيف من الدخان، وفقاً لادعاءات الإسرائيليين، فقد كان ممكنًا اللجوء إلى قذائف دخان “غير قاتلة”[36]. وأثبت التقرير أن لدى إسرائيل مثل هذه القذائف، وأن قيادة جيشها كانت على علمٍ تامٍ بأخطار الفوسفور الأبيض الذي يواصل الاشتعال إلى درجة حرارة تتجاوز ثمانمائة درجة مئوية، والاثبات على ذلك هو المذكرة الداخلية التي وزعها الجيش الإسرائيلي على جنوده والذي يشرح فيها مخاطر الإصابة بالقنابل الفوسفورية التي تصل إلى حد الوفاة في حال ملامسة هذه الذخائر الجلد أو استنشاقها أو ابتلاعها.

 وعليه، وبما  أن إسرائيل كانت تدرك وبشكل مسبق التأثيرات التي قد تنجم عن استخدام هذا النوع من الأسلحة، فهذا يعتبر دليلاً جديدًا على ارتكابها “جرائم حرب” بحق سكان قطاع غزة.

ولقد طالبت المنظمة السلطات المعنية في الولايات المتحدة- التي زوّدت إسرائيل بهذا النوع من الأسلحة- بفتح تحقيق أيضًا لإقرار ما إذا كان الجيش الإسرائيلي قد استخدمها على نحو يخالف قوانين الحرب.

أما عن اتهام اسرائيل لحركة حماس بأنها استخدمت المدنييين في غزة “كدروع بشرية” وانها استدرجت الجيش الاسرائيلي إلى مناطق ذات كثافة سكانية عالية داخل مدينة غزة، اعتبرت المنظمة إنها “لم تعثر على دليل واحد في جميع الحالات التي وثقتها يؤكد صحة هذه المزاعم”.[37]

وقد أصدرت هيومن رايتس واتش في وقت لاحق لصدور التقرير بيانًا صحفيًا اعتبرت فيه ان التحقيق الداخلي الذي قام به الجيش الاسرائيلي ونشره في 22 نيسان 2009 والذي انتهى إلى أن قواته “عملت بموجب القانون الدولي”  طيلة فترات القتال وأن “قلة قليلة” من الحوادث حصلت “لم يكن بالإمكان تفادي وقوعها” وقعت جرّاء “أخطاء استخباراتية أو عملياتية”… هو تحقيق غير موضوعي ولا مصداقية له.[38] 

– تقرير “عين الخطأ” الصادر في 30 حزيران 2009[39].

جاء تقرير “عين الخطأ: قتلى غزة من المدنيين جراء صواريخ طائرات الاستطلاع الإسرائيلية (الزنانة)” في 40 صفحة، يعرض تفصيليًا 6 وقائع أدّت إلى مقتل 29 مدنيًا من الفلسطينيين، من بينهم ثمانية أطفال.

 وقد خلصت فيه هيومن رايتس ووتش إلى أن القوات الإسرائيلية أخفقت في اتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة للتحقق من أن الأهداف من المقاتلين، حسب ما تتطلب قوانين الحرب، أو انها أخفقت في التمييز بين المقاتلين والمدنيين.

وفي الحالات الستّ الموثقة في التقرير[40]، لم تعثر هيومن رايتس ووتش على أية أدلة على تواجد مقاتلين فلسطينيين في المنطقة المجاورة لموقع الهجوم وقت وقوعه، ولم يكن أي من المدنيين الذين لاقوا حتفهم يتحركون بسرعة أو يفرّون من المنطقة، وقد كان متاحًا لمُشغلي الطائرات الوقت الكافي لتحديد ما إذا كان من يظهر على شاشاتهم مدنيون أم مقاتلون، وأن يمتنعوا عن إطلاق النيران إذا لم يتمكنوا من تبين هذا الأمر.[41]

تقول هيومن رايتس واتش في تقريرها أنه في ثلاث حالات، تمّ إطلاق صواريخ طائرات الاستطلاع (الزنانة) على أطفال يلعبون على أسطح المنازل في مناطق سكنية، بعيدًا عن أي قتال دائر في توقيت الهجوم. ولم تعثر هيومن رايتس ووتش على أدلة يظهر منها أن الأطفال كانوا يقومون بأنشطة استطلاعية لتحديد مواقع القوات الإسرائيلية، أو يظهر منها أنهم كانوا يحاولون إطلاق صواريخ من فوق أسطح المنازل.

وفي حادث رابع، وبالتحديد في 27 كانون الأول 2008، وهو اليوم الأول من الهجوم الإسرائيلي المُسمى “عملية الرصاص المصبوب”، أصاب صاروخ أطلقته طائرة استطلاع مجموعة من الطلاب الجامعيين كانوا ينتظرون الحافلة في شارع سكني مزدحم وسط مدينة غزة، ما أسفر عن مقتل 12 مدنيًا. ولم يفسّر الجيش الإسرائيلي سبب استهدافه للمجموعة في شارع مزدحم  في وسط المدينة دون وجود أي نشاط عسكري معروف في المنطقة في ذلك التوقيت.

و في حادث خامس، في 29 كانون الأول 2008، هاجم الجيش الإسرائيلي شاحنة قال إنها كانت تنقل صواريخ غراد، ما أسفر عن مقتل تسعة مدنيين. وبثّ الجيش الإسرائيلي تسجيل فيديو مثير للشكوك حول ما إذا كان الهدف هو هدف عسكري مشروع، وهي شكوك كان يجب أن تنبّه مُشغّل الطائرة وأن يمتنع عن إطلاق الصاروخ لكنه لم يفعل. وقد تبين فيما بعد أن الصواريخ المزعومة هي أسطوانات أوكسجين، بحسب ما أقر الجيش الاسرائيلي فيما بعد.

وتعتبر هيومن رايتس ووتش إن ما يفاقم من جسامة هذه الانتهاكات، وجود الإمكانات التكنولوجية المتقدمة لطائرات الاستطلاع (الزنانة) والصواريخ التي تطلقها هذه الطائرات، إذ تتصف طائرات الاستطلاع (الزنانة) بأنها تحمل مجموعة من المجسات المتطورة، وتجمع كثيرًا ما بين الرادار القتالي والكاميرات الكهربية البصرية وكاميرات الأشعة تحت الحمراء والليزر. وهذه المجسّات توفّر صورة جيدة للأشخاص على الأرض ليلاً ونهارًا، مع القدرة على التمييز بين الأطفال والكبار[42]، كما أن الصاروخ الذي تطلقه طائرة الزنانة يحمل كاميرات خاصة به تسمح لمُشغل الطائرة أن يراقب الهدف منذ لحظة إطلاق الصاروخ وحتى ارتطامه، وإذا انتابته الشكوك حول الهدف في أي وقت بعد إطلاقه؛ فإن بإمكانه إبعاده عن هدفه إلى أي مكان آخر… لكل هذه الأسباب، فإن ما قام به الجيش الاسرائيلي يعدّ انتهاكًا لقوانين الحرب، وكما هو معروف إن الأشخاص الذين يرتكبون انتهاكات جسيمة لقوانين الحرب بقصد إجرامي – أي عمداً أو من واقع الإهمال – يعدّون مسؤولين عن جرائم حرب ويجب محاكمتهم.

وعليه، تضيف المنظمة في تقريرها، وبما أن الطائرات الزنانة التي نشرتها القوات الإسرائيلية تحتوي أجهزة تسجيل فيديو تسجّل كل ما يشاهده مُشغل الطائرة عن بعد، كما أن كل صاروخ أطلقته طائرات زنانة إسرائيلية أثناء عملية الرصاص المصبوب مُسجّل على تسجيلات فيديو، لذا تكون الحكومة الإسرائيلية مُلزمة بموجب القانون الدولي بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب التي قام بها جنودها، ويجب تأديب أو مقاضاة – حسب الواجب – أي شخص عسكري أو مدني إسرائيلي تتبين مسؤوليته عن شنّ هجمات بطائرات الزنانة أو أمر بها.

3- تقرير منظمة العفو الدولية

هو تقرير من 127 صفحة  بعنوان “عملية الرصاص المصبوب: 22 يومًا من الموت والدمار”[43]، استهلته المنظمة بعبارة مؤثرة لفتاة فلسطينية تدعى فتحية موسى قام الجيش الاسرائيلي بقتل عائلتها خلال جلوسهم في باحة منزلهم. تقول فتحية: “الى الآن، ما زلنا لا نفهم لماذا..نحن نريد السلام، ونريد التحقيق، لماذا نحن؟ لماذا انا واختي أصبحنا يتامى؟ لماذا قتلوا أهلي، لماذا قتلوا عائلتي؟”.[44]

خلصت منظمة العفو الدولية في تقريرها إلى أن القوات الإسرائيلية قتلت مئات من المدنيين الفلسطينيين العزّل، ودمرت آلاف البيوت في هجماتها على غزة، ما يشكّل خرقًا لقوانين الحرب. ويوثِّق التقرير، استخدام إسرائيل أسلحة عسكرية ميدانية ضد السكان المدنيين المحاصرين في غزة، الذين لم يكن أمامهم سبيل للنجاة، وقد تقاطعت هذه المعلومات الواردة في تقرير منظمة العفو الدولية مع ما أورده ريشارد فولك في تقريره والذي اعتبره نوعًا جديدًا من الجرائم ضد الانسانية.

 وقال التقرير إن نطاق وشدة الهجمات على غزة غير مسبوقين، فقد قتلت القوات الإسرائيلية نحو 300 طفل ومئات من المدنيين الذين لم يشاركوا في النزاع، وقد تمّت معظم عمليات القتل بأسلحة بالغة الدقة، وبالاستناد إلى عمليات مراقبة كانت تقوم بها طائرات بلا طيار مزودة على نحو استثنائي بتجهيزات بصرية متقدمة، ما أتاح لمن يقومون بالمراقبة رؤية أدق تفاصيل الأهداف التي تم قصفها، وهو بالضبط ما كانت قد أوردته هيومن رايتس ووتش في تقريرها المعنون “عين الخطأ”.

ويكمل تقرير العفو الدولية فيقول: “بينما قتل آخرون جراء إصابتهم بأسلحة تفتقر إلى الدقة، بما في ذلك قذائف مدفعية تحتوى الفسفور الأبيض – الذي لم يستخدم من قبل في غزة – والذي كان ينبغي أن لا يستخدم أبدًا في مناطق مكتظّة بالسكان، وهذا ما يتقاطع أيضًا مع ما أورده تقرير هيومن رايتس ووتش “أمطار الناروالذي أدان اسرائيل على استخدامها الفوسفور الأبيض في غزة. 

وقد تبين لمنظمة العفو الدولية أن ضحايا الهجمات التي تقصتها لم يسقطوا في عمليات لتبادل إطلاق النار بين الجانبين أثناء المعارك بين المقاتلين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية، كما إنهم لم يوفّروا أي غطاء أو درع بشري للمقاتلين أو للأهداف العسكرية كما زعمت اسرائيل،  بل ان العديد منهم قتلوا أثناء وجودهم في بيوتهم التي قصفت وهم في نومهم. بينما كان آخرون يجلسون في باحات بيوهم أو ينشرون غسيلهم. وأصيب الأطفال أثناء لعبهم في غرف نومهم أو على السطوح، أو بالقرب من بيوتهم. وتعرض العاملون الطبيون المساعدون وسيارات الإسعاف للقصف على نحو متكرر أثناء محاولتهم إسعاف الجرحى أو انتشال جثث القتلى….

وعليه، يستنتج التقرير “إن مقتل أعداد كبيرة من الأطفال وغيرهم من المدنيين لا يمكن التنصل منه بوصفه ببساطة بأنه “أضرار جانبية مرافقة”، كما تحاجج إسرائيل. وعلى اسرائيل “أن تجيب على العديد من الأسئلة بشأن هذه الهجمات وبشأن حقيقة أن القصف ظلّ متلاحقًا بلا توقف رغم الزيادة المطّردة في أعداد القتلى من المدنيين”. هذا بالاضافة الى الاسئلة الاخرى التي لم يتمّ الاجابة عنها هي لماذا قتل اطفال كانوا يلهون فوق سطوح منازلهم، ولماذا قتل أعضاء في الفرق الطبية خلال عملهم في على توفير الخدمات الطبية للمصابين بفعل أسلحة عالية الدقة والتي يتمّ تشغيلها عبر أجهزة رؤية للهدف.

ويورد التقرير أن “الهجمات الإسرائيلية المتعمدة والتي قامت بشكل غير مبرر أدّت إلى تدمير ما يزيد على 3,000 بيت وإلى إصابة نحو 20,000 غيرها بأضرار، فحوّلت هذه الهجمات أحياء بكاملها في غزة إلى ركام وخلّفت وراءها وضعًا اقتصاديًا صعبًا… ولقد بينت الوقائع أن هذا التدمير كان تعسفيًا وبلا رادع، ومن غير الممكن تبريره استنادًا إلى “الضرورة العسكرية” كما تزعم اسرائيل.

 ورفضًا للادعاءات الاسرائيلية بأن حماس والمقاتلين الفلسطينيين استخدموا المدنييين كدروع بشرية، جاء في التقرير ان المنظمة لم تجد أي اثبات على هذا الأمر، ولم تجد اثباتًا على أن الصواريخ اطلقت من الأبنية السكنية والبيوت حين كان المدنيون فيها.[45] بل إن التحقيقات التي قامت بها تفيد ان الاسرائيليين هم الذين استخدموا الفلسطينيين بمن فيهم الأطفال كدروع بشرية[46]عبر إجبارهم على البقاء في منازلهم التي استخدمها الجيش الاسرائيلي كمواقع عسكرية ولاستكشاف المواقع المشتبه بها كشراك.

وتضيف المنظمة، ان المقاتلين الفلسطينيين قاموا كما الاسرائيليين بالاندماج بالمعارك بالقرب من المدنيين، ولكنها أكدت أن هذا الأحداث كانت بمعظمها من صنع الاسرئيليين لأنهم أدخلوا دباباتهم الى داخل الأحياء السكنية في غزة، ما اضطر حماس الى مقاتلتهم فيها.

وكما في معظم التقارير الدولية التي صدرت، حمّلت امنستي اسرائيل المسؤولية عن غزة بوصفها قوة احتلال[47]، كما حمّلت حماس المسؤولية عن اطلاق الصواريخ بوصفها السلطة الفعلية في غزة.

بالنسبة لحماس، اعتبرت المنظمة “أن حماس واصلت تبرير إطلاق مقاتليها ومقاتلي الجماعات الفلسطينية المسلحة الأخرى للصواريخ بصورة يومية على المدن والقرى في جنوب إسرائيل خلال الأيام الاثنين والعشرين من النـزاع، ولكن على الرغم من أن هذه الهجمات كانت أقل فتكًا، إلا أن استخدام صواريخ غير موجّهة ولا يمكن تصويبها نحو أهداف بعينها قد شكّل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، ولا يمكن تبريره تحت أي ظرف من الظروف”.

وكان لافتًا الرد الاعلامي الذي قامت به حماس على تقرير منظمة العفو الدولية والذي اعتبرت فيه ان التقرير منحاز وساوى بين الضحية والجلاد… ونحن ومن منطلق حرصنا على القضية الفلسطينية وأحقيتها وضرورة تقديم مرتكبي جرائم الحرب الاسرائيلييين الى العدالة، نقول ان هذا التقرير علمي ووثّق الجرائم الاسرائيلية كما فعلت التقارير الأخرى، ولكن المشكلة تكمن في جوهر القانون الدولي قام في الأساس على أساس دولتي، لا يعطي امتيازات كافية لحركات التحرر والمقاومة، وهو وإن اعترف بها، فهي لن تحصل مكانة وسيادة الدولة، بل سوف يلقي عليها واجبات الدول دون الحقوق التي تتمتع بها تلك الدول، وهو ما يجري حين مساواة الفعل المرتكب باطلاق الصواريخ والانتهاكات الجسيمة التي تقوم بها اسرائيل. ويمكن للفلسطينيين الدفع بمبدأ التناسب في المسؤولية الجنائية المعتمد في القانون الدولي.

بعد هذا العرض السريع لأبرز ما جاء في التقارير الدولية التي أدانت اسرائيل، نورد الشهادات الاسرائيلية والتحقيقات التي قام بها الاسرائيليون حول حرب غزة، للدلالة على أمرين، الأول يفيد ان جرائم الحرب الاسرائيلية قد ارتكبت فعلاً وبشهادة مرتكبيها، وعلى المجتمع الدولي ان يتحرك وألا يدع المرتكبين يفلتون من العدالة. أما الثاني، فيتجلى في الاعتراف لمجتمع العدو المدني بقدرته على فضح التجاوزات والانتهاكات التي قام به جيشه للقانون الدولي الانساني، فهل من يجرؤ من العرب على رفع الصوت والمجاهرة بهذا الأمر فيما لو تعلّق بإحدى الأنظمة الحاكمة، أو على الأقل هل تجرؤ الانظمة الحاكمة على الاقتداء بالمنظمات الاسرائيلية وفضح الانتهاكات الاسرائيلية وجرائم الحرب المرتكبة يوميًا؟ قد يكون الجواب، وللأسف، هو لا، ولنا في تقرير لجنة تقصي الحقائق والمقدم الى جامعة الدول العربية أبلغ دليل على ذلك.

رابعًا- شهادات اسرائيلية: شهد شاهد من أهله

1 – تقرير منظمة كسر الصمت الصادر في 15 تموز 2009

بعد رفض اسرائيل للاتهامات التي أطلقتها منظمتي العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش وتقارير الامم المتحدة المتعددة بأن غزوها لقطاع غزة في كانون الثاني أوقع ضحايا بين المدنيين بشكل لا يمكن تبريره، وإن عناصر الجيش الاسرائيلي قد ارتكبوا جرائم حرب… أتت منظمة “كسر الصمت” الاسرائيلية لتكشف زيف هذه الاعتراضات، فتنشر شهادات لجنود اسرائيلييين تثبت بما لا يقبل الشكّ حصول انتهاكاتى جسيمة للقانون الدولي الدولي بما يرقى الى جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية بل وأيضًا جرائم ابادة، بسبب توافر النية الجرمية وقصد إهلاك جماعة قومية بأكملها.

في التقرير المنشور من قبل منظمة “كسر الصمت” والذي  يتضمن إفادات 30 جنديًا اسرائيليًا ممن خدموا في كل قطاعات العملية، وثقت المنظمة من خلال تلك الشهادات أن الجيش الاسرائيلي أعطى أوامره لجنوده بقتل المدنيين.

يقول جندي لم يُذكر اسمه “أن تصيب بريئًا أفضل من أن تتردد في استهداف عدو”… هذا ما فهمه من التعليمات التي أعطيت للجنود قبل العدوان على غزة وخلاله.

ويقول آخر “إن كنت غير متأكد..اقتل. كانت قوة النيران مجنونة. ما أن دخلنا حتى انطلقت النيران بجنون. في اللحظة التي وصلنا فيها الى خط البداية بدأنا اطلاق النار على أماكن مشتبه بها.” ويضيف “في حرب المدن الكل اعداؤك. لا وجود لابرياء.”

وفي تأكيد لما ذكرته التقارير والتحقيقات الدولية من أن الاسرائيليين استخدموا المدنيين الفلسطينيين ومنهم الأطفال كدروع بشرية، وصف الجنود في شهاداتهم ما أسموه “نظام الجار” حيث كان “المدنيون يُجبرون بموجبه على دخول المباني المشتبه بها قبل الجنود”، ويذكرون حالات كان “المدنيون يسيرون فيها أمام الجندي وهو يسند بندقيته الى أكتافهم”.

بالنسبة للاتهامات حول استخدام الفوسفور الأبيض وطائرات الاستطلاع لقتل المدنييين بدون تمييز وبدون “ضرورة عسكرية”  وهي التي نفتها اسرائيل، يؤكد أحد الجنود “لم نتلقَ أوامر بأن نطلق النار على أي شيء يتحرك، ولكن الاوامر التي تلقيناها كانت على النحو الاتي: إن شعرت بأنك مهدد، اطلق النار…. ظلوا يكررون لنا أن هذه حرب وفي الحرب لا قيود على إطلاق النار.”

أما بخصوص الادعاءات بأن “اسرائيل فعلت كل ما يمكنها لتجنب وقوع قتلى وجرحى بين المدنيين”، نقل التقرير عن جندي قوله “كان هناك شعور واضح وتكرر ذلك في كل مرة تحدث الينا فيها آخرون بأن الاعتبارات الانسانية لا دور لها في الجيش في الوقت الحالي. كان الهدف هو تنفيذ العملية بأقل خسائر ممكنة في الارواح للجيش.”

وكانت صحيفة هآرتس في وقت سابق قد نشرت اعترافات لجنود اسرائيليين تدحض ما تقوله اسرائيل عن تقارير دولية منحازة، وما أعلنه وزير الدفاع الإسرائيلي باراك عندما تحدث عن “أخلاقيات جيش الدفاع الاسرائيلي”.

2-  تقرير “أطباء من أجل حقوق الإنسان/إسرائيل” الصادر في آذار 2009

 اتهم التقرير جيش الاحتلال الاسرائيلي باستهداف مؤسسات طبية ومنع الطواقم الطبية من الوصول إلى الجرحى في هجومه على القطاع، وقال إن هناك حالات لم يسمح فيها الجيش بإجلاء المدنيين الجرحى لأيام بينما ترك آخرين بلا طعام أو ماء “لفترات طويلة”. وأضاف أن القوات الإسرائيلية هاجمت 34 منشأة للرعاية الطبية ومن بينها ثمانية مستشفيات أثناء الهجوم على غزة. وفي دحض للمزاعم الاسرائيلية بأن حماس والمقاتلين الفلسطينيين استخدموا العربات الطبية لنقل الاسلحة، قال التقرير أن المنظمة لم ترصد أي واقعة من هذا النوع، وأورد التقرير أرقامًا صادرة عن منظمة الصحة العالمية أظهرت أن 16 من أفراد الفرق الطبية الفلسطينية قتلوا بنيران إسرائيلية خلال عملية الرصاص المصبوب وأن 25 أصيبوا بينما كانوا يؤدون عملهم.

وذكر التقرير شهادات لجنود إسرائيليين بأنهم تلقوا أوامر بسرعة الضغط على الزناد لقتل كل من يشتبهون فيه، وإطلاق النار على فرق الإسعاف والإنقاذ الفلسطينية، وعلى كل من يعبر طريق صلاح الدين باتجاه الشرق.

كذلك كانت “هآرتس” قد حصلت على ورقة مكتوبة بخط اليد في أحد المنازل التي تمركزت فيها قوات إسرائيلية في حي شرق جباليا، وتدل التعليمات المتضمنة في هذه الورقة، والموجهة من ضابط إسرائيلي إلى جنوده، على أن إطلاق النار على سيارات إسعاف فلسطينية وأخرى تابعة للصليب الأحمر الدولي وقصف مقرات للأمم المتحدة لم يكن خطأ، وإنما حدث بطريقة متعمدة.

3 – “الاسرار القذرة” تُنشر في الصحافة الاسرائيلية 

كشف داني زامير رئيس برنامج إسحق رابين التمهيدي العسكري لإذاعة الجيش الإسرائيلي عن روايات جنود إسرائيليين شاركوا في العدوان على غزة تحدثوا فيها عن قتل مدنيين عمدًا بعد تلقيهم أوامر بذلك، وعن تفشّي مشاعر احتقار عميق للفلسطينيين في صفوف الجيش الإسرائيلي.

وقال زامير إن الجنود تحدثوا أثناء اجتماع لهم بمعهد رابين التمهيدي العسكري في شباط 2009 عن إطلاق النار دون مبرر على مدنيين فلسطينيين، وعن تخريب ممتلكات المنازل الفلسطينية.

 ونشرت هآرتس على صفحتها الأولى مقتطفات من مناقشات الجنود حول حرب غزة، فكشفت عن رواية لجندي إسرائيلي تحدث عن قنص امرأة فلسطينية وطفليها عندما ساروا في اتجاه خاطئ بعد أن أمرهم الجنود بالخروج من منزلهم، وقال: “أمر قائد الوحدة الأسرة بالذهاب وقال لهم أن يسيروا ناحية اليمين ولم تفهم الأم وطفلاها واتجهوا يسارًا ورآهم القناص يقتربون منه لمسافة أقرب من الخطوط التي أمر بألا يجتازها أحد فأطلق النار عليهم”.

وقال قائد وحدة عسكرية اخرى إن غالبية الجنود الذين كانوا تحت إمرته شعروا بأن “حياة الفلسطينيين أقلّ أهمية بكثير من حياة جنودنا لذا بإمكانهم تبرير الأمر على هذا النحو”.

ووصف قائد وحدة عسكرية أعمال تخريب ارتكبها جنود قائلاً “كانوا يكتبون (الموت للعرب) على الجدران ويأخذون صور عائلات فلسطينية ويبصقون عليها لمجرد أنهم يستطيعون أن يفعلوا ذلك. وأضاف “أعتقد أن هذا هو الأمر الرئيسي لكي تدرك مدى الانحطاط الذي وصلت إليه قوات الدفاع الإسرائيلية فيما يتعلق بالأخلاق”.

خاتمة

ليس صدفة أنه في حالة غزة مؤخرًا، وبدرجة أقل في حالة الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان عام 2006، تصرّ منظمات المجتمع المدني العربية على الارتكاز الى القانون الدولي الانساني، وابداء الحق في التوجّه الى المحاكم الدولية، وذلك بعد أن ساد المجتمعات العربية شعور كبير بالظلم، يرافقه شعور بالذلّ نتيجة خضوع الأنظمة العربية وتبعيتها.

لا شكّ بأن الذلّ ينبع من أن الرسميين العرب “إذا” ذكروا الجرائم المرتكبة من قبل اسرائيل فإنما يذكرونها بخجل وتحفّظ، وحينما يكلّفون لجنة تحقيق وتقصي حقائق- لحفظ ماء الوجه ربما- فهم يدفنون التقرير في الادراج، ويتمنون لو أن أحدًا لا يذكره في الاعلام.

ولعل المطلوب على الأقل سلوك عربي يحافظ على حد أدنى من الكرامة، فمن يُتَّهم بجريمة حرب لا يندفع موجهو التهمة لاعتباره شريك سلام بعد حرب لبنان، ومن يكلّف لجان التحقيق لاثبات جرائم الحرب، لا يندفع الى القبلات والمصافحات مع مَن يفترض بأنه سُيدان في التحقيق.

ونحن إذ نشجع هذا التوجّه نحو القانون الدولي، وبالرغم من أنه يقوم على أساس الاعتراف بالدول كفاعل أساسي، بدون أن يلحظ حقوقًا متساوية لحركات التحرر والمقاومة، لكننا يجب أن نصرّ على معرفة حقوقنا كاملة والمطالبة بها.

ولأن الواجبات يفرضها الآخرون، أما الحقوق فيجب أن يفرضها صاحب الحق، أو يكون رهينة لمشيئة الآخرين، لا يجب أن ينتظر أحد من الدول العربية وأنظمتها الرسمية أن تتحرك باتجاه مقاضاة اسرائيل على جرائم الحرب المرتكبة يوميًا في غزة، أو على الاقل إدانتها كلاميًا، لانها حين انتقلت إلى التسوية ومبادرات السلام، نشأ انطباع لدى الحكام العرب أن هنالك تناقضًا بين اتهام حكام إسرائيل بأنهم مجرمون وبين صنع السلام معهم.

اذًا، الاتكال على النفس واستقبال أي دعم ومبادرة وتحقيق دولي مساند بروح المسؤولية وتفهم أسس القانون الدولي وآلياته هو ما يجب أن يتم… ولا يموت حق وراءه مطالب. 


[1]  جاء في المادة 7 من نظام روما الاساسي ما يلي:

يشكل أي فعل من الأفعال التالية “جريمة ضد الإنسانية” متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم، وتشمل: القتل العمد، الإبادة؛الاسترقاق؛إبعاد السكان أو النقل القسرى للسكان؛ السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي؛ التعذيب؛ الاغتصاب، أو الاستعباد الجنسي، أو الإكراه على البغاء، أو الحمل القسري، أو التعقيم القسري، أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة، اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو = =دينية، أو متعلقة بنوع الجنس على النحو المعرف في الفقرة 3، أو لأسباب أخرى من المسلم عالميا بأن القانون الدولي لا يجيزها، وذلك فيما يتصل بأي فعل مشار إليه في هذه الفقرة أو بأية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة؛ الاختفاء القسري للأشخاص؛  جريمة الفصل العنصري؛ الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمدا في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية.

[2]  Raphael Limpkin, Axis Rule in Occupied Europe, Carnegie Endowment for    International Peace/International Law Division, Washington, D.C., 1944, p. xxii.

[3]  قامت المحكمة العسكرية الدولية او ما يعرف بمحكمات نورمبرغ، بمحاكمة 22 من مجرمي الحرب النازيين الرئيسيين في الفترة من 18 تشرين الأول 1945 إلى 1 تشرين الأول 1946 بتهم التآمر وجرائم ضد السلام وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. عرفت المحكمة العسكرية الدولية الجرائم ضد الإنسانية على أنها “الإبادة والاستعباد والنفي أو الاضطهاد بسبب سياسي أو عرقي أو ديني.”

[4]  انظر نص القرار على موقع الامم المتحدة الرسمي: http://www.un.org

[5]  المــادة السادسة من نظام روما الاساسي، تعرف “الإبادة الجماعية” على ما يلي:

لغرض هذا النظام الأساسي تعني ” الإبادة الجماعية ” أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه, إهلاكاً كلياً أو جزئياً:-

أ  )      قتل أفراد الجماعة.

ب)       إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة.

ج )      إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً.

د )      فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.

هـ)     نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.

[6]  مثال على ذلك: استخدام الأسلحة السامة، التدمير التعسفي للمدن الذي لا تبرره الضرورة العسكرية، الهجمات على المواقع غير المحمية؛ الهجمات على المؤسسات الدينية والثقافية؛ وسرقة الممتلكات العامة والخاصة….

[7]  وهي: تجارب طبية معينة؛ الهجوم على مدنيين أو مواقع مجردة من وسائل الدفاع مما يجعلهم ضحايا حتميين له؛ الاستعمال المخادع لشارة الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر؛ قيام دولة محتلة بنقل قطاعات من سكانها إلى أرض تحتلها؛ الإبطاء غير المبرر في إعادة أسرى الحرب إلى أوطانهم؛ الأبارثيد؛ الهجوم على النصب التاريخية؛ وحرمان الأشخاص المحميين من محاكمة عادلة الخ…

[8]  وهي: القتل العمد؛ التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية (بما في ذلك التجارب الطبية)؛ تعمد إيقاع معاناة كبيرة أو أذى بدني أو صحي؛ تدمير واسع للملكية أو الاستيلاء عليها بشكل لا تبرره الضرورة العسكرية وبشكل غير شرعي تعسفي؛ إجبار أسير حرب أو مدني على الخدمة في قوات الدولة الخصم؛ تعمد حرمان أسير حرب أو مدني محمي من حقه في محاكمة عادلة في محكمة منظمة تنظيماً قانونياً؛ إبعاد أو نقل مدني محمي بشكل غير شرعي؛ اعتقال مدني محمي بشكل غير شرعي؛ وأخذ رهائن الخ…

[9]   تعنى “جرائم الحرب”: الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة 12 آب/أغسطس 1949، أي أي فعل من الأفعال التالية ضد الأشخاص أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات الصلة:  القتل العمد؛ التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، بما فى ذلك إجراء تجارب بيولوجية؛ تعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة؛ إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة؛ إرغام أي أسير حرب أو أي شخص آخر مشمول بالحماية على الخدمة في صفوف قوات دولة معادية؛ تعمد حرمان أي أسير حرب أو أي شخص آخر مشمول بالحماية من حقه في أن يحاكم محاكمة عادلة ونظامية؛ الإبعاد أو النقل غير المشروعين أو الحبس غير المشروع؛ أخذ رهائن.

[10]  المادة‏1‏-  لا يسري أي تقادم علي الجرائم التالية بصرف النظر عن وقت ارتكابها‏:‏

‏(‏أ‏)‏ جرائم الحرب الوارد تعريفها في النظام الأساسي لمحكمة نورمبرج العسكرية الدولية الصادر في‏8‏ أغسطس‏1945,‏ والوارد تأكيدها في قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة‏3(‏ د‏-1)‏ المؤرخ في‏13‏ فبراير‏1946‏ و‏95(‏ د‏-1)‏ المؤرخ في‏11‏ ديسمبر‏1946,‏ ولا سيما‏’‏ الجرائم الخطيرة‏’‏ الواردة في اتفاقية جنيف المعقودة في‏12‏ أغسطس‏1949‏ لحماية ضحايا الحرب‏.‏

‏(‏ ب‏)‏ الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية‏,‏ سواء في زمن الحرب أو في زمن السلم‏,‏ والوارد تعريفها في النظام الأساسي لمحكمة نورمبرج العسكرية الدولية الصادر في‏8‏ أغسطس‏1945,‏ والوارد تأكيدها في قراري الجمعية العامة‏3(‏ د‏-1)‏ المؤرخ في‏13‏ فبراير‏1946‏ و‏95(‏ د‏-1)‏ المؤرخ في‏11‏ ديسمبر‏1946,‏ والطرد بالاعتداء المسلح أو الاحتلال‏,‏ والأفعال المنافية للإنسانية والناجمة عن سياسة الفصل العنصري‏,‏ وجريمة الإبادة الجماعية الوارد تعريفها في اتفاقية عام‏1948‏ بشأن منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها‏,‏ حتي لو كانت الأفعال المذكورة لا تشكل إخلالا بالقانون الداخلي للبلد الذي ارتكبت فيه‏.‏

[11]  انظر ملحق نص القرار  A\ HRC\ S-9\L 1 على الموقع الرسمي للأمم المتحدة.

[12]  جرى التصويت على النحو التالي:

المؤيدون: الاتحاد الروسي، أذربيجان، الأرجنتين، الأردن، إندونيسيا، أنغولا، أوروغواي، باكستان، البحرين، البرازيل، بنغلاديش، بوركينا فاسو، بوليفيا، جنوب أفريقيا، جيبوتي، زامبيا، السنغال، شيلي، الصين، غابون، غانا، الفلبين، قطر، كوبا، ماليزيا، مدغشقر، مصر، المكسيك، المملكة العربية السعودية، موريشيوس، نيجيريا، نيكاراغوا، الهند؛

المعارضون: كندا؛

الممتنعون: ألمانيا، أوكرانيا، إيطاليا، البوسنة والهرسك، جمهورية كوريا، سلوفاكيا، سلوفينيا، سويسرا، فرنسا، الكاميرون، المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وآيرلندا الشمالية، هولندا، اليابان. 

[13]  انظر الفقرات 18-19.

[14]  انظر الفقرات 7-8 من التقرير.

[15]  انظر الفقرة 14 من التقرير.

[16]  إشار فولك إلى “ما وُجد من عبارات عنصرية مكتوبة على جدران المنازل الفلسطينية” ومن العبارات التي كتبها الجنود الإسرائيليون على جدارن منازل غزة،”الموت لكم جميعا”، “الحرب بدل السلم”، “الموت للعرب”، “سيأتي يوم نقتل فيه كل العرب”، “العربي الجيد هو العربي الميت”، “السلم الآن بين اليهود واليهود وليس بين اليهود والعرب”.

[17]  انظر نص التقرير على موقع مجلس حقوق الانسان في الامم المتحدة.

[18]  علمًا أن التقرير الكامل لم يُنشر بل استعيض عنه بتقرير رفعه بان كي مون الى مجلس الأمن.

[19]  وصفت إسرائيل  التقرير بأنه قاتل. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي  قوله “إن التقرير أشبه بالهزة الأرضية إذا لم يجر تعديله”. وذكرت صحيفة يديعوت احرنوت  أن اسرائيل “تمارس ضغوطا شديدة على الامين العام للامم المتحدة لتأخير نشر التقرير او على الأقل التخفيف من حدة الاتهامات الخطيرة التي يتضمنها”.

  انظر في هذا المجال:

صحيفة يديعوت أحرونوت، 5 أيار 2009.

[20]   وفي 3 تموز 2009، أعلنت الامم المتحدة ان اسرائيل وافقت على دفع تعويضات الى الامم المتحدة عن منشآتها التي دمرتها خلال العدوان على غزة، وقد كان بان كي مون قد قدرها بـ 11 مليون دولار.

[21]  كشفت صحيفتا إندبندنت وغارديان البريطانيتان عن ضغوط تعرض لها الامين العام للأمم المتحدة أدى الى رفضه استخدام الصلاحيات المخولة له بالتقرير لإجراء مزيد من التحقيقات.

وذكرت صحيفة إندبندنت إن بان كي مون  وضع خطوطًا أسفل عبارات وردت في التقرير بعد ضغوط مارستها إسرائيل عليه.  انظر في هذا المجال، التقارير التي وردت في:

 Guardian, 6 May 2009

 The independent, 6 May 2009

[22]  علمًا أن القاضي ريشارد غولدستون هو يهودي الجنسية، وكان قد قال في تصريح صحفي :”بوصفي يهوديًا، فقد مثّل تلقي الدعوة لرئاسة المهمة صدمة لي”، وأقر بأن اتخاذ القرار “لم يكن سهلاً”، وأنه “أمضى عدة أيام بل وبضع ليال من الأرق” قبل اتخاذ قراره بقبول المهمة.

[23]  كما جاء في النص الحرفي الصادر عن الامم المتحدة.

[24]  انظر الموقع الرسمي للجنة تقصي الحقائق: http://www2.ohchr.org/english/bodies/hrcouncil/specialsession/9/FactFindingMission.htm

[25]   اعتبر رئيس لجنة تقصي الحقائق غولدستون، في تصريح صحفي، أن المشاهد التي رأتها البعثة في المنطقة الخاضعة للإغلاق أصابتهم بـ “الصدمة”.

[26]  ضمّت اللجنة كل من البروفسور بول دي وارت (هولندا)، والقاضي فين لينجيهم (النرويج)، والمحامي جونزالو بوى (شيلي/ ألمانيا)، بروفيسور فرانشسكو كورت – ريال (البرتغال: المختص بالتقييم الطبي الشرعي للأضرار الجسدية) والمحامية رايلين شارب(استراليا: المقرر).

 [27]  تعتبر اللحنة في تقريرها أن “غزة  ما زالت أرضًا محتلة ومن ثم يتعين على إسرائيل الالتزام باتفاقية جنيف الرابعة فيما يتعلق بأفعالها في غزة”.

[28]  انظر البند 16 من التقرير.

[29]  انظر استنتاجات اللجنة في التقرير- البند 577.

[30]   انظر البند 34 من التقرير- وايضًا استنتاجات اللجنة.

[31]  انظر استنتاجات اللجنة- البند 572.

[32] القاعدة 151 من دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)عن القانون الإنساني الدولي العرفي eds. ج.م هنكارتس و ل. دوزوالد – بيك (2005) المجلد 1، 551 – 555.

[33]  اعتبرت اللجنة أن حماس، باعتبارها السلطة الحاكمة الفعلية لغزة، تتحمل المسؤولة عما قد ينسب إلى المنظمات الفلسطينية من انتهاكات للقانون الإنساني الدولي، ولكنها تضيف “عند تقدير مسؤولية حماس والمناضلين الفلسطينيين من الأفراد فإن هناك عوامل كثيرة لتخفيف استحقاقهم للوم المعنوي ولكن هذا لا ينطبق على مسؤوليتهم الجنائية. ويدخل في هذه العوامل حرمان الفلسطينيين على يد إسرائيل من حقهم في تقرير المصير، كما أنها فرضت عليهم حصارًا جائرًا لفترة طويلة.

[34]  انظر البند 16 من تقرير اللجنة- استنادًا الى المادة 28 من نظام روما، القاعدتين 152 و153 من دراسة ICRC، المرجع السابق، 556 – 563.

[35]  انظر البند 29 من التقرير.

[36]  يفند التقرير ادعاءات إسرائيل بقانونية استخدامها لهذه الأسلحة بالقول “إذا كان هدف الجيش الإسرائيلي استخدام قذائف الفوسفور الأبيض لإطلاق ستار من الدخان فكان يمكنه الاستعانة بقذائف دخانية غير قاتلة تنتجها شركة إسرائيلية”.

[37]  أشار التقرير  إلى أنه في بعض الحالات تحدث بعض المواطنين عن وجود مسلح لحركة حماس لكن ليس على النحو الذي يبرر استخدام الفوسفور الأبيض، وارتكاب جرائم حرب كما فعلت اسرائيل.

[38]  انظر نص البيان الصحفي على الموقع الرسمي للمنظمة.

[39]   انظر النص الكامل للتقرير على الموقع الرسمي لهيومن رايتس واتش: www.hrw.org- على  الرابط التالي: http://www.hrw.org/ar/reports/2009/06/30

[40]   وهي الحوادث الآتية: كلية تدريب غزة، مدينة غزة-  متجر حدادة عائلة سمور، جباليا –  منزل عائلة مشهراوي، منزل عائلة الحبش، الشعف، مدينة غزة-  منزل عائلة علاو، الشعف، مدينة غزة- مدرسة أسماء الابتدائية االتابعة للأونروا، مدينة غزة.

[41]  قال مارك غارلاسكو، المحلل العسكري الرئيسي في هيومن رايتس ووتش والذي شارك في كتابة التقرير: “يمكن لمشغلي طائرات الزنانة أن يروا بوضوح أهدافهم على الأرض وأن يُبعدوا الصواريخ عن مسارها حتى بعد إطلاقها”.ونظراً لهذه الإمكانات، فعلى إسرائيل أن توضح أسباب مقتل هؤلاء المدنيين.” 

[42]  قال تقني تشغيل طائرة زنانة إسرائيلي شنّ هجمات في غزة أثناء جولة القتال الأخيرة، لصحيفة عسكرية إسرائيلية إنه كان قادرًا على تمييز ألوان الثياب ووجود راديو كبير وسلاح مع أحد الأشخاص على الأرض.

[43]  انظر التقرير كاملاً على الرابط التالي: http://www.amnesty.org/ar/library/info/MDE15/015/2009/ar

[44]  انظر نص التقرير وبيانات اخرى حول غزة على الموقع الرسمي للمنظمة: www.amnesty.org 

[45]   تقرير منظمة العفو الدولية، ص 75.

[46]  المرجع نفسه، ص 84.

[47]  المرجع نفسه، ص  86- 87. 

 

دراسة 2 – أيار 2008

نظرة المسيحيين المشرقيين للقضية الفلسطينية وتهويد القدس

الباحثة ليلى نقولا الرحباني

مقدمة

تحتل قضية فلسطين موقعًا هاماً في الوجدان العربي، وتعتبر بحق من أكثر القضايا المعاصرة إشكالية وتعقيدًا. عام1947 صدر قرار الامم المتحدة رقم 181 بتقسيم فلسطين الذي تبنته الجمعية العامة، أعقبه اعلان دولة اسرائيل في 15 أيار 1948 التي سرعان ما تم الاعتراف بها واكتسبت قانونية في الامم المتحدة، بينما ساهمت الانقسامات العربية والتشرذم وطمع الاردن بالاراضي الفلسطينية، في تأخير اعلان الدولة الفلسطينية المستقلة التي نص عليها قرار التقسيم، فخسر الفلسطينيون دولتهم منذ ذلك الحين بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية العربية، وانعدام التنسيق. وها هم اليوم، بعد مرور ستين عاماً على اعلان الاسرائيليين دولتهم، يطالبون بـ “حل” رفضوه بتحريض من العرب في ذلك الحين.

ولعل ما يفاقم الازمة ويزيدها تعقيداً قضية القدس، لما لها من أهمية دينية تاريخية، تشكل مصدر إلهام روحي لجميع الديانات التوحيدية الثلاث، وتدخل في معادلة تكوينهم الثقافي وهويتهم الحضارية والتاريخية، بالاضافة الى القيمة الاقتصادية التي تكتسبها هذه المدينة. فالقدس بمكانتها الدينية ومرافقها السياحية تستقطب السياح والحجاج من مختلف أصقاع الأرض، وهذا بالطبع يشكل مصدر دخل اقتصادي هام لسكانها ولسكان فلسطين عمومًا، وللسلطات المحلية مما يجعل الاسرائيليون يطمعون بها وبمواردها ويستنكفون عن التنازل عن السيادة السياسية والاقتصادية عليها في اي حل يُطرح كالتدويل وغيره.

يصادف هذا العام، ذكرى مرور ستين عاماً على اعلان دولة “اسرائيل”، وفي هذه المناسبة لا بد لاي مواطن عربي من أن يساهم في دعم القضية الفلسطينية والمطالبة باستعادة الحقوق المغتصبة والتركيز على قضية القدس رفضاً لتهويدها وتأكيداً على هويتها العربية وانها ستبقى عاصمة أبدية لفلسطين.

من جهتنا، وجدنا ان الاضاءة على موقف المسيحيين المشرقيين من قضية فلسطين بشكل عام(1) والقدس بشكل خاص، قد يفيد القضية المركزية لانه يفضح البروباغندا الاعلامية والسياسية التي روّجها الغرب وانساق فيها العرب بدون تفكير وهي: ان القضية الفلسطينية وقضية القدس بشكل خاص هي قضية اسلامية في وجه اليهودية المدعومة من المسيحيين، وذلك بهدف تحويل القضية الى صراع ديني وحقوق توراتية مما يحرفها عن اطارها الصحيح الا وهو اغتصاب الارض وتشريد اهلها واستباحة الدم الفلسطيني المسفوك ظلماً وعدواناً. والمحزن ان الكثير من مفكري وسياسيي العرب والمسلمين انساقوا في اطلاق الاحكام والنظر بعين الريبة والشك الى المسيحيين في الشرق، واتهامهم بعدم الاهتمام بقضية فلسطين واحتلالها، وبان التدخل المسيحي يقتصر على المطالبة بحماية الأماكن المسيحية المقدسة في القدس، وعدم اهتمامهم باستعادة السيادة العربية واسترجاع الحق العربي حتى على القدس الشرقية.

سنركز في الجزء الاول من هذه الدراسة على التفاوت في الدعم المسيحي لقضية فلسطين بحسب المراحل التاريخية والسياسية التي مرت بها المنطقة، اسبابه ودوافعه، ثم نفرد مساحة لشرح الموقف الراهن.

اما في الجزء الثاني، فنخصصه لقضية القدس، بسبب مركزيتها ومحوريتها للشعب العربي بمسيحييه ومسلميه، وللتأكيد ان هوية القدس العربية لا يمكن محوها، وانها لا بد من ان تعود الى اهلها مهما تباينت المواقف واقتراحات الحلول بصددها.

الجزء الاول: القضية الفلسطينية: اصوات تعلو وتخفت بحسب الوقائع

اولاً: تقسيم فلسطين

تعتبر قضية فلسطين من اكثر القضايا التي ناضل العرب بمسيحييهم ومسلميهم من اجلها، والتي أبرزت ازدواجية معايير المجتمع الدولي وظلمه لشعب بكامله وتشتيته ليحل مكانه شعب يدّعي حقاً تاريخياً في ارض ليست له فجمعوه من الشتات واعطوه أرض شعب آخر.

لاهداف الدراسة سنذكر بعض التفاصيل حول أكبر عملية سطو دولية في تاريخ الامم قامت بها مجموعة برعاية المجتمع الدولي:

 تحول مسرح الأحداث من عصبة الأمم في الثلاثينات من القرن الماضي إلى أروقة الأمم المتحدة في الأربعينيات منه، فأعلنت بريطانيا قرارها التاريخي بتخليها عن الانتداب أوائل نيسان 1947 وطلبت من الأمين العام للامم المتحدة، عرض القضية الفلسطينية في دورة خاصة. عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 28 نيسان 1947 جلسة خاصة بالقضية الفلسطينية تقرر فيها تشكيل لجنة دولية للتحقيق. وبعد أربعة أشهر من إرسال اللجنة إلى فلسطين للتحقق، كان تقريرها مشابهاً لتقرير اللجنة الملكية البريطانية التي أوصت بإبقاء الصفة الدينية لجميع الأماكن المقدسة، واعتماد الوسائل السلمية لإقرار أي حل، ولكن التوصية الثالثة كانت تقسيم فلسطين إلى:

– دولة عربية: تتكون حدودها من الجليل الغربي ونابلس الجبلية والسهل الساحلي الممتد من أسدود جنوب يافا حتى الحدود المصرية، بما في ذلك منطقة الخليل وجبل القدس وغور الأردن الجنوبي، وتبلغ مساحة هذه الدولة 12 ألف كيلومتر مربع.

– دولة يهودية: تتألف من الجليل الشرقي ومرج بن عامر والقسم الأكبر من السهل الساحلي ومنطقة بئر السبع والنقب، وتبلغ مساحة هذه المنطقة التي تعتبر أخصب الأراضي الفلسطينية 14200 كيلومتر مربع.

– أما الأماكن المقدسة فتشمل مدينة القدس ومنطقتها وتوضع تحت الوصاية الدولية ويعين مجلس الوصاية للأمم المتحدة حاكماً غير عربي وغير يهودي لهذه المنطقة.

وفي جلسة عقدتها الأمم المتحدة في 23 أيلول 1947 تقرر تحويل المشروع إلى لجنة خاصة تشكلت من ممثلين عن كل الدول الأعضاء بما فيهم ممثل يهودي وآخر فلسطيني. رفض المندوب الفلسطيني المشروع بعد استعراض تاريخي لجذور القضية الفلسطينية، في حين أعلن المندوب اليهودي موافقته على المشروع مع مطالبته بضم الجليل الغربي ومنطقة القدس إلى الدولة اليهودية.

في 29 تشرين الثاني 1947 طرح مشروع التقسيم على التصويت فصودق عليه بأغلبية 33 صوتاً مقابل معارضة 13 صوتاً وامتناع عشرة دول عن التصويت.

في 15آذار 1948 أعلنت بريطانيا انتهاء الانتداب على فلسطين، وأعلنت الجلاء في آب من العام نفسه وأكدت أنها لن تمارس أي سلطات إدارية أو عسكرية. وسرعان ما تم الانسحاب البريطاني في 14 ايار 1948 ليعلن قادة اسرائيل دولتهم في اليوم التالي(1)

ثانياً: اصوات تعلو مطالبة باستعادة الحق

ظُلمت فلسطين في عهد الامم المتحدة التي قيل انها نشأت لاقامة السلام بين الامم، والملاحظ ان ما من قضية اتفق عليها الجباران خلال الحرب الباردة الا قضية ظلم الشعب الفلسطيني وتشريده واغتصاب ارضه. وفي هذا المجال، صدر العديد الكتابات والمقالات العربية- واللبنانية المسيحية بالتحديد- التي دعت العرب الى التيقظ مما يحاك لفلسطين ودعت المجتمع الدولي الى الانصاف، ولكن المصالح الدولية والشرذمة العربية ادت الى ما آل اليه الحال.

بعد صدور قرار تقسيم فلسطين وانشاء اسرائيل، نهض مفكر لبناني “ميشال شيحا” ليقول:
ـ ان قرار تقسيم فلسطين بانشاء الدولة اليهودية لمن أضخم الاخطاء في السياسة المعاصرة. ان امراً كهذا سيُسهم في زعزعة أسس العالم.

– ان قرار انشاء اسرائيل هو جريمة ضد الطبيعة، ضد الاخلاق والتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا.
ـ ان الصيغة التوافقية والتفاعلية الحضارية اللبنانية هي النقيض للصيغة العنصرية الاسرائيلية، لذا هي في خطر جسيم.
ـ ان اسرائيل هي “سوبر ـ دولة” تدعمها قوى عالمية كبرى، ولا يمكن ان تكون الا دولة توسعية، وان نموها سيتم على حساب جيرانها.
ـ ان صراع بين اسرائيل والعرب، وفي مقدمهم لبنان، هو صراع وجود وحدود معاً.
اي ان ميشال شيحا لم يكتف بتأكيد و”تثبيت” فكرة نجيب العازوري الذي قال عام 1904 بأن صراعاً سينشأ بين القومتين العربية والصهيونية وعليه يتوقف مصير منطقة الشرق الاوسط بأكملها، بل انه “طورها” ليقول ان الصراع بين الصهيونية والعرب يتوقف عليه لا مصير المنطقة وحسب، بل ومصير العالم أيضاً(1).

وفي آب 1949، ارسل الدبلوماسي اللبناني شارل مالك- وزير لبنان المفوض في الولايات المتحدة الاميركية آنذاك ـ تقريراً الى الدولة اللبنانية يطلعها فيه على الوضع الراهن، ويستشرف مستقبل العالم العربي فيعتبر ان المرحلة بعد اعلان دولة اسرائيل “هي فترة انتقال مؤقتة، تطول او تقصر بحسب الرد الفعل العربي في الدرجة الاولى، وتطور الوضع الدولي في الدرجة الثانية” ويقول:”..هي خاتمة للمرحلة التمهيدية السابقة من مراحل الحركة الصهيونية،التي انتهت بنشوء دولة اسرائيل، وتوطئة للمرحلة التكميلية التالية التي تهدف الى استعمار واستعباد العالم العربي”. واعتبر ان اسرائيل لن ترضى بحدودها الحالية بل هي ستتوسع الى سوريا ولبنان والاردن التي توقع ان يقوم ملكها “عبدالله” بالتعاون مع الصهيونية، وانه سوف يأتي يوم تتألب فيه الصهيونية ودول شرقية اخرى كتركيا وتتآمر على العالم العربي…”، والاهم ان شارل مالك استشرف ونبه من خطر الصهيونية على وجود لبنان ككل، بوجود اسرائيل العنصرية القائمة على الاحادية والطمع، على حدوده. ونبه مالك في تقريره (عام 1949) من مغبة ان يحصل “اتفاق خفي بين اسرائيل وبين بعض اللبنانيين القصيري النظر، فيحدثوا انقلاباً موالياً لاسرائيل، مؤكداً ان “انقلاباً كهذا يجر حتماً الى الفوضى، فتدخل سوري عربي، فتدخل اسرائيلي، وبالتالي الى حرب جديدة. لن يكون لبنان الكاسب فيها على الاطلاق”.(2)

ثالثاً: خفوت الصوت المسيحي الصارخ

لكن، بعد سنوات عدة، وبعد أفول الحركات القومية العربية -التي كان المسيحيون ابرز روادها- ضعف الصوت المسيحي العربي المطالب بزوال الاحتلال والمؤيد للقضية الفلسطينية، وقد لوحظ هذا الامر بشدة على اثر قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وخلال العقود الاخيرة في نهايات القرن العشرين.

ولتحليل اسباب هذا الضعف، نورد فرضيات عدة ادت الى خفوت الصوت المسيحي العربي عامة، واللبناني خاصة، في الدفاع عن القضية الفلسطينية:

أ –  تحول منظمة التحرير الفلسطينية  إلى شبه سلطة على الجماهير وحركتها، وارتكابها الكثير من الاخطاء بل الخطايا، وهو وَضْعٌ حدَّ كثيراً من حركة الجماهير واندفاعتها بسبب تشابك المصالح الخاصة بالمنظمة وقيادتها مع مصالح الأنظمة العربية والقوى الاقليمية المهيمنة.

ب – الهجرة الكثيفة التي قلّصت عدد المسيحيين في الشرق، وهم في الاساس اقلية كبيرة يعيشون في محيط اسلامي طاغٍ. ومن هذا القبيل، يمكن اعتبارانه بسبب قلة عدد المسيحيين نسبياً، مهما علا صوتهم يبقى ضعيفاً مقارنة مع الاصوات الاخرى الكثيفة العدد.

ج – انحسار الموجة القومية العربية والتي كان المسيحيين من روادها، وتصاعد الموجة الاسلامية في البلدان العربية، واحتكار المعارضة والمقاومة في البلدان العربية بالمقاومات الاسلامية.

د – مشاريع التوطين المشبوهة التي تتكشف منذ عقود عدة، والتي تُظهر تواطؤ بعض القادة الفلسطينين فيها، والتي تجعل من اللبنانيين بشكل عام والمسيحيين بشكل خاص يفقدون الثقة بالجانب الرسمي الفلسطيني، ويتحفظون في تأييده.

هـ- الحرب اللبنانية وفيها عوامل حاسمة:

اولاً: دخول الفلسطينيين طرفاً في الحرب اللبنانية، واقامتهم ما سمي “فتح لاند” بما عنته في ذلك الوقت من ممارسات ميليشيوية في الداخل اللبناني مما أثار استياء فئات كثيرة من اللبنانيين وأضر كثيراً بصورة القضية الفلسطينية وعدالتها وأحقيتها.

ثانياً: المواقف الفلسطينية التي اعلنت ان “طريق القدس تمر في جونيه”، ودخول بعض الفلسطيينين في المشاريع الاسرائيلية المشبوهة التي حاولت الاستعاضة بحكم لبنان والتوطن فيه كبديل عن فلسطين.

ثالثاً: الممارسات الميليشيوية والعمليات التي قام بها الفلسطينيون، كخطف الطائرات واحتجاز الرهائن الاجانب الخ… وخاصة في البلدان المضيفة مما سبب احراجاً للبلدان التي استضافتهم، وأدخل في ذهن الكثيرين ان التصرفات الفلسطينية هي اعمال ارهابية غير مرحب بها وان تكن من اجل القضية الكبرى. ولم تزل هذه الصورة الا بعد انطلاق انتفاضة الحجارة في فلسطين عام 1987 التي ابرزت ان “الطفل يقاوم العسكري والدبابة بحجارته”، فأعطت مفهوماً آخر للعمل الفلسطيني المقاوم وأعادت الصورة المشرقة للعمل الفلسطيني الفدائي.

رابعاً: السلاح الفلسطيني في لبنان وما شكله من بؤر أمنية يلجأ اليها الفارون من وجه العدالة اللبنانية- حتى بعد انتهاء الحرب-، وقد شكلت البؤر المتفجرة في المخيمات للبنانيين عموماً والمسيحيين بشكل خاص، اشكالية وصورة طغت على عدالة القضية الاساسية ومركزيتها.

خامساً: حروب المخيمات المتعددة( خلال الحرب وبعدها)، وآخرها قضية مخيم نهر البارد الذي أوى منظمة ارهابية كفتح الاسلام قامت بضرب الجيش اللبناني وتكليفه خسائر بشرية فادحة وتقويض السلم في لبنان، وبالرغم من ان اللاجئين الفلسطيننين ظلموا وهدمت بيوتهم وتهجروا، الا ان النظرة الى حرب نهر البارد لم تنفِ مسؤولية فلسطينية في ايواء مسلحين ارهابيين من هذا النوع.

سادساً: الصبغة التي صبغت المسيحيين اللبنانيين بسبب مواقف بعض قادة وامراء الميليشيات خلال الحرب التي تعاملت مع اسرائيل، والتي صبغت الطوائف المسيحية باكملها، الى ان تغير الموقف والنظرة اليهم بعد التفاهم الذي تم بين التيار الوطني الحر وحزب الله ووقوف التيار الوطني الحر والعماد ميشال عون مع المقاومة خلال حرب تموز.

و – صمت مفروض على المواطنين المسيحيين في البلدان العربية التي يطلق عليها صفة “الاعتدال” والتي تسير في ركاب التطبيع مع اسرائيل.

ز – عدم قدرة المسيحيين على بلورة موقف موحد من قضية القدس ومن القضية الفلسطينية بشكل عام، فبالرغم من ان المسيحيين العرب لا يختلفون عن اشقائهم المسلمين في تأييد القضايا العربية المحقة، الا ان جزءاً منهم ما زال يعيش هاجس طغيان المحيط عليه، فيعتقد ان من واجبه تأمين حماية غربية له، فينقاد بشكل اعمى لتأييد الغرب ومواقفه الداعمة لاسرائيل: يفضل هذا الجزء من المسيحيين الصمت على المجاهرة بالموقف.

ح – موجات التخوين التي أطلقها بعض الاعلاميين والسياسيين العرب على الصوت المسيحي المخالف لهم، مقابل عدم المجاهرة واطلاق صفات مخففة على المسلم الذي يعلن نفس المواقف، فمثلاً لو كان الحكم اللبناني- المفترض انه مسيحي- هو الذي قام بما قام به الملك حسين باللاجئين الفلسطينيين في الاردن او قبله الملك عبدالله لقامت الدنيا ولم تقعد….

رابعاً: الموقف اليوم:

ستون عاماً شابتها سلسلة من الاخطاء والتشرذم وانعدام الرؤية العربية، أدت الى ما أدت اليه في القضية الفلسطينية، لكن التحولات التي طرأت على منطقة المتوسط خلال السنوات الاخيرة بعد احداث 11 ايلول ، والاحتلال الاميركي للعراق، والانسحاب السوري من لبنان،وحرب تموز وتداعياتها… أحداث كان لها تأثير مباشر وغير مباشر على المسيحيين اللبنانيين ومن ورائهم المسيحيين المشرقيين.

لقد أخرجت وثيقة التفاهم التي وقعت بين التيار الوطني الحر وحزب الله، الجميع من الشرانق التي وضعوا انفسهم بها وبخاصة المسيحيين الذين كان يُنظر اليهم شزراً منذ الحروب الصليبية، وبسبب انقسامهم الدائم حول مناصرتهم للقضايا المحقة والعادلة في المنطقة.

لقد أخرح التيار الوطني الحر بتفاهمه مع حزب الله والانفتاح الذي أقامه مع مختلف القوى السياسية في لبنان، المسيحيين من القوقعة وأدخلهم في المحيط الطبيعي الواجب ان يكونوا فيه، لكن للأسف، لقد تم هذا الامر بعد ان خرج “المحيط” عن طوره وانزلق. ففي الوقت الذي توحد فيه اللبنانيون بمسيحيييهم ومسلميهم في تأييد المقاومة العسكرية والسياسية والثقافية الخ.. من اجل استرجاع الاراضي العربية المحتلة، بات العرب يتهافتون على السلام ويقدمون التنازل تلو الآخر بينما تتصلب اسرائيل وتهدد وتتوعد، وتعطي وزيرة خارجيتها دروساً للعرب في تحديد العدو والصديق فتعلن لهم ان عدوهم لم يعد اسرائيل(التي احتلت ارضهم وقتلت اطفالهم ونساءهم ورجالهم) بل باتت “ايران”!!!.

من سخرية القدر، انه في الوقت الذي بات اللبنانيون المسيحيون مقتنعين بما نظّر له مفكريهم في منتصف القرن العشرين من ان “الصهيونية هي ضد المسيحية قبل ان تكون ضد الاسلام، وان وجود اسرائيل باحاديتها هي خطر على الكيان اللبناني التعددي”(1)، نجد العرب – الذين يوصمون “بالاعتدال”-  يهرولون للتطبيع، ويقدمون التنازلات ويتخلون عن حق العودة، ويتآمرون على المقاومات في كل من لبنان وفلسطين.

في هذا الزمن، زمن وعي الشعوب العربية لحقوقها وزمن سحب البساط من تحت ارجل الحكام المتخاذلين، ظهرالموقف المسيحي المشرقي على حقيقته ولم تعد تنفع الدعايات الصهيونية في تشويهه، ويتلخص الموقف بالنقاط التالية:

1)    لا بد من حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً ومنصفاً، فاذا ارادت اسرائيل “الامن” عليها ان تقدم حلولاً تستنتد الى المعايير الحقوقية. فالظلم سيولد ظلماً، واغتصاب الحقوق لن يسكت عنه مهما طال الزمن، والحل يجب ان يتصمن:

– إزالة الاحتلال من فلسطين: لقد وصلت قضية الشعب الفلسطيني إلى ساعة الحقيقة التي لا بد للعالم من مواجهتها بروح العدل والسلام، فلا يزال الشعب الفلسطيني يعاني من أقسى الظروف وأشرسها، متعرضاً للظلم والمهانة بكل أنواعها وأشكالها إلى حد لا يطاق، لذا لن يكون في منطقتنا لا سلام ولا استقرار ولا أمن بدون منح الشعب الفلسطيني حقوقه الثابتة والمشروعة في دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

– حق العودة للاجئين الفلسطينين، ورفض جميع المشاريع التوطينية التي تحاول اسرائيل والغرب تمريرها بالتواطؤ مع بعض الزعماء الفلسطينيين، والتغطية والتحريض من بعض الزعماء العرب  لاهدار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

2)  لقد تألم الشعب الفلسطيني طويلاً ولقد آن الأوان لان يدفع الاسرائيليون ثمن هذه الالام: إن الإلتفاف على  الحقوق الثابتة والمشروعة للشعب الفلسطيني إو انكارها لن يؤدي إلا إلى مزيد من حلقات العنف والموت… إن العدل هو طريق السلام، والسلام العادل والشامل هو الطريق الحقيقي للأمن المطلوب اسرائيلياً.

3) إنهاء حصار غزة: يتفاقم الوضع الإنساني في غزة  يوماً بعد يوم بسبب الحصار الظالم الذي يذهب ضحيته الأبرياء، خاصة الأطفال. لقد حان الوقت أن يضع العالم حداً للظلم الصارخ الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني بكل فئاته.

 

4)                اقتناع تام لدى المسيحيين المشرقيين، ودعوة للمجتمع الدولي والغرب، للتمييز بين الإرهاب والمقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال انطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس.

5)                اقتناع لدى المسيحيين المشرقيين بإن الضعف ليس سمة دائمة وليس هو موروث جيني، وإنما القوة تكتسب اكتساباً، عندما يتوافر مشروع فكري مقاوم وتتوافر الدوافع الأولى للتحريك. وبعد ذلك تكون القوة احتمالية وعناصرها تختلف من جهة لأخرى وبين واقع وآخر. لذلك أن الفشل في مشروع إجرائي أو في معركة من المعارك لا يعني سقوط حق المقاومة، وأن صناعة النصر باتت غير ممكنة. عليه، وعلى اثر انتصار تموز التاريخي، سقط لدى المسيحيين اللبنانيين مقولة ” قوة لبنان في ضعفه” وباتوا ينظّرون للقوة اللبنانية التي انتصرت وهزمت اعتى جيش في الشرق الاوسط…ما فهمه  اللبنانيون بعد حرب تموز هو انهم يجب ان يفتشوا عن مصادر القوة اللبنانية واصلاح للدولة وتعبئة كبرى لقواهم تخرجهم من الهشاشة.

6)                يتمنى المسيحيون المشرقيون لو أدرك المسيحيون في العالم، وفي الغرب خصوصاً، ان التفوق اليهودي الذي يحمله النصر الاسرائيلي والاسترخاء ازاء اليهودية والاساطير التوراتية الساطع في اللاهوت الغربي منذ تسعين سنة، هو خطر عليهم بالدرجة الأولى، لأن الصراع الحقيقي على مستوى العقيدة الدينية هو بين الكنيسة واليهودية أكثر مما هو بين المسيحية والاسلام. ان ما وراء الغطرسة الاسرائيلية غطرسة يهودية واضحة تكره المسيح شخصياً وتكره بخاصة بولس الرسول الذي نقض اليهودية. هذا كله موجود في الآداب اليهودية ولكن من يقرأ؟

الجزء الثاني: موقف المسيحيين المشرقيين من قضية القدس:

“القدس لنا” ليست فقط شعارا لمدينة هي صميم العالم. الصرخة تجند لكل قضية عدل، ولكنها اليوم محك الصدق للمتحدثين بالعدل. أي سلام هذا الذي ليس فيه حق الحياة للشعوب كلها؟ هل يحمَل السلام على دبابة ام يتوب الطاغية عن طغيانه؟. (جورج خضر- النهار 27 نيسان 2002)

خلاص القدس يجب ان يتم بالقوة…. ان المسيحية والاسلام في الاراضي المقدسة يتهاونان بحيث  يعاملان معاملة الفارين. (ميشال شيحا 6 ك1 1949 )

أ-  القدس مدينة عربية بالوقائع التاريخية

يرجع تاريخ مدينة القدس إلى أكثر من خمسة آلاف سنة، وهي بذلك تعد واحدة من أقدم مدن العالم وأعرقها. وتدل الأسماء الكثيرة التي أطلقت عليها على عمق هذا التاريخ، وقد أطلقت عليها الشعوب والأمم التي استوطنتها أسماء مختلفة، نذكر منها الكنعانيون الذين هاجروا إليها في الألف الثالث قبل الميلاد أسموها “أورساليم” وتعني مدينة السلام أو مدينة الإله ساليم. واشتقت من هذه التسمية كلمة “أورشليم” التي تنطق بالعبرية “يروشاليم” ومعناها البيت المقدس، وقد ورد ذكرها في التوراة 680 مرة. ثم عرفت في العصر اليوناني باسم إيلياء ومعناه بيت الله.

تنظر المسيحية بمختلف مذاهبها إلى القدس على أنها “مدينة الرب” لانها المدينة التي شهدت الاحداث الاكثر أهمية في حياة السيد المسيح وقيامته. فقد ارتبط اسم القدس في الانجيل بمحطات اساسية في حياة يسوع المسيح، فقد أخذ والدا يسوع، الطفل إلى المعبد المقدسي “ليقدّماه إلى الرب”، وتحادث الطفل ذو الاثني عشر عاماً مع علماء الدين في المعبد… وارتبطت في هذه المدينة محطات آلامه الكبرى وقيامته. إذاً، في الفكر المسيحي ما عادت القدس مدينة أرضية، بل سماوية، فيها تكوّنت أول كنيسة مسيحية، وكانت مكاناً برزت فيه أولى دعوات الرسل واستشهاد أول مسيحي.

بالنسبة للمسيحيين المشرقيين، القدس او “ام الكنائس المسيحية” مدينة عربية بامتياز، اهلها عرب وجذورها عربية بالرغم من الادعاءات التي حاولت تشويه صورة المدينة منذ اقدم العصور، والتي تحاول الان تهويدها واطلاق الصفة الاسرائيلية عليها.

وقد سعت الكنائس العربية دوما إلى إظهار تمايزها عن مواقف الكنائس الغربية، وظهر هذا الأمر بوضوح كامل في قضية القدس، فبينما تبنى الفاتيكان فكرة التدويل، وضمان حرية العبادة، سعت غالبية الكنائس العربية ، وإن لم يكن كلها، إلى تأكيد عروبة القدس.

 تذكر المؤلفات التاريخية ان اعتناق “الإمبراطور قسطنطين” المسيحية في القرن الرابع الميلادي أدى إلى تغيير جذري في تاريخ مدينة القدس، فعندما أصدر قسطنطين سنة 313 م مرسوماً يقضي بمنح المسيحيين حرية العبادة في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، اقامت أمه الإمبراطورة “هيلانة” بمساعدة المطران “مكاريوس ” كنائس وادياراً في الامكنة التي ارتادها السيد المسيح  ومنها “كنيسة القيامة” في القدس. ومنذ ذلك الحين بدأت مواسم الحج الى الاماكن المقدسة وازدهرت المدينة، الى ان دخلها ملك الفرس “كسرى الثاني” واحتلها عام 614 م، فدمر الكنائس والأماكن المقدسة ولا سيما كنيسة “القبر المقدس”. ويذكر المؤرخون أن من تبقى من اليهود في الاراضي المقدسة، انضموا إلى الفرس في حملتهم هذه رغبة منهم في الانتقام من المسيحيين.

وبعد ظهور الاسلام‏، دخل الخليفة عمر بن الخطاب القدس عام‏638‏ م وقدم له البطريرك صو فردنيوس مفاتيح المدينة المقدسة‏، فسلمه عمر ميثاق “العهد العمري الشهير” الذي نظم العلاقة بين الكنيسة والخلافة، والتي بموجبه تم الاعتراف بالحقوق والامتيازات الخاصة لبطريرك الروم وللمسيحيين الأرثوذكس الذين كانوا ابناء الارض الاصليين‏.‏ وفي عام 1099عندما دخل الصليبيون القدس‏، قاموا باضطهاد المواطنين المسيحيين الموجودين في المنطقة الذين لم يتجاوبوا مع دعواتهم لانهم اعتبروها نوعاً من الاحتلال لاراضيهم، كما اضطهدوا بطريرك الروم الأرثوذكس، فمنعوه من الاقامة في الاراضي الفلسطينية كلها، ونصّبوا بديلاً عنه بطريركاً كاثوليكياً‏ يتبع سلطة الفاتيكان في روما. وعندما قام صلاح الدين الأيوبي بتحرير القدس عام‏1187‏ م‏، أرجع الأماكن المقدسة إلى بطريركية الروم الارثوذكس وهو ما يؤكد أن الحكم الاسلامي كان يحترم المقدسات المسيحية وقيادتها الدينية علي مر العصور(1)‏.‏

في هذا الاطار، يؤكد المطران عطالله حنا أيضاً :”إن المسلمين والمسيحيين يعيشون في فلسطين – وفي القدس خاصة- كعائلة واحدة منذ دخول الإسلام إلى بلادنا، وقد أعطت “العهدة العمرية” لهذا التعايش صفته التشريعية، وفي الوقت نفسه طابعه الثقافي والحضاري المميز الذي لم تصل إليه حتى الآن الدول التي تحاربنا باسم الحريات ومقاومة الإرهاب، وفي الوقت نفسه تمارس تمييزاً عنصريا تجاه شعوبها المختلفة”(2)

دخل العثمانيون فلسطين سنة 1516م، فحلّت فيها سياسياً السيادة التركية مكان المملوكية، ودينياً السيادة اليونانية بدل العربية. على أثر الفتح العثماني للقسطنطينية بات البطريرك القسطنطيني رئيس الملّة الأرثوذكسية في السلطنة، ونظر إليه العثمانيون على أنه ممثل جميع الأرثوذكس في السلطنة، مما ادي الى سيطرة البطريركية القسطنطينية ومن خلالها الإكليروس اليوناني على جميع البطريركيات الأرثوذكسية الخاضعة للأستانة. فتمت “يَوْنَنَة” البطريركية الأورشليمية في الجيل السادس عشر الميلادي، وحلّ البطاركة اليونان مكان العرب في الأبرشية. ويدعو المسيحيون العرب هذه الحقبة من تاريخ البطريركية الأورشليمية  بـ “دور الاغتصاب”، أي اغتصاب اليونانيين المنصب البطريركي من العرب(3)، الذي ما زال مستمراً الى عصرنا هذا والذي ادى الى ضياع الكثير من الاماكن المقدسة، فقد باعها لليهود البطاركة اليونانيون الذي لا ينتمون الى هذه الارض العربية، ولا يتجذرون فيها.  ويدّعي المؤرخون اليونان ان العرب الفلسطينيين هم “متعرّبون”، ويبنون على النظرية القائلة بأن مسيحيي فلسطين أصلاً والارثوذكس بشكل خاص، هم من الجنس اليوناني، الذي فقد قوميته بمرور الزمن وتعرّب، وهذا ما تدحضه الشواهد التاريخية، والحجج والبراهين العلمية، فقد اصدر القاضي برترام(4) حكمه في هذه القضية قائلاً: “إن بطاركة فلسطين قبل الفتح كانوا عرباً وليسوا متعربين، ومنهم المطران عطا الله (1505 – 1553م)، الذي تسميه المصادر اليونانية بدروثاوس، أي عطا الله بالعربية ،”وما يقطع الشك هو أن بطريركاً يحمل في ذلك الزمن اسماً عربياً من المؤكد انه هو نفسه كان من سلالة عربية”.

اذاً، قبل التهويد بقرون، حاول الاوروبيون نفي الهوية العربية عن القدس، وهو ما يحاول الاسرائيليون القيام به منذ ما يقارب القرن من الزمن، مما يشكل خطراً كبيراً على الوجود العربي “المسيحي والاسلامي” فيها، حيث تشير الاحصاءات والدراسات إلى أن ما بقي في القدس الشرقية خارج دائرة التهويد يصل إلى 2% فقط . كما تم تعديل التركيبة السكانية للمدينة إلى حد المساواة تقريباً بين العرب واليهود، ناهيك عن تغيير المعالم والهدم والطرد المستمر للسكان العرب في محاولة لاضعاف الموقف العربي ازاءها.

ويقول المطران عطالله حنا: ” إن كل ما في القدس حتى أبنيتها وحجارتها يصرخ بأنها عربية، وستبقى كذلك. لقد عمل الإسرائيليون دائما على تهجير المسيحيين من القدس، فقبل عام 1967 كان يعيش فيها أكثر من 25 ألفا من المسيحيين الذين ينتمون إلى الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية فقط، بالإضافة إلى  غيرهم من المسيحيين. أما اليوم فيوجد فقط 8 آلاف مسيحي بشكل عام. هناك سعي دائم من قِبَل الإسرائيليين لاحتلال البيوت وإعطائها للمستوطنين اليهود بهدف إضفاء صفة يهودية على المدينة المقدسة، ويجب العمل بكل وسعنا لمواجهة هذه السياسة والتصدي لها”.(1).

وعند دراسة تاريخ القدس الزمني يتبين أن الوجود العربي والهوية العربية استمرت متواصلة خلال تاريخ المدينة المقدسة بأكمله ولم ينقطع بالرغم من تغير طبيعة الحكم والسلطة فيها.

ويشير الباحث البريطاني كيث وايتلام إلى “أن ما يحدث الآن من قبل الصهاينة هو إبراز مملكة إسرائيل الصغيرة الخاطفة في التاريخ كما لو كانت مملكة إسرائيلية عظمى، بالرغم من أنها لم تكن إلا لحظة عابرة في مسيرة التاريخ الحضاري لفلسطين القديمة” (2).

ب- المواقف المسيحية تجاه قضية القدس

تماماً كمواقف الدول العربية وموقف الفلسطينين في الداخل وانقسامهم حول رؤيتهم لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، تتباين المواقف المسيحية المشرقية من قضية القدس، فمنهم من يدعو الى تدويل القدس واعلانها مدينة مفتوحة للامم، والبعض الاخر يصر على هويتها العربية ويعتبر القدس “بشر وليس حجر” كما دعا المطران جورج خضر في اكثر من مقال وموقف.

لم يكترث المسيحيون الاوروبيون يوماً للقضية العادلة والمحقة في فلسطين عموماً والقدس خصوصاً الا من منطلق قدرتهم للوصول الى الاماكن المقدسة للحج، وهو أمر كان قد نبه منه ميشال شيحا في مقالاته عام 1948، حين اعتبر ان التخلي عن فكرة “تدويل القدس” سوف تخف رويداً رويداً لتصبح في النهاية مطالبة “بتدوبل الاماكن المقدسة فقط”، ويقول:

“اذا كان غلاة الصهيونية يطالبون بالقدس عاصمة لهم، فان جميع اليهود يضمرون في عمق تفكيرهم وقلوبهم ان تصبح القدس العاصمة الاصلية لاسرائيل. وليس فقط عاصمة لهذه “الاسرائيل” التي بلا حدود؛ واسمها واحد من الاسماء العبرية التقليدية، وانما لدولة اسرائيل التي استولدتها الولايات المتحدة على حساب أوجاع الآخرين. في رأس أهداف اليهود ان يجعلوا من المدينة المقدسة عاصمتهم السياسية وكأنه لا مسيحية ولا اسلام في العالم.(1)

وبالفعل اتخذ الفاتيكان موقفا دينيا أضعف الموقف السياسي للمسيحيين الفلسطينيين بتوقيعه اتفاقاً مع إسرائيل في 30/12/1993 للاعتراف المتبادل وإشارته فقط إلى تسهيل حجّ المسيحيين إلى الأماكن المقدسة المسيحية.

وفي هذا الاطار، نقتطف من مقال للمطران جورج خضر هذا الموقف الانساني السامي المترفع، الذي يقول فيه:

“…ان المدينة المقدسة أقدس شيء فيها حق سكانها عليها. فالانسان دائماً خير من المكان مهما عظم وسما. ولهذا يبدو لي تدويل القدس موقفاً فاسداً من أساسه لانه مشتق من قدسية الاثار ومحجّر لهذه القدسية على حساب حق الناس وتالياً حق الله….”(2)

وفي عام 1994، أصدر البطاركة ورؤساء الكنائس المسيحية في القدس، مذكرة بعنوان “المفهوم المسيحي للقدس”، أكدوا فيها على الوجه المسيحي للقدس وعلى أهمية الحضور المسيحي فيها، وتطرقوا إلى الوضع السياسي الخاص الذي يجب أن يكون للمدينة بسبب قدسيتها.  ولكن الاسرائيليين كعادتهم ضربوا جميع المحرمات والمقدسات عرض الحائط وبنوا السور الذي أخرج عدد كبير من المؤمنين خارج حدود المدينة، بحيث لم تعد القدس مركزا ولا قلباً للحياة كما يجب أن تكون.

اما في العام 2006، فقد اصدروا بياناً اعادوا التأكيد فيه على ما اعلنوه في مذكرة 1994، ودعوا فيه الى اعتبار القدس مدينة مفتوحة ولها وضعها الخاص، واعتبروا ان:
        “القدس مدينة مقدسة، وتراثٌ للإنسانية، ومدينةٌ لشعبين وثلاث ديانات. ولها طابع فريد يميزها عن كل مدن العالم، ويسمو بها فوق كل سيادة سياسية محلية: “القدس أثمن من أن ترتبط فقط بسلطات سياسية قومية أو بلدية” (المذكرة 1994). والشعبان في المدينة هم حراس قداستها ويحملون تجاهها مسؤولية مزدوجة: أن ينظموا حياتهم في المدينة وأن يستقبلوا فيها كل “الحجاج” إليها من جميع أنحاء العالم. والعون المطلوب من الأسرة الدولية يجب ألا يحل محل سيادة الشعبين ومسؤوليتهما. بل هو مطلوب لمساعدة كلا الشعبين للتوصل إلى تحديد الوضع الخاص للمدينة وتثبيته. ولهذا، فمن الناحية العملية، وفي المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من واجب الشعبين فيها أن يحددوا الوضع الخاص الذي يتفق وطبيعة المدينة، على اعتبارها من جهة مدينةً مقدسةً وتراثا للإنسانية، ومن جهة أخرى مدينةً خاصة لشعبيها، فيها يعيشون حياتهم اليومية. ثم إذا ما تبينت معالم هذا الوضع الخاص وتحددت، وجب على الأسرة الدولية أن تحيطه بالضمانات الدولية اللازمة لتعزيزه ولضمان استمرار السلام والاحترام للجميع.

وتشمل مقوماتُ الوضع الخاصِ- بحسب بيانهم- العناصر التالية:

  1. الحق في حرية العبادة والضمير للجميع، للأفراد والجماعات الدينية (المذكرة 1994).
  2. المساواة بين جميع سكان المدينة أمام القانون، بالاتفاق مع القرارات الدولية.
  3. حرية الوصول إلى القدس للجميع، المواطنين، والمقيمين، أو الحجاج، وذلك في كل وقت، في زمن الحرب والسلم على السواء. ولهذا يجب أن تكون القدس مدينة مفتوحة.
  4. “احترام حقوق الكنائس المختلفة في التملك والحراسة والعبادة التي اكتسبتها عبر التاريخ، والتي يحميها حتى الآن نظام “الستاتيكو” للأماكن المقدسة، المستند إلى “فرمانات” تاريخية ووثائق أخرى. وكل هذه الوثائق، يجب أن يستمر الاعتراف بها واحترامها” (مذكرة 1994).

واقترح البطاركة في بيانهم، بعض الحلول التي رأوا انها قد توصل الى الحل العادل والدائم لقضية القدس، وذلك على الشكل التالي:

–                     يمكن أن تبقى مدينة القدس موحدة، وتكون السيادة فيها في هذه الحال مشتركة، على أساس المساواة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

–                     ويمكن أيضا أن تُقسَم المدينة إلى قسمين، بسيادتين متميزتين، إن كانت تلك رغبة شعبَيْها الساكنَيْن فيها. وإنما الهدف من ذلك هو التوصل إلى وحدة حقيقية في القلوب تجمع بين قسمي المدينة. وأما السور الذي مزق المدينة في أكثر من مكان والذي أَخرَجَ منها عددا كبيرا من أهلها فيجب أن يزالَ وأن يُبدَّلَ بتربية تعزِّزُ الثقة والقبول المتبادلين.

–                     في حال عجز الأطراف المعنية عن وجود الحل العادل والدائم، فإن مساعدة الأسرة الدولية تكون أمراً ضرورياً. ويجب أن يستمر هذا العون في المستقبل في صورة ضمانات تكفل ثبات الاتفاقات التي يتوصل إليها الطرفان.(1) 

لكن، هذا الموقف الصادر عن اعلى سلطات كنسية في القدس، لم يكن هو نفسه موقف المطران جورج خضر ولا موقف المطران عطالله حنا الذي يعتبر ان “إن سياسة الرضوخ للمطالب الإسرائيلية ليس لها نهاية، والإسرائيليون يريدون الاستمرار بسياسة تقسيم الصف الفلسطيني؛ ولا يريدون أن يكون موقف المسيحيين الفلسطينيين منسجما مع موقف إخوانهم المسلمين، ويفضلون أن يكون للمسيحيين موقف منعزل عن موقف الشعب الفلسطيني، لكن ذلك لا يمكن أن يحصل”.(1)

ويجيب المطران خضر في احدى مقالاته، على طرح التدويل الذي يطرحه “احبار ليسوا من الامة الفلسطينية” (بنظره)، فيقول:

 “…ان عزل المعابد عمن يعمرها من الممكن ان يقول به احبار ليس واحد منهم من الامة الفلسطينية، اي رجال حرّاس هياكل مصنوعة بالايدي، في حين ان الانسان هو هيكل الله الحي. ويكون منظار التدويل منظار تأمين الحج للناس الوافدين من الغرب.

..,المسيحية الاوروبية تضطرب اذا كان ابناؤها لا يستطيعون المجيء الى الاراضي المقدسة. لكنها لا تحرك ساكناً اذا كان المسيحيون العرب لا يستطيعون التبرك. المهم الا تنقطع عادات طيبة عند الافرنج ومن اليهم…المسيحي الغربي لا يستطيع ان يقوم بحج الا اذا قام به بالمشاركة مع المسيحي الشرقي، لان الذهاب الى المسيح ذهاب اليه في المحبة… المشكلة ليست بالسير الى الحجارة، ولكن بالسير الى البشر، الى كنيسة اورشليم المنكفئة الى الصمت…

ان وضع التدويل يعني ان سكان القدس أضحوا هم بدورهم، كأحبارهم الاجانب، حراساً للاماكن المقدسة، وانهم تالياً يعيشون من انفاق الحجاج، اي يكونون في ذهنية المتاجرة بالكنيسة وان الناس ينتهون اليهم من كل حدب وصوب..القدس انفتاح. القدس تتجاوز القدس. انها امتداد الى اللانهاية، الى الابد والاعلى، انها معراج”(2)

وننهي الموقف من قضية القدس، بقراءة للمواقف المميزة واللافتة جداً- وندعو جميع المسيحيين المشرقيين لتبنيها – مواقف المطران جورج خضر في كتابه “القدس”(3) الذي يكتب فيه عن فلسطين كما يكتب العاشق عن الحب.. فيقول: ” لا فاصل واضحاً بين الزمني والروحي عندما تصير المدينة جلجلة”…. “صحيح ان فلسطين المدعوة أكبر من الأرض، لأنها حدث روحي كبير، ولكن هذا لا يكفيني، فأنا مع هؤلاء القوم في مظلوميتهم، ومع القدس في نورها”.

ويلحّ المطران خضر على القول إن القدس “بشر لا حجر”. وينبّهنا الى أن البحث الصحيح في قضية القدس هو “البحث في شعبها، ولا يمكن فهم المدينة إلا من تاريخ دنيوي لا من سجل أخروي، لأن الأخروية تهبط من فوق، ولا تطلع من الأرض”.

ويدعو المطران العرب الى عالمية القضية الفلسطينية وقضية القدس، “بحيث نعثر على حقوق الانسان فيها، فالحجة المرتكزة على الدين لا تنفعنا سياسياً، لأن مسيحيي الغرب لا يهمهم شيء من أمر مسيحيي الشرق، ولا يؤمنون بالإسراء والمعراج، ولأن أقدس ما في المدينة المقدسة هو حق سكانها عليها. ومن هنا، لا يجوز فصل مشكلة الأماكن المقدسة عن مشكلة المواطنين العرب”.

ثم يضع الدين في حيزه الخاص، حيزه المطلق، حين يتعلق الأمر بالصراع على الأرض بين احتلال وشعب يقاوم الاحتلال، فيعتبر انه صراع سياسي لا صراع أنبياء، مهما استخدم فكر إقصاء الآخر من ذرائع دينية: “خارج الرؤية المدنية، وهي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، سيستمر الجدل الى الأبد حول اقتسام المدينة بين موسى وعيسى ومحمد، بينما المشكلة هي مشكلة حقوق دولية، لا حقوق السماء في مساحات عقارية”.

خاتمة:

في العام 1952 تقدم صحافيان غربيان، أحدهما بريطاني والآخر أميركي، بسؤال الى رئيس دولة إسرائيل آنذاك حاييم وايزمان: كيف تتصور حلاً للقضية الفلسطينية؟ ففكر قليلاً وأجاب: «هناك قضايا لا حل لها. إنها تشيخ وتبلى شيئاً فشيئاً».

بعد ستين عاماً على اعلان دولة اسرائيل، واغتصاب الحق الفلسطيني وتشريد اهله.. لم تشخ ولم تبل القضية الفلسطينية، بل ما زالت حية في نفوس ابناء فلسطين العرب مسلمين ومسيحيين.

قد يكون الصوت المسيحي العالي المحذر والمستشرف الذي شهدناه في منتصف القرن الماضي قد خفت، وضعف الموقف اعلامياً لكن القضية في نفوس المسيحيين العرب لم تمت بالتأكيد.

في هذه الدراسة تحدثنا عن الموقف المسيحي بالتحديد، للتأكيد فقط ان المسيحيين لا ينفصلون عن هذه الارض وقضاياها، وليأتِ يوم لا يعودون بحاجة فيه الى ابراء للذمة، ولا يعود يُنظر اليهم لا كأهل ذمة ولا كجالية غربية مزروعة هنا.

منذ الحروب الصليبية الى الآن، هذا الزمن الذي تحاك فيه للمنطقة ابشع المؤامرات وأدنأها على الاطلاق، يعيش المسيحيون العرب بين مطرقة الغرب “المسيحي” الذي لا يهمه الا مصالحه، وسندان النظرة العربية الاسلامية اليه، التي تخونه ولا تقيم فرقاً بينه وبين الغرب. اتى الصليبيون فقتلوا واضطهدوا من المسيحيين ما يساوي- ان لم نقل ما يفوق-  عدد المسلمين، وبعد قرون، يقوم الاميركيون بخطة منهجية منظمة لتهجير المسيحيين من الشرق وتفريغه من اهله وقيمه، وتفتيته دويلات طائفية مذهبية متناحرة.

لذا فالمسيحيين العرب مدعوون اليوم، اكثر من اي وقت مضى، الى ان يكونوا من المحيط ، معه  وله.

اننا ندعوهم الى ان يعودوا إلى أنفسهم أولاً، ليتحرّروا من المواقف الغنمية المفروضة عليهم في ظلّ الفكر الواحد المتخاذل، ومن ثم لينضمّوا إلى العمل الجماعي المقاوم من أجل الثوابت المشتركة التي تؤسّس لقيام وطن من اجل شعب، وليس لشركة سياسية مذهبية تبيع خدماتها للاميركيين والاسرائيليين وفق قواعد العرض والطلب.

إن عملاً كهذا صعب وشاق بالتأكيد، يلزمه الثبات والصبر والمثابرة في أدائه، ولكن لا خوف على النتائج كيفما تقلّب التاريخ والجغرافيا، لانه عمل يتخطّى الحدود المادية المرسومة على التراب، ليدخل عالم القيم الإنسانية الكونية.هو ليس بحاجة إلى إذن بالمرور على الطرقات العسكرية والحواجز الجغرافية والحدود المادية والزمنية بل ستكون آثاره في كل مكان وزمان، وفي مصير الاجيال اللاحقة.

انها قضية واحدة، للمسلمين والمسيحيين. انها قضية شعب، قضية وطن، قضية حياة ووجود.

ملحق :

مواقف استشرافية لبعض المسيحيين المشرقيين خلال حقبة اعلان دولة اسرائيل

أ- قضية فلسطين امام الامم:

قبل قرار التقسيم المشين، كتب ميشال شيحا مناجياً الامم المتحدة الحكم بالعدل والانصاف : “خمسون بلداً سيكونون مدعوين الى التساؤل لماذا يرغب اليهود في ان تكون لهم دولة، وان يحصلوا على جنسية بديل باسم الايمان الديني في حين انهم اصبحوا مواطنين حيثما كانوا يتمتعون بالحرية والغنى وبجميع اشكال القدرة الخفية، اذ هم أسياد المال والصحافة والسينما وامور اخرى أيضاً. لماذا هذا الشعب الاكثر تشتتاً في العالم حيث ينزرع ستة عشر مليون انسان، منذ عصور، في جهات الارض الاربع، وقد ترسخت لهم جذور تحت كل سماء، لماذا يستمرون يتصرفون وكأنهم مشردون، في حين ان لديهم جوازات سفر هي مثار اعزاز لحامليها. باي الذرائع يمكن اقناع قضاة الامم المتحدة لوضع كامل فلسطين ، اعتباطاً، تحت حكم اسرائيل، او تجزئة أرضها الفقيرة بشكل مأساوي.؟ (ميشال شيحا 16 نيسان 1947 )

ب- وصدر قرار التقسيم: دولة حُبل بها بالإثم وولدت في الخطيئة

  • ما لا يستطيع إنسان أن يقبله هو أن يقتلع أربع ملايين إنسان من أرضهم أن يرموا في المغتربات ليؤتى بأناس آخرين… تقول خرافاتهم أو أساطيرهم بأن الله وعدهم بهذه الأرض، والله ليس لديه أرض فكل الدنيا أرضه… كيف نستطيع أن نقبل دولةً أعني دولة إسرائيل حُبل بها بالإثم وولدت في الخطيئة… (جورج خضر- مقابلة تلفزيونية).
  • “…ان تقسيم فلسطين المرتقب وهو على هذا القدر من القبح، يجد صورته الحقة في حكم سليمان: هذا الطفل الحي الذي أثرت امه الشرعية ان تقدمه للمرأة المغامرة بديل ان تراه يشطر شطرين.. لكن القاضي ليس سليمان بحيث يهتز لنداء احشاء الامومة…..دولتان تكونت ارضهما بما يشبه اللغز، ووضعت القدس وحدها تحت سلطة دولية، وشوّه الجليل، وجرّح وجه المسيحية والاسلام، فأي ذلة جديدة وأي اثم به تستحق فلسطين ان تصاب بهذه النكبة؟ كل هذا ارضاء لهوى عابر لدى اسرائيل ولهوسها بالرجوع الى ارض تركتها منذ عهد “تيطس”؛ ارض لا تتسع لسدس اليهود المشردين في المعمور.. (ميشال شيحا- 5 ايلول 1947)
  •  قضية فلسطين هي القلق المسكوني الذي للشعوب في ميدان الدين والسياسة الدولية. فلسطين ضمير العالم. وقد اشتبكت  تحت سمائها وفوق ارضها أعنف معركة شهدتها الانسانية في تاريخها (…) فوق ارض فلسطين وتحت سمائها كتب المغزى الاكبر للانسانية جمعاء. هذا المغزى يتضح يوماً بعد يوم في المدى الروحي لأنه يتعقد يوماً بعد يوم في المدى السياسي” (كمال يوسف الحاج، قوميات ازاء القومية اللبنانية، ص 57-58.)
  • كل ما حصل حتى الآن، في فلسطين وبصدد فلسطين، ليس سوى بداية. فالاندحار العسكري والفشل السياسي العربيان، وظفر اليهود بالاستيلاء على القسم الاكبر من فلسطين وتشييد دولتهم المحمية التخوم واعتراف الامم بها ودخولها كعضو في الامم المتحدة- كل هذا ليس عملاً تقف عنده مطامع اليهود وينتهي به خطرهم…..( شارل مالك والقضية الفلسطينية- ص38 و39)

ج- تصويب اسس الصراع: الديانة اللاغية للمسيح والقرآن معاً 

  • ان المسيحية التي تبلورت مفاهيمها الرسولية الانطاكية على يد رسول الامم ترفض مقولة الشعب المختار، وتنظر الى الانسانية جمعاء كشعب اللهن والى المسكونة برمتها كأرض الوعد…(الاب يواكيم مباركن المجلة الكهنوتية، ص 61)
  • ان الصراع القائم اليوم تحت سمائنا، لا يدور في الواقع بين اليهود والعرب- كما تدعيه الدبلوماسية الصهيونية- وانما هو دائر بالاصل بين اليهود والمسيح اولاً، فبينهم وبين الاسلام ثانياً. ومن ثم بينهم وبين كل الشعوب الاخرى… انه صراع بين الخير والشر في تاريخ الانسانية… فالقضية تدور كلها على فلسطين. وحنين الصهاينة يتصل بجذور الديانة اليهودية اللاغية للمسيح والقرآن في آن واحد. (كمال يوسف الحاج، حول فلسفة الصهيونية، ص 14- 34)
  • ان نشأة دولة اسرائيل هي ابرز العقبات بوجه التضامن المتوسطي، لان قومية تنشأ  على اساس ديني لا مناص من ان تستنهض الى جانبها قومية مضادة لها على اساس ديني أيضاً، وهي تقوم على تناقض جوهري بين تراثها الروحي وايديولوجيتها السياسية…لان الصهيونية خيانة للتراث اليهودي… (رينيه حبشي Orient,quel est ton Occident  ص 64- 161)
  • هناك أرض مقدسة وعد فيها الله إبراهيم (أرض الميعاد )على أساس إنه يطيع كلمة الله.. ولكن هذا لا يعني التطويب في السجل العقاري….بمجيء المسيح لم يعد هناك أرض مقدسة، هو المقدس هو حضرة الله في الجسد.. الإنسان هو المقدس… (جورج خضر) 
  • سوف نرى يهوداً وحدهم من جانب، ومسيحيين ومسلمين من الجانب الاخر. ان كل فلسفة العالم لا يمكن ان تفعل شيئاً: فمحاولة إقامة دولة يهودية في فلسطين ستفضي الى حرب دينية. وسيضاف الى العديد من المآسي مآس اخرى لاسرائيل وللذين يقاتلونها…وسيُسمع صوت اللعنة الدهرية مجدداً وستحمل نتائجها أبعاد كارثة جديدة.(ميشال شيحا 15 كانون الثاني 1948) 

د- واجبنا كلبنانيين:مجبرون على التسلح للدفاع عن انفسنا

* بما يخصنا نحن اللبنانيين، علينا ان نتذكر بان هذه الدولة تولد على حدودنا واننا بلد صغير، وانه بالنسبة لليهود الذين يضغطون علينا من الجنوب، ولديهم هجرة لا تحصى، يمكن ان نصبح يوماً أرض ميعاد…..( ميشال شيحا11 ايار 1948)

          * القضية الفلسطينية حلت محل العروبة السياسية وغدت هي نفسها العنصر المشترك بين الدول العربية. ان عروبة اي بلد من بلدان الشرق الاوسط صارت تحدد بمقدار ما يكون هذا البلد فلسطينياً او لا فلسطينياً. لبنان اليوم، كسواه، ملزم بالقضية الفلسطينية بل انه دماغها….ها هنا رسولية لبنان… ان يلعب الدور الحضاري الروحي الذي تحتاج اليه الشعوب انطلاقاً من قضية فلسطين”. (كمال يوسف الحاج، قوميات ازاء القومية اللبنانية، ص 55-56) 

  • مهما يكن فاننا نحن اللبنانيين مهما كنا مسالمين وضعفاء، مساحة وعدداً، فاننا مجبرون على التسلح والبقاء في وضع الاحتراس الدائم، لاننا سنجد انفسنا مضطرين للدفاع عن انفسنا.(ميشال شيحا 29 تموز 1950 )
  • لبنان جزأ لا يتجزأ من العالم العربي، لذلك مصيره ليس مستقلاً. ان بسط اليهود سلطانهم على البلاد العربية وأسسوا العصر اليهودي في الشرق الادنى، من الوهم ان يظن اللبنانيون ان هذا السلطان لن يشملهم..على اللبنانيين ان يكونوا رواد النهضة والحركة التحررية الاصلاحية التي يجب ان تنشأ في العالم العربي…(شارل مالك ،ص117)
  • علينا(كلبنانيين) ان نتذكر أكثر بأن فلسطين مجاورة للبنان في الجنوب وان لبنان في هذا الاتجاه كما في غيره من الاتجاهات الاخرى هو بحاجة لكل اراضيه ولآخر سنبلة من قمحه، كما لآخر شجرة من زيتونه. ولكن هذا لا يمنعنا من التفكر بفلسطين وبوتيرة اكثر من الآخرين بداعي جوارنا المباشر وعلى انها ارضنا المقدسة وعلى انها الموضع المختار حيث سلمت مفاتيح الملكوت. (ميشال شيحا 15 حزيران 1944)

ه- واجب العرب:المقاومة حقاً وشرعاً، مسألة حياة او موت

 دام العالم العربي قانعاً بوضعه الحاضر.. ما دام مغلوباً على امره سياسياً وغوغائياً وخيالياً ولغوياً، ما دام لا ينهض فيه سيد قوي محرر يطلب العز والوجود والنور والحياة ويغدقها بسخاء على شعوبه التعسة: فليس من قوة على الاطلاق تقيه الانهيار او تصونه من سيطرة اليهود عليه.(شارل مالك والقضية الفلسطينية ص 47.- 52)

  • لتكن قضية فلسطين مناسبة اكبر للتفاهم بين المسيحية والاسلام في العالم العربي. اذ التضامن بينهما واجب للقضاء على سم الصهيونية. فمن الضلال الاعتقاد ان العالم الاسلامي قادر وحده على فض هذه المشكلة. لذا من الاصلح ان يهادن المسيحية فس دياره ويمد لها يد التعاون. ومن الضلال الاعتقاد ان العالم المسيحي قادر على قهر الشعوب الاسلامية بتركيز الصهيونية في قلب الشرق العربي. لذا من الافضل له ان يتفهم الاسلام ويمد له يد التعاون. (كمال يوسف الحاج، في غرة الحقيقة، ص 48)
  • * ان استيطان اليهود في فلسطين، ليس انتزاعاً لفلسطين من يد اهلها العرب فحسب، بل هو تهديد دائم ومستمر للعالم العربي باسره… واذا كان العالم العربي سيواجه اسرائيل في المستقبل، بعين التفكك واللامبالاة والساسيات المرتجلة والدفاع الفاتر غير الكلي، التي واجهها بها في الماضي…. واذا ظل هذا هو الحال في العالم العربي، فاني اجزم ان مستقبلنا هو استعمار واستعباد من قبل اليهود….( شارل مالك ص 47)
  • بنشوء دولة يهودية على ارض فلسطين… ليست المقاومة العربية ضرورية وحسب، انها لامر حيوي. فهي حقاً وشرعاً، على المدى الطويل وبالنسبة للشرق الادنى الاسيوي وصولاً الى مصر، مسألة حياة او موت… ونحن في هذا انما ندافع قبل كل شيء عن قضية لا تشيخ هي قضية العدالة وحتى عن السلام العالمي المهدد.(ميشال شيحا 18 ايار 1948)
  • ان سلم العرب، سيكون ذلك بالنسبة لهم كمن ادخل نفسه في الظلمة مختاراً، سيكون ذلك انتحاراً. ولذا فاننا نذكّر للمرة المئة ان الصهيونية ليست مجموعة يهود تعساء يبحثون عن ملجأ لهم، وانما هي قوة عالمية متفرعة على كوكبنا بكامله، ولها من المطامح المعلنة او المضمرة ما يتخطى كل شيء….على العرب ان يستفيقوا من شبه الغفوة التي يستسلمون لها، وان يتمالكوا انفسهم أكثر فاكثر وان يناضلوا مستخدمين كل قوتهم وجميع الوسائل المشروعة. عليهم ان يدركوا وان يقتنعوا ان خصمهم يمتلك قوة تكاد تكون غير محدودة إذ هو مدعوم من اهم حكومات الارض.(ميشال شيحا 15تموز )1948
  • في الموقف من المساعدات الاقتصادية الغربية للدول العربية: اني احذر من الوقوع في حبائل هذه المغريات، التي هي حقيقة رشوة للشعوب والحكومات للقبول بالامر الواقع، وفخ لتوطيد اركان الاستعمار اليهودي في العالم العربي( شارل مالك.. ص 49)

(1)  انظر حول موقف بعض المفكرين المسيحيين من قادة روحيين واشخاص زمنيين من القضية الفلسطينية وقرار التقسيم ومن نشوء اسرائيل…. الملحق رقم 1.

(1) انظر نص الاعلان في الملحق رقم 2

(1)  ميشال شيحا، فلسطين، ترجمة نبيل خليفة ، دار النهار ومؤسسة ميشال شيحا، ،بيروت، 2003

(2)  شارل مالك والقضية الفلسطينية، منشورات بدران، بيروت ، 1973

(1) راجع الملحق رقم 1.

(1)  الأب باسيليوس محفوض، الكنيسة الأورشليمية الأرثوذكسية والمسيحيون العرب، موقع مطرانية الروم الارثوذكس على شبكة الانترنت. 

(2)  مقابلة مع المطران عطالله حنا خلال وجوده في بيروت عام 2002

(3) المرجع نفسه.

(4)   قاضي بريطاني عيّنته سُلطات الانتداب البريطاني للتحقيق في الخلاف الذي نشأ بين البطريرك ذميانوس والسنودس وبين العرب واليونان حول هوية الاراضي المقدسة وعروبتها.

(1) مقابلة مع المطران عطالله حنا، اجراها معه موقع اسلام اون لاين خلال وجوده في لبنان، 05/08/2002 

(2) ) كيث وايتلام، اختلاق إسرائيل القديمة، ترجمة سحر الهنيدي، سلسلة عالم المعرفة، العدد 249،الكويت ،1999، ص 15.

(1)   ميشال شيحا ، فلسطين، دار النهار ومؤسسة ميشال شيحا،ترجمة نبيل خليفة،بيروت 2003 ،ص 115

(2)  جورج خضر، معنى القدس، النهار: -الدستور- الملحق، 27 نيسان 1969(حديث القي بعد غداء المجدرة التقليدي في جمعية اصدقاء القدس في بيروت)

(1)  بيان صادر في القدس في 29 ايلول 2006، وقعه كل من: تيوفلوس الثالث، بطريرك القدس للروم الأرثوذكس\ ميشيل صباح، بطريرك القدس للاتين\ توركوم مانوغيان، بطريرك القدس للأرمن الأرثوذكس\ بييرباتيستا بيتسيبالا، حارس الأراضي المقدسة\ الأنبا أبراهام، مطران الأقباط الأرثوذكس في القدس والشرق الأدنى\ سويريوس ملكي مراد، النائب البطريركي للسريان الأرثوذكس في القدس\ أبونا غريما، مطران الأحباش الأرثوذكس في القدس\ بولس صياح، النائب البطريركي العام للموارنة في القدس\ رياح أبو العسل، مطران الكنيسة الإنجيلية الأسقفية العربية في القدس\ منيب يونان، مطران الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في القدس والأردن\بطرس ملكي، النائب البطريركي العام للسريان الكاثوليك في القدس\ جورج بكر، النائب البطريرك العام للروم الملكيين الكاثوليك في القدس\ الأب رافائيل مينسيان، النائب البطريركي العام للأرمن الكاثوليك في القدس 

(1)  مقابلة مع المطران عطالله حنا ، المرجع السابق.

(2)  جورج خضر، المرجع السابق.

(3)  جورج خضر،القدس، تعاونية النور الارثوذكسية للنشر والتوزيع،بيروت، 2003

دراسة 3

“حق العودة” للاجئين الفلسطينيين:

حق قانوني وانساني لشعب، وقومي لأمة

تشكل قضية اللاجئين الفلسطينيين واحدة من أبرز ظواهر اللاجئين في القرن العشرين، بل لعلها الفصل الاكثر مأساوية في قضايا اللاجئين في العالم ، ففيها تختلط العوامل الدينية بالقومية والانسانية بالقانونية والوجودية، مما يحوّلها قضية مزمنة تجاوزت فصولها القضية الفلسطينية لتشكل هاجساً دولياً واقليمياً وقومياً، بقدر ما هو هاجس يطال الشعب الفلسطيني برمته.

سنعالج في هذه الورقة “حق العودة” لللاجئين الفلسطينيين من منظوري القانون الدولي العام والقانون الدولي لحقوق الانسان، لنثبت انه حق جماعي لشعب وليس مجرد حق فردي فحسب، ثم نتحدث عن خطر تحول هذا الحق القانوني والسياسي والانساني الى مجرد حق اقتصادي بالتعويض، فالتعويض يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحق العودة وليس بديلاً عنه. وفي القسم الاخير سنوجز تداعيات التفريط بهذا الحق على القضية الفلسطينية وعلى مصير الامة ككل.  

أولاً- حق كفله القانون الدولي العام:

من الناحية القانونية والسياسية، يرتبط “حق العودة”  للاجئين الفلسطينيين بحقهم في “تقرير المصير”، الذي أصبح- بعد التطورات التي لحقت بالقانون الدولي على أثر نشوء الامم المتحدة وتصفية الاستعمار- حقاً دولياً ذاتي الالزام، يقضي تنفيذه من دون عرقلة ولا ابطاء ولا تردد ولا تجزئة، بل تحول الى أحد القواعد الآمرة في القانون الدولي، بحيث يمكن ابطال أي اتفاق دولي يخالفه او يعرقله.(1) 

وحق تقرير المصير هذا يعني ” حق شعب ما في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظلّه والسيادة التي يريد الانتماء إليها».حق شعب ما في ان يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظله والسيادة التي يريد الانتماء اليها”، وقد اعترفت به الامم المتحدة كـ “حق”right وليس كمجرد مبدأprinciple  أو قرار سياسي. ثم اقرت الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الانسان الاساسية هذا الحق وأوردته في نصوصها، على الشكل التالي:” تملك جميع الشعوب حق تقرير مصيرها، وتملك بمقتضى هذا الحق حرية تقرير مركزها السياسي وحرية تأمين إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي”.

ويعتبر حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم حق ثابت في القانون الدولي بموجب أكثر من نص، فقد اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة أكثر من مئة قرار ونّيف لغاية الآن، اعادت التأكيد فيها على القرار 194، وأقرت بحق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هُجروا منها، ودعمت موقفها بالربط بين الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني “غير القابلة للتصرف”، وبين حق العودة والحق في تقرير المصير. وهذا يفيد ان الامم المتحدة قد ربطت حق الفلسطينيين بالعودة بمصيرهم كشعب له الحق في تقرير مصيره، وليس فقط كأفراد ضمن اطار جمع الشمل فقط، وتبنت في اكثر من قرار التأكيد على “حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة في فلسطين ولا سيما الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي، والحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين”(1).

وكما أوردنا فقد أكد القانون الدولي، حق الفلسطينيين في العودة، من خلال قرارات أممية لا تحصى،  نذكر اهمها:

1- القرار رقم 194:  الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في 11 كانون الأول 1948(2) والذي يعتبر القرار المركزي الذي يكفل للفلسطيين حق العودة، والذي تحيط به مجموعة من المعايير السياسية والقانونية التي تجعله يتضمن أهمية استثنائية، وفق ما يلي:

– اقرار اسرائيل بقبولها تطبيق قرارات الامم المتحدة – ومنها القرار 194- كشرط لقبولها عضواً في المنظمة، وفي هذا الاقرار تأكيد لحق الفلسطيينين في العودة، ووثيقة يمكن للفلسطينيين التمسك بها لمطالبة اسرائيل بتطبيق تعهداتها الدولية.

–  صدور القرار بناء لتقرير رفعه المندوب الاممي “الكونت برنادوت” قبل اغتياله من قبل الاسرائيليين، أكد فيه أحقية الشعب الفلسطيني ” المضطهد” في العودة الى بلاده والتعويض عن الاضرار التي لحقت به.

– بالرغم من صدوره عن الجمعية العامة للامم المتحدة، والتي تصدر قراراتها بصفة التوصيات، لكن يتسم هذا القرار بصفة الالزام وقوة القرارات الملزمة، ذلك لان الاجتهاد الدولي يغلب الزامية القرارات التي: 1) تحظى بنسبة عالية من الاصوات والتي يكون تمثيلها الجغرافي كاملاً.

2) القرارات التي تعود الجمعية العمومية لتؤكد عليها في قرارات اللاحقة…

وهذان الشرطان ينطبقان كلياً على القرار 194.

القرار 237 الصادر في 14 حزيران 1967:

لم يتضمن هذا القرار جديداً وانما جاء ليؤكد على ضرورة التزام اسرائيل قرارات الامم المتحدة، ويؤكد على حق لاجئي العام 1967 – الذين وُصفوا بـ”النازحين”- بالعودة الى ديارهم كـ”مجموعة بشرية” تتمتع بحقوق انسانية واضحة وليس كأفراد يطالبون بجمع الشمل كما يريد الاسرائيليون تسويقه.

 ثانياً: حق كفله القانون الدولي  لحقوق الانسان

بالاستناد الى معايير القانون الدولي لحقوق الانسان، يعتبر حق اللاجئ في العودة الى الديار من حقوق الانسان الاساسية غير القابلة للتصرف، وهي حقوق غير خاضعة للمساومة، ولا التنازل والتي لا تسقط، فهي تربط بينه وبين الارض التي اضطر قسراً الى مغادرتها ولسبب مبرر، على ان يمتلك الحق في العودة الى ارضه فور زوال السبب.

  واذا اخذنا المادة 13 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان(1) وبنود اتفاقية جنيف الرابعة وغيرها من اتفاقيات القانون الدولي الانساني، نلاحظ ان حق اللاجئين الفردي والجماعي بالعودة إلى ديارهم والعيش في وطنهم هو حق طبيعي وأساسي من حقوق الإنسان، ويستمد مشروعيته من حقهم التاريخي في وطنهم، ولا يغيره أي حدث سياسي طارئ، او اي اتفاقية ثنائية، ولا يسقطه أي تقادم. وحقوق اللاجئين هذه في العودة الى “بلدهم” لا تنحصر في دولة “الجنسية” فحسب – كما تدّعي اسرائيل – انما تشمل محل الاقامة العادية ايضاً.

ونلاحظ من تعريف “اللاجئ” في مواثيق القانون الدولي الانساني انه يرتب حقوقاً لهذا اللاجئ في ارضه ووطنه -الذي اضطر ان يغادره قسراً – وليس فقط تجاه “دولته” بالمفهوم القانوني الضيق للكلمة، مما يشير ان الادعاء الاسرائيلي بحق العودة الى اراضي الدولة الفلسطينية دون سواها هو ادعاء ساقط بموجب القانون الدولي العام والقانون الدولي لحقوق الانسان.

ويعد حق اللجوء، بصورة عامة من الحقوق الانسانية التي أكدها الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948. فقد نصت المادة 14 من هذا الاعلان (2) على هذا الحق وكفلته، ثم اقرّت اتفاقية 1951 تعريفاً عالمياً للاجئ (3) لكنها استثنت من احكامها اللاجئين الفلسطينيين، واعتبرت ان نطاقها لا يشمل الاشخاص الذين يتلقون في الوقت نفسه أي نوع من الحماية أو المساعدة من احدى وكالات الامم المتحدة وأجهزتها( الاونروا)، عدا المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.

وقد عرّفت وكالة الاونروا اللاجئ الفلسطيني بأنه “أي شخص كانت فلسطين مكان إقامته الطبيعي خلال المرحلة الممتدة من حزيران 1946 إلى 15 أيار 1948، وفقدَ مسكنه وسبل عيشه نتيجة نزاع سنة 1948، ولجأ في عام 1948 إلى واحد من البلدان التي تقدم فيها الأونروا خدماتها، وأن يكون مسجّلاً في نطاق عملياتها ومحتاجًا”(1).

 ويُلاحظ أن هذا التعريف استثنى الكثير من اللاجئين الفلسطينيين الذين يحق لهم العودة بموجب القانون الدولي والذين ممن هم خارج مسؤولية الأونروا وتعريفها، وهم على الشكل التالي:

– لاجئون فلسطينيون نتيجة حرب 1948 أصبحوا في أماكن لا تقع ضمن دائرة عمليات الأونروا، كما في مصر وشمال أفريقيا والعراق والخليج…

– النازحون الفلسطينيون داخليًّا، الذين بقوا في المساحة التي أصبحت تعرف باسم “إسرائيل” وكانوا أساسًا تحت مسؤولية الأونروا لكنهم استثنوا لاحقًا على افتراض أن على “إسرائيل” ان تعالج وضعهم.

– سكان من غزة والضفة الغربية ( بما في ذلك شرقي القدس) والمتحدّرون منهم الذين نزحوا أول مرة في حرب 1967.

– أفراد رحّلتهم سلطات الاحتلال الإسرائيلية عن الضفة الغربية وغزة بعد عام 1967.

– من أُطلق عليهم صفة “القادمون المتأخرون” أي أولئك الذين غادروا الأراضي المحتلة بغرض الدراسة، أو زيارة أقربائهم، أو العمل أو الزواج…إلخ، وانتهى مفعول إقامتهم التي رخصت السلطات الإسرائيلية بها ومنعتهم لاحقًا من العودة إلى ديارهم.

– فلسطينيون كانوا خارج فلسطين الواقعة آنذاك تحت الانتداب البريطاني حين اندلعت حرب1948، أو كانوا خارج المناطق مع نشوب حرب 1967 ومنعتهم سلطات الاحتلال من العودة.

– فلسطينيون ميسورون لجأوا سنة 1948، لكن كبرياءهم حال دون تسجيل أنفسهم لدى الأونروا(2).

 من هنا، ولان الاستثناءات كبيرة وهائلة وتتضمن أعداداً كبيرة من اللاجئين الفلسطنيين، لا بد من اعادة النظر بـ “تعريف الأونروا” باعتبار أنه لم يعالج  قضية اللاجئ الفلسطيني من وجهة نظر حقوق الإنسان – التي توفر حماية أوسع للاجئين بما فيها العودة الى الديار وعدم الطرد-  إنما تطرق لها من وجهة نظر عملية بحت، أسهمت في التمييز بين لاجئ وآخر دون أي مبرر. لذلك فاننا نقترح اعتماد تعريف موحد للاجئ الفلسطيني “الذي يحق له العودة الى الديار” بناء على قواعد القانون الدولي لحقوق الانسان، على الشكل التالي:

 “كل فلسطيني غادر أرض فلسطين التاريخية بسبب الاحتلال، وكل فلسطيني ولد خارج فلسطين ولا يستطيع العودة إلى دياره بسبب المنع الإسرائيلي، بغض النظر عن تصنيفه القانوني تحت فئة لاجئ أو نازح“.

ثالثاً:  خطر تحول حق العودة الى مجرد حق اقتصادي

خلافاً لما تروّج له إسرائيل وما تذهب اليه بعض الادعاءات الغربية من ان “التعويض” يُعدّ بديلا عن حق العودة، نجد ان مبادئ القانون الدولي العام تكفل للاجئ – سواء اختار العودة إلى دياره أم عدم العودة- حق الحصول على التعويض المناسب، إذ إن التعويض يعتبر عنصراً مكملاً لحق العودة وليس بديلاً عنه بتاتاً،  بل يمكن القول أن التعويض هو حق ملازم لحق العودة الى الديار، يستفيد منه كل لاجئ أو مهجر أو مبعد سواء عاد أم لم يعد إلى دياره.

والجدير بالذكر ان مسألة التعويض التي نص عليها القرار 194 تأتي بعد الحق بالعودة وتستند اليه، ولا يجوز ان يُلحظ التعويض بدون حق العودة الى الديار. وقد ذكر القرار المذكور ان التعويض يجب ان يستند الى مبادئ العدالة والانصاف، وليس من الانصاف ابداً ان يحرم اللاجئ من حق العودة الى ارضه مقابل التعويض المادي، او مقابل التعويض الذي يقررونه عنه، من دون استشارته او علمه حتى، وبمقتضى مؤامرات وصفقات تمرر خلسة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين مقابل بدل مادي. وفي الاساس، لقد بات جلياً ان الشعب الفلسطيني يرفض قبول تعويض عن أرضه وحقه في العودة اليها، لأن هذه الأراضي هي ملك لشعب وإرث للاجيال، وليس من حق فرد او مجموعة أن تقبض ثمن ملك له الطابع الجماعي اي “أرض الوطن”.

وحق التعويض هذا، حق ثابت في القانون الدولي منذ زمن بعيد،  ومبني على مبدأ ثابت  طُبق على اساسه مبدأ التعويض بدون شروط في اكثر من أربعين حالة دولية مماثلة، فالتعويض حق قائم بذاته مبني على مبدأ “إرجاع الشيء إلى أصله”.

وقد تم التأكيد على هذا الحق في القانون الدولي لحقوق الإنسان ، كما أدرج في مؤتمر القانون الدولي الذي نظمته اللجنة الدولية للوضع القانوني للاجئين الذي عقد في القاهرة عام 1992، والذي صدر عنه “إعلان مبادئ القانون الدولي لتعويض اللاجئين”، الذي أكد على “حق مواطني الدولة الذين يطردون من أرضهم بالعودة والتعويض على حد سواء” .

وعلى عكس ما تطالب به إسرائيل فإن حق اللاجئ في مقاضاة إسرائيل ومطالبتها بالتعويض لا يسقط بتوقيع أي اتفاق مع السلطة الفلسطينية، فهو حق مطلق للذي يستحق له هذا التعويض ويمكن ان يطالب به الورثة سواء كانوا افراداً او مؤسسات او دول. اما التعويض المقصود هنا فيتضمن:

1 – التعويض عن الخسائر التي تسبب بها النهب والسلب والتدمير واستغلال العقارات لمدة الاحتلال، وقد أكد على هذا الأمر قرار الأمم المتحدة رقم 52/644 الصادر في 5/11/1998 الذي اشار إلى حق اللاجئين في عائد ممتلكاتهم منذ عام 1948.

2 – التعويض عن الخسارة المادية العامة، وتشمل الطرق والموانئ والمطارات والمحاجر والمياه والزيت والمعادن والثروة السمكية والشواطئ والغابات·.

3 – التعويض عن الخسارة المعنوية الفردية، وتشمل المعاناة النفسية والشتات وانفصال الأسرة والتعذيب وسوء المعاملة والسجن وأعمال السخرة .

4 – التعويض عن الخسارة المعنوية العامة، وتشمل فقدان الهوية والوثائق والسجلات العامة والتطهير العرقي والطرد والمذابح .

5 – التعويض عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وضد السلام، وهذه مستثناة من القرار 194، فهي تخضع لقوانين دولية أخرى ثابتة، ودخلت حيز التطبيق والاقرار الدوليين مع التوقيع على نظام روما الاساسي الذي أنشئت بموجبه المحكمة الجنائية الدولية. (1)

6- حق الدول المجاورة التي استقبلت اللاجئين بالتعويض: (2)

ينص القانون الدولي على حق الدول المجاورة في طلب التعويض من إسرائيل، لانها بسلبها مواطنية اللاجئين وطردهم من أراضيهم، خرقت سيادة تلك الدول بإرغامها على قبول لاجئين غير مواطنين فيها، وأضافت عبئاً جديداً على الدول المجاورة تحملته لأسباب إنسانية وقومية. وهكذا فان القانون الدولي يقر لتلك الدول تعويضاً منفصلاً من إسرائيل، وليس جزءاً من تعويضات اللاجئين ، او تعويضاً مقابل توطين الفلسطيين وابقائهم في اماكن اللجوء كما ترمي اسرائيل وبعض الدول الغربية.

اما قول البعض بان توطين الفلسطينيين وتجنيسهم في مراكز تواجدهم وتعويضهم كبديل عن حق العودة هو مجرد فزاعة، وانه ادعاء لا وجود له، فقد أثبتت المعطيات التاريخية المتوافرة ان “يهودية” الدولة الاسرائيلية ليست مشروعاً جديداً أطلقه جورج بوش في جولته الاخيرة، بل ان الوثائق التاريخية تؤكد ان هناك أكثر من خمسين مشروعاً للتوطين طرحت بشكل صيغ للحل منذ العام 1948 وحتى الآن، وبمشاركة عربية وفلسطينية احياناً، وبأسماء وعناوين مختلفة (1).

والخطر يكمن في هذه المشاريع، ان  “حق العودة”  الذي هو حق تاريخي انساني سياسي وقانوني لشعب برمته، يراد تحويله الى حق اقتصادي فقط، يقوم على التعويض كبديل للعودة، والى مادة تفاوض تحت عنوان «تعويض المتضررين»، أي تحويله الى مجرد حق اقتصادي يستبدل “المقدس” بحفنة من المال.

رابعاً: التداعيات الاستراتيجية لخسارة هذا الحق

1- على القضية الفلسطينية:

– ان التركيز على حق العودة ومحاولات إسقاطه الدائمة يؤكد بما لا يقبل الشك ان موضوع اللاجئين وحقهم في العودة يشكل لبّ الصراع في المنطقة، وهو العقبة الأساس في وجه مشاريع تصفية القضية الفلسطينية:

– ان القبول بالتعويض المادي مقابل حق العودة، والتفريط بهذا الحق سوف يقضي على القضية الفلسطينية برمتها، فالعودة الى تاريخ القضية يفيد ان “النضال من أجل العودة واستعادة الارض” هو الذي شكل الحافز الاول للفلسطينين للمقاومة والدفاع عن أنفسهم، وحماية هويتهم الوطنية، وفي وقت لاحق، كان هذا الحق الدافع الأساسي لاندلاع الثورة الفلسطينية المعاصرة.

– هدر حق العودة يشكل نوعاً من الابادة السياسية الجماعية لشعب من الشعوب وتغييبه عن الخريطة، تمهيداً لانكار حقه في الحصول على دولة. فبعد ان احتلت اسرائيل الارض، تحاول ازالة “الشعب” الذي يشكل نواة الدولة وعنصراً اساسياً من اركانها الثلاث ( ارض وشعب وسلطة).

– إن القبول بتوطين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم، ستثبت المقولة الاسرائيلية التي تأسس على أساسها الكيان وهي: “ارض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وستنسف اي مطالبة مستقبلية بحق الفلسطينين في أي شبر من أرض فلسطين.

– التخلي عن المطالبة بحق العودة سوف يؤكد مقولة “الدولة اليهودية” وسيجعل من المواطنين العرب الموجودين في اراضي اسرائيل، مواطنين درجة ثانية. وقد ذكر شيمون بيريز في كتابه “الشرق الاوسط الجديد” ان “المطالبة بحق العودة اذا قُبلت ستمسح الوجه القومي لاسرائيل، محوّلة الاغلبية الى أقلية. لذلك ليس هناك فرصة لقبولها لا الآن ولا في المستقبل، لانها استراتيجية تدمر كياننا الوطني”.(1)

– انطلاقاً من التجارب السابقة ومن ادراكنا لجوهر العقلية الاسرائيلية، فان حصول اسرائيل من الفلسطينيين على تنازل عن حق العودة مقابل التعويض المادي، سيدفعها الى المطالبة بالمزيد من التنازلات كرسم حدود جديدة، والتنازل عن القدس، والابقاء على المستوطنات الخ…

– يحاول الاسرائيليون من خلال التسويات مع الفلسطينيين إلغاء القرار 194 وجميع القرارات الاخرى التي تكفل للفلسطينيين حقوقهم بموجب القانون الدولي، وهذا ما نستنتجه من كتاب بيريز الذي دعا الى “التحول من استراتيجية الاغاثة الى استراتيجية إعادة التأهيل، وانشاء بنى تحتية ومدن مكان المخيمات… وعندها لا ضرورة لابقاء صفة لاجئ حسب وثائق الامم المتحدة”(2).

–  على الامة ككل:

بالرغم من ان الدول العربية أكدت مراراً عبر اجهزتها الرسمية والشعبية على اهمية حق العودة،  يُلاحظ ان هذه القضية احتوت مقاربتين (عربياً) : مقاربة علنية ومقاربة سرية.

في العلن طالبت الحكومات العربية بعودة اللاجئين وذلك عبر قرارات الجامعة العربية  ووفودها الى الامم المتحدة، لكن بالتوازي مع هذا التركيز الاعلامي العلني :

قامت الدول العربية بالسماح لليهود العرب بالهجرة من بلدانهم العربية الى فلسطين، وقد تم تنفيذ هذا الامر على موجات متلاحقة رفعت عدد اليهود في فلسطين وزودت الاسرائيليين بقوة عمل هائلة وقوة قتال اضافية(1).

– انخرط بعض العرب في المشروعات الدولية والاميركية لحل مشكلة اللاجئين كالاسكان والتوطين واعادة التأهيل والتعويض وغيرها.

– قام بعضهم بمعاهدات صلح منفردة مع اسرائيل، ومباركة الاتفاقيات الاسرائيلية الفلسطينية والتي لم تذكر في اي منها حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم.

وانطلاقاً من عدم توحيد الموقف العربي تجاه القضية، يمكننا ان نقول ان خسارة هذا الحق والتفريط به يمكن ان يؤدي الى النتائح التالي:

–         تحقيق حلم الشرق الاوسط الكبير على حساب تصفية القضية الفلسطينية:

 فالتخلي عن حق العودة مقابل بدل اقتصادي، يفيد بأن السلام على الطريقة الاسرائيلية وتصفية القضية الفلسطينية سيكون أحد الاسس التي ستقوم عليها السياسة الاسرائيلية التي ترمي الى رسم “شرق أوسط جديد” بشرّ به بيريز واستفاقت عليه كوندوليزا رايس خلال العدوان على لبنان. وفي هذا الاطار، نورد ما أدرجه  شيمون بيريز في كتابه، الذي ذكر فيه ان الاسرائيليين قاموا برسم برنامج خاص “للشرق الاوسط الجديد”، يقوم على “التعاون الاقتصادي اولاً ثم يعقبه تفاهم سياسي متواصل الى حين تحقيق الاستقرار…”ويضيف بيريز في كتابه :” وكنتيجة لذلك فقد بدأت الشركات الاوروبية الرئيسية والبنك الدولي في تطوير خطط لتقاسم النشاط التجاري في الشرق الاوسط، كما بدأ البنك الدولي نشاطه حيث تم وضع الاسس اللازمة لانشطة مختلفة.…”(2).

– ان التخلي عن هذا الحق مقابل تعويض، سوف يريح الاسرائيليين ويجعل من المشروع الغربي الذي بدأ يتعثر في الشرق الاوسط،  يستعيد عافيته وينطلق من جديد لتقسيم المنطقة دويلات طائفية متناحرة كما هو مخطط لها.

– بعد الهزيمة التي مُنيت بها في حرب تموز 2006 ، تتجه اسرائيل الى خسارة هيمنتها ووظيفتها ودورها في الشرق الاوسط، فللمرة الأولى تعجز إسرائيل عن توفير البضاعة المطلوبة أميركياً اي شن الحروب بالوكالة…. وهكذا فان تصفية القضية الفلسطينية من خلال التخلي عن حق العودة ، سيساعد اسرائيل في ترميم الهيبة والردع وسيجعل من الدول العربية خاضعة للنفوذ الاسرائيلي وستعود اسرائيل حاجة للدول الغربية بعد قدرتها على تأدية الدور والوظيفة المطلوبة منها.

– تكريس وجود اسرائيل النهائي مع هدر حق العودة، يعني تكريس قاعدة طرد الشعوب من اوطانها واستبدلها بشعوب اخرى ما سيشكل سابقة في العلاقات الدولية قد تخل بالاستقرار العالمي.

– اما في لبنان، فان التخلي عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والقبول بتوطينهم في لبنان سيؤدي الى زعزعة الاستقرار اللبناني، والرزح تحت عبء اقتصادي واجتماعي كبيرين، وقد يؤدي الى إعادة الحرب الاهلية فيه، فجغرافية لبنان وديمغرافيته والتوازنات الطائفية الهشة فيه لا تسمح بهذا الامر، ولنا مت تجارب الماضي عبر مؤلمة.

خاتمة:

لا شك ان حق العودة قد أخذ حيزاً كبيراً من التفكير السياسي والقانوني والانساني للفلسطينيين والعرب على مدى عقود من الزمن منذ بروز القضية الفلسطينية، ولكنه اليوم واكثر من أي وقت مضى،  يبدو حاجة وطنية فلسطينية  وحاجة قومية. فما قيمة هذه الامة حين تقتطع منها دولة ويقتلع شعب من أرضه، ولا تفعل شيئا حيالها بل تساوم عليها وتشارك في التآمر ضدها؟

من أجل بقاء احترام الذات ومن أجل الحفاظ على مصير الامة ككل (وقد بيّنا مخاطر التفريط به)، فان حق الفلسطينيين في العودة اضافة الى كونه مقدساً، يجب ان يتحول الى مطلب قومي، لانه حق للامة العربية بضمان وجودها ومصيرها ومصير شعوبها، وكرامتها قبل اي شيء آخر.

انه حاجة ملحة لتوحيد الصف الفلسطيني حوله، وضرورة قومية تقنع العرب أن زمن الهزائم والتنازلات والتفريط بالحقوق المشروعة قد ولى، وإن ما استطاع اللبنانيون تحقيقه في تموز 2006 قد أعاد الامل للفلسطينيين والعرب جميعاً، بأن عدالة قضيتهم وأحقيتها ستجعلهم يحققون المعجزات، وما كان مستحيلاً في السابق، بات ممكناً اليوم أوغداً.


(1)  د. شفيق المصري، تقرير المصير في تطوره القانوني، مجلة أبحاث، الجامعة الاميركية.

(1)  انظر في هذا المجال نصوص القرارات الدولية الخاصة بفلسطين، ومنها على سبيل المثال القرارات:  2649، 2728، 3236 الخ…

(2)  نصت الفقرة 11 منه، على: “وجوب السماح بالعودة، في أقرب تاريخ عملي، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع التعويض عن أملاك الذين يختارون عدم العودة وعن كل خسارة في الأملاك أو أي ضرر لحق بها، عندما يكون من الواجب، وفقًا لمبادئ القانون الدولي والإنصاف، أن يعوض عنها من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة “.

(1)  المادة 13 : “لكل فرد حرية النقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة.  يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه.”

(2)  المادة 14 تنص: “لكل فرد الحق أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هرباً من الاضطهاد. لا ينتفع بهذا الحق من قدم للمحاكمة في جرائم غير سياسية أو لأعمال تناقض أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.”

(3) تعريف اللاجئ بموجب  اتفاقية 1951 : “كل شخص يوجد بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية خارج بلد جنسيته و لا يستطيع أو لا يريد أن يستظل بحماية ذلك البلد أو كل شخص لا يملك جنسية، ويوجد خارج بلد إقامته المعتادة السابق بنتيجة مثل تلك الأحداث و لا يستطيع أو لا يريد بسبب ذلك الخوف أن يعود إلى ذلك البلد”.

(1)  – انظر موقع الأونروا: http://www.un.org/unrwa/arabic

(2)  – إيليّا زريق: اللاجئون الفلسطينيون والعملية السلمية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت،  ط2، 1998. ص13-14.

(1)  انظر في هذا المجال: مقال للدكتور سلمان ابو ستة، صحيفة الحياة.

(2)  المرجع نفسه.

(1)  انظر: الملف التوثيقي الذي أعدته  وكالة الشرق الجديد بيروت ، لبنان في نيسان 2008- والتحقيق الذي اعدته الكفاح العربي في شباط 2008-  وضمن اجابات الدكتور سلمان ابو ستة على موقع الجزيرة الالكتروني- ومقال نافذ ابو حسنة ” اللاجئون الفلسطينيون ومخاطر اعلان الدولة”، مجلة شؤون الاوسط، المجلد السابع عشر، العدد 92، بيروت ، 2000.

(1)  شيمون بيريز، الشرق الاوسط الجديد، ترجمة محمد عبد الحافظ، الاهلية للنشر والتوزيع، الاردن، 1994، ص 200-215 .

(2)  المرجع نفسه.

(1)  انظر الموسوعة الفلسطينية، الهجرات اليهودية من البلدان العربية الشرقية والمغربية وتأثيرها في الخريطة الديمغرافية في المنطقة، القسم العام، المجلد الرابع، ص 521.

(2)  شمعون بيريز، الشرق الاوسط الجديد، ترجمة محمد علي عبد الحافظ، الاهلية للنشر والتوزيع، الاردن،1994، ص 14-15

 

دراسة 4

محرقة غزة والقانون الدولي الانساني[1] 

الباحثة ليلى نقولا الرحباني

مقدمة:

كان المدنيون منذ القدم ضحايا للاعمال العنفية والارهابية، فالاشخاص العاديون الذين يذهبون الى عملهم بالحافلات، أو يقطنون في مناطق غير مستقرة، كانوا دائماً هدفاً للعنف العشوائي. ويعد اللجوء الى العنف دون تحقق ودون تمييز، منافياً بصورة دائمة لقواعد القانون الدولي الاساسية سواء المنصوص عنها في المعاهدات الدولية التي تحمي الافراد، أو تلك التي تندرج في إطار القانون المحلي، وخاصة في القانون الجنائي. وكذلك ان أي دين أو حضارة او عقيدة تؤمن بقيمة الانسان الانسانية فانها من المفترض ان تَنهي عن أعمال العنف والارهاب هذه. إذ ان اعمال العنف هذه والمجازر المرتكبة بحق المدنيين لا تؤدي الى معاناة انسانية للضحايا فحسب بل غالباً ما تؤدي الى عواقب وخيمة على حياة الامم وعلى مسار التاريخ وتؤذي الضمير الانساني في الصميم.

واليوم سوف تناقش هذه الورقة “المحرقة” الاخيرة التي حصلت في غزة، والجدير بالذكر انها ليست المرة الاولى التي يتعرض فيها الفلسطينيون لـ “جرائم حرب” بل هي اسلوب يتكرر على يد الجيش الاسرائيلي منذ زمن بعيد. لكن الصمت الدولي وازدواجية المعايير بدأت تبدو مريبة بشكل سافر، فهل يمكن أن يتغاضى الضمير العالمي عن جرائم الحرب الاسرائيلية وعن اغتيال الاطفال عمداً بقصد ترويع الفلسطينيين، ومن ثم يكون هناك “ادانة” للعملية الانتقامية التي تمت في القدس في المدرسة التلمودية؟. سنبدأ معالجة الموضوع في هذه الورقة محاولين بداية رؤية مدى قدرة اسرائيل على التملص من الاتفاقيات الانسانية الدولية التي وقعتها، ثم نستند في الفقرة الثانية الى معايير وقواعد القانون الدولي الانساني  للقيام بتحديد قانوني لما قامت به اسرائيل من محرقة وجرائم حرب في غزة ، ثم نتكلم في الفقرة الثالثة حول الرد الفلسطيني على المحرقة من خلال عملية مركاز هراف ودلالاته وعبره.

أولاً: معايير الاتفاقيات الدولية سارية على اسرائيل

كان الهدف من “اتفاقية جنيف الرابعة” الخاصة بحماية المدنيين خلال الحرب، والموقعة في 12 آب عام 1949، أن تكون مكملة للجزأين الثاني والثالث من أنظمة لاهاي التي تم تبنيهما عام 1907، والتي تعتبر الآن ذات “قيمة عرفية”، وذلك بحسب ما قررته المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ وأكدته لاحقاً محكمة العدل الدولية حول شرعية التهديد باستخدام أو استخدام الأسلحة النووية. فبحسب المحكمة، “هناك مبادئ في القانون الدولي العرفي وعدد كبير من القواعد في القانون الإنساني لا يمكن تجاوزها في النزاع المسلح”.[2]  

صادقت إسرائيل على “اتفاقية جنيف الرابعة” بتاريخ 6 تموز 1951، لذا تنطبق هذه الاتفاقية وبنودها على الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد حرب الأيام الستة في عام 1967، بالإضافة إلى ذلك، أقرّت محكمة العدل العليا الإسرائيلية في قرارها الصادر في 30 أيار 2004 رسمياً بانطباق “اتفاقية جنيف الرابعة” على الأراضي الفلسطينية المحتلة. لكن تتذرع إسرائيل إن انسحابها من غزة في أيلول 2005 أعفاها من كامل مسؤوليتها عن أسباب عيش سكان غزة، وعن انطباق معايير “اتفاقية جنيف الرابعة” على القطاع، لكن المؤسسات الدولية أكدت مراراًً سريان اتفاقية جنيف الرابعة على قطاع غزة والضفة الغربية؛ وان مسؤوليات قانونية تترتب على إسرائيل بصفتها قوة احتلال2.

وبموجب أحكام هذه الاتفاقية، تكون إسرائيل ملزمةً، من جملة أمورٍ أخرى، بكفالة الحد الأدنى من السلامة وأسباب العيش للمدنيين في الأراضي المحتلة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية ان على اعضاء الأمم المتحدة الاطراف في معاهدات حقوق الانسان احترامها، كما ذكرت لجان الامم المتحدة أن تطبيق القانون الدولي الإنساني في أوضاع النزاعات المسلحة لا يمكن أن يستثني تطبيق المعاهدات الدولية  المتعلقة بحقوق الإنسان3. بل يجب على الدول الأطراف احترام تلك المعاهدات في كافة المناطق التي تخضع لنفوذها القضائي، حتى إذا كانت تلك المناطق تقع خارج نطاق إقليمها الوطني4.

وعلاوةً على اتفاقية جنيف الرابعة، يسري القانون الإنساني الدولي العرفي على مجريات الأعمال العسكرية بين إسرائيل والجماعات المسلحة غير الحكومية في غزة. وتقوم القواعد العرفية في القانون الدولي على ما استقر من ممارسات الدول، وهي مُلزِمةٌ لجميع أطراف النزاع المسلح سواء كانوا أطرافاً يمثلون دولةً أو كانوا جماعات مسلحة غير حكومية. ومحتوى القانون الإنساني الدولي العرفي مصنف في البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف عام 1977 (البروتوكول الأول) وأنظمة لاهاي لعام 1907 وتعتبر أحكام كلتا الاتفاقيتين معبرة عن القانون العرفي.

هكذا اذاً ، في ما لو كانت اسرائيل فعلاً دولة ديمقراطية تحترم القانون كما يبرزها الغرب دائماً، فعليها ان تلزم سلطتها وجيشها بقرارات محاكمها، وعليها احترام تعهداتها الدولية وعليها الالتزام بمعايير القانون الدولي انطلاقاً من احترام تعهداتها الدولية التي ينطوي عليها توقيعها للمعاهدات والمواثيق الدولية.

 واذا انطلقنا من المصادقة على الاتفاقيات ومن قرارات وتقارير المنظمات الدولية، وقرار المحكمة العليا الاسرائيلية فيمكن تأكيد ان اسرائيل في “المحرقة” الاخيرة وما قبلها من انتهاكات وجرائم تعتبر مدانة بموجب القانون الدولي، وان معايير هذه الاتفاقيات ما زالت سارية على اسرائيل بالرغم من انسحابها من قطاع غزة، هذا بالاضافة الى ان الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية حول النتائج القانونية المترتبة على بناء جدار الفصل الذي أقامته اسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة يأتي كتأكيد إضافي لهذه الحقيقة.5

هناك العديد من المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان أيضاً والتي نستطيع ان ندرجها من أجل القول بأن ما تقوم به الادارة الاميركية وما يردده الغرب وراءها كالببغاء من أن اسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط وانها تحترم حقوق الانسان هو مغالطات ودجل اعلامي وسياسي فاضح، وفيما يلي لمحة موجزة عن الاتفاقيات الدولية والمواثيق الدولية التي وقعتها اسرائيل وتخرقها يومياً مئات المرات، ولا من يحاسب ولا من يندد:

–  البرتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف المؤرخ في 8 نيسان 1977 والذي يوضح بنود الاتفاقيات المتعلقة بـ “حماية ضحايا النزاعات المسلحة” من خلال تجديد التأكيد على أن بنود الاتفاقيات والبروتوكول يجب “أن تطبّق بشكل كامل في كافة الظروف وعلى كافة الأشخاص المحميين ، ودون أي تمييز مجحف يقوم على طبيعة النزاع المسلح أو على منشأه أو يستند إلي القضايا التي تناصرها أطراف النزاع أو التي تعزي إليها”.6 وقد صادقت إسرائيل على هذا البروتوكول، ومع ذلك، فإن بنوده لا تطبق، بل ان الاسرائيليين والاميركيين والمجتمع الدولي نادراً ما يساوون بين المدنيين العرب والمدنيين الاسرائيليين.

– بتاريخ 3 تشرين الاول 1991، صادقت إسرائيل على “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” وعلى “العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، اللذين فتحت الجمعية العامة للأمم المتحدة الباب للتوقيع والمصادقة عليهما في 16 كانون الاول 1966.

          – إسرائيل طرف في “الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري” المؤرخة في 12 كانون الأول 1965.

          – اسرائيل طرف في “اتفاقية القضاء على التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة” المؤرخة في 10 كانون الأول 1984.

-اسرائيل عضو في “اتفاقية حقوق الطفل” المؤرخة في 20 تشرين الثاني 1989.

ولقد ذكرت محكمة العدل الدولية بشكل محدد أن على اسرائيل ان تحترم مبادئ “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”، و”العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، و”اتفاقية حقوق الطفل” في الأراضي الفلسطينية التي تحتلها، كما ذكرت لجنة الامم المتحدة من اجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بوضوح أن التزامات إسرائيل بموجب “العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” تشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا يعني ان الحصار الذي تفرضه اسرائيل على قطاع غزة ليس مخالفاً لابسط قواعد حقوق الانسان فحسب وانما يخالف ما وقعت عليه اسرائيل من تعهدات في الاتفاقيات والمواثيق الدولية.

وفي النطاق القضائي الاسرائيلي المحلي، اتّخذت محكمة العدل العليا في اسرائيل قراراً بتاريخ 30 أيار 2004 ، ألزمت فيه القوات الإسرائيلية التي تحتل الأراضي الفلسطينية باحترام اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 (على الرغم من أن إسرائيل لم تصادق عليها) واتفاقية جنيف الرابعة التي صادقت عليها إسرائيل بتاريخ 6 تموز 1951. كما أقرّت المحكمة بالالتزام الملقى على عاتق السلطات العسكرية بمنع انتهاكات حقوق المدنيين كما نصت عليه هاتان الاتفاقيتان.

ثانياً: عملية “الشتاء الساخن”: جرائم حرب موصوفة

 خلال عملية “الشتاء الساخن” او المحرقة الاخيرة التي قامت بها اسرائيل في غزة، ارتكب الجيش الإسرائيلي أفعالاً تشكّل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وكان من المفترض بالامم المتحدة ان تدين اسرائيل على انتهاكها لجميع مبادئ القانون الدولي. واذ تشكّل بعض الأفعال التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي خلال عملية “الشتاء الساخن” مخالفات جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة، نبرز فيما يلي اهمها لأن تعداد المخالفات والانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الانسان وللقانون الدولي الانساني تستلزم مجلدات والالاف من الصفحات:

 -أ- :   وفقاً للمادة 147 من الاتفاقية، تتضمن المخالفات الجسيمة للاتفاقية أفعالاً معينة إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية، مثل: القتل العمد، وتعمد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة، وتدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية.

وتعتبر أنظمة القضاء الجنائي الدولي – خاصة المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية – أن هذه المخالفات الجسيمة قد تصل إلى حد وصفها بـ “جرائم حرب”، ففي ما يتعلق بالمسؤولية الفردية، إن الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي، بما فيها الهجمات العشوائية المتعمدة غير المتناسبة التي تضر بالمدنيين، تكون “جرائم حرب” عندما يتم ارتكابها مع توفر القصد الجنائي. و يمكن أيضاً اعتبار الأشخاص مسؤولين جنائياً لـ “محاولة” ارتكاب جرائم الحرب، إضافةً إلى “تسهيل ارتكابها أو المساعدة عليه أو تقديم العون له”، أو قد تقع المسؤولية أيضاً على الأشخاص الذين “يخططون أو يسهلون ارتكاب جرائم الحرب”، أو “يحرضون على ارتكابها.1

مارس الجيش الاسرائيلي في غزة جميع الجرائم التي يمكن أن توصف بـ “جرائم الحرب”، فقد تعرّض السكان المدنيون في غزة لإطلاق النار من الجيش الإسرائيلي خلال عملية “الشتاء الساخن”، حيث أطلق الجنود النار على الأطفال والبالغين العزل، كما مارست الطائرات المروحية القنص والقصف على المدنيين بطريقة متعمدة وهو ما أسفر عن مقتلهم أو إصابتهم بجروح بالغة. 

ب- : الحق في الحياة والسلامة البدنية وهو حق أساسي تكفله المادة الثالثة من اتفاقيات جنيف المؤرخة في 12آب 1949.  ويقوم القانون الدولي الإنساني على أساس التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وهذا المبدأ منصوص عنه في المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول، والتي تنص على ما يلي:

–        “العمليات يمكن أن توجه فقط ضد الأهداف العسكرية، ويجب أن يتمتع السكان المدنيون والأشخاص المدنيون بحماية عامة، وبالتالي لا يجوز أن يكون السكان المدنيون بوصفهم هذا، وكذلك الأشخاص المدنيون محلا للهجوم. وتحظر أعمال العنف أو التهديد به”.7

–         “تحظر الهجمات العشوائية” وقصف منطقة بأكملها يعد شكل من أشكال الهجمات العشوائية المحظورة. فكل هجوم، سواء عن طريق القصف الجوي أو غيره من الوسائل، يعامل عدداً من الأهداف العسكرية المنفصلة المتمايزة على نحو واضح والموجودة داخل مدينة أو بلدة أو قرية، أو غير ذلك من الأماكن التي تضم تركزاً مماثلاً للمدنيين، بصفتها هدفاً عسكرياً واحداً، يعتبر هجوماً عشوائياً محظوراً.8

–        كما “تحظر هجمات الردع ضد السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين. وتُحظر أيضاً الهجمات التي تنتهك مبدأ التناسب، وهي هجمات ” يُتوقع منها أن تسبب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابةً بهم أو أضراراً بالأعيان المدنية”9

لقد انتهكت القوات الإسرائيلية هذه المعايير الأساسية بصورة منظمة ومتعمدة وبشكل متكرر خلال العمليات في غزة، كما ان المشاهد التي أوردتها وسائل الاعلام العالمية ومناظر الاطفال الشهداء، تفيد بما لا يقبل الشك ان المجازر والفظائع التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي لم يكن لها أي مبرر عسكري، بل كان الدافع الوحيد لها هو ترويع السكان المدنيين وارتكاب أعمال اجرامية. بالإضافة إلى ذلك، كانت الاعتداءات على السكان عشوائية، دون تمييز بين المدنيين والمقاتلين.   

كما تظهر المعلومات الصحفية وافادات شهود العيان بأن الإسرائيليين أطلقوا النار بشكل مباشر ومتعمد على المدنيين، بمن فيهم الأطفال، حتى عندما لم يكونوا بالقرب من أي هدف عسكري على الإطلاق، كما استهدفت الاعتداءات المدنيين أو أناساً بالغين لم يشاركوا في أية أعمال عسكرية مطلقاً.

ج- : في اعلان غزة كياناً معادياً

ان القرار الاسرائيلي القاضي باعلان غزه كياناً معادياً  يشكل مخالفة صريحة لمبادئ القانون الدولي والقانون الانساني الذي يعتبر قطاع غزة والضفة الغربية ككل لا يتجزأ اقليما محتلاً ما زال يخضع للسيطرة الامنية الاسرائيلية، كما ذكرنا سابقاً.

كذلك ان التوصيف القانوني وطبقاً للمعايير الدولية واستناداً لقرارات الامم المتحدة، فان اسرائيل دولة محتلة وانها تبقى بصفتها هذه لحين انسحابها التام والشامل من كافة الاراضي المحتلة. وعليه، فان محاولات اسرائيل التنصل من مسؤولياتها باعتبار قطاع غزة كياناً معادياً، بحيث تبرر حكومة الاحتلال اجراءاتها وتصرفاتها العقابية من ناحية الحصار المحكم، والتحكم بالمعابر، وحصر المواطنين الفلسطينيين داخل أمكنة اقامتهم، ومنعهم من الدخول والخروج، وقطع المياه والكهرباء والمواد التموينية والمواد الخام المتعلقة بالصناعة الخ… ما يعد تعدٍ صريح على كل الاتفاقات والمبادئ القانونية ما كان يفترض بالامم المتحدة التحرك من أجل منع العقاب الجماعي الذي تفرضه اسرائيل على المواطنين في غزة.

 ثالثاً: عملية مركاز هراف: حين تُفقد الثقة بالقانون الدولي

خلال المحرقة التي قام بها الاحتلال في غزة،  انتظر الفلسطينيون وهم يلملمون أشلاء أطفالهم،  موقفا عربياً قوياً في القاهرة، لكنه لم يبصرالنور، انتظروا مجرد «ادانة» من مجلس الامن الدولي لكنها لم تأتِ.

وعندما يفقد الانسان الامل بالقانون والقاضي والحكم، فلا سبيل له الا الدفاع عن النفس والقيام بعمليات “انتقامية”، علّها تردع المعتدي وتجعله يحسب حساب الخسارة والوجع والالم مقابل الدماء والالم والابادات التي يقوم بها في فلسطين المحتلة.

وهكذا، وانتقاماً لأطفال غزة الشهداء، وانتقاماً للشهيد عماد مغنية، وفي اللحظة التي تعيش فيها اسرائيل حالة استنفار قلّ نظيره، ضرب الفلسطينيون عمق الامن الاسرائيلي، ونجح مقاوم في اختراق كل الاجراءات الامنية، والاحترازات العسكرية، وضرب ضربة «الثأر» الذي انتظره الفلسطينيون طويلاً، وجاء موجعاً. ففي قلب القدس المحتلة، وجهت المقاومة الفلسطينية ضربتها الاقوى منذ سنوات الى مدرسة تلمودية، فقتلت ثمانية من طلابها وجرحت نحو 35 .

ولسخرية القدر، ومهزلة القانون الدولي او ما يسمى بـ “المجتمع الدولي”، لم تكد تمضي ساعات معدودة على عملية القدس، حتى قرر مجلس الامن الدولي الانعقاد “لإدانة الجريمة”. هذا المجتمع الدولي الذي لم يحرك ساكناً حين كانت غزة تتعرض لمحرقة بكل ما للكلمة من معنى، لكنه قرر التحرك فوراً بعد عملية القدس، وادانت السيدة رايس العملية واعتبرت ان مظاهر الابتهاج التي عمت غزة “مثيرة للاشمئزاز”.

لكن عملية القدس هذه لا يمكن اعتبارها مجرد عملية انتقامية قام بها فلسطيني “حانق” بل ان لها دلالات كثيرة:

أ‌-       من ناحية المكان أو الحيز الجغرافي:

–  تمت العملية في القدس المحتلة وبواسطة مواطن مقدسي يقطن في قرية جبل المكبرة في منطقة القدس. وهذا يفيد بما لا يقبل الشك، ان عرب القدس “مسلمين ومسيحيين” لن يقبلوا بالسكوت على اعلان القدس عاصمة اسرائيل، ولن يرضوا بتهويد القدس وانكار صفتها المقدسية المسيحية والاسلامية. واذا كانت القضية تصور فقط وكأنها قضية عربية اسلامية، الا ان احداً لا يمكن له التغاضي او تجاهل تزايد الصراع في القدس والناصرة على الأماكن المقدّسة المسيحيَّة، منذ مرحلة ما بعد حرب حزيران عام 1967، من اعتقال المطران “إلاريون كبّوجي” الى اليوم.

 ويبدو ان محاولات تهجير المسيحيّين من فلسطين بشكل عام، والقدس بشكل خاص، وشراء الاماكن المقدسة من جبل الزيتون وغيرها من الاراضي التابعة للاوقاف المسيحية من اجل تهويدها لا تقل خطورة عن محاولات “تدمير المسجد الأقصى”.

–        اما من حيث الموقع اي “المدرسة الدينية” المسماة «مركاز هراف»،  فله دلالات أبلغ، اذ ان هذه هي المدرسة الدينية الأولى التي ربطت بين الديانة اليهودية والصهيونية حين كانت المدارس الدينية اليهودية المعروفة تعادي الصهيونية. ويُنظر إلى هذه المدرسة بوصفها أم «المدارس الدينية الصهيونية» لأن معظم مؤسسي المدارس الصهيونية الدينية الأخرى تعلموا فيها.
وكان مؤسسها الحاخام أبراهام كوك قد عمل حاخاماً أكبر لفلسطين في عهد الانتداب البريطاني. وقد بدأ في التأسيس لهذه المدرسة منذ العام 1921 بجمع النواة الأولى من الطلاب الذين سيتحولون لاحقاً إلى مدرسة «مركاز هراف» والتي اعتبرت مدرسة عالمية للصهيونية الدينية. وليس هناك في إسرائيل من يشك بالأثر الكبير للحاخام كوك الابن (مدير المدرسة بعد ابيه المؤسس) وتلاميذه في تغيير الواقع الاستيطاني في الضفة الغربية، خصوصاً بعد صعود الليكود في العام 1977 للحكم في إسرائيل.

وقد خرّجت المدرسة الدينية هذه وترأسها أبرز رموز التطرف الديني والاستيطاني في إسرائيل، مثل الحاخام أبراهام شابيرا. كما خرّجت عدداً كبيراً مما يسمى قادة المستوطنات وايضاً عدد كبير من قادة الجيش الاسرائيلي. وعززت هذه المدرسة الإيمان بفكرة أرض “إسرائيل الكاملة” ووجوب تحويل إسرائيل إلى دولة دينية. ونجح متخرجو هذه المدرسة في إقامة الكثير من المدارس الأشد تطرفاً في عنصريتها في المستوطنات كالحاخام حاييم دروكمان ودوف ليئور وزلمان ميلاميد.

ب- من حيث الزمان :

–        العملية  جاءت في نفس اليوم الذي قام فيه “كبار الحاخامات اليهودية” بفتوى جازت قتل المدنيين من الاطفال والنساء والشيوخ من اهالي قطاع غزّة.

–        جاءت العملية في توقيت سيء للحكومة الاسرائيلية وأجهزتها الامنية:

يلومها المجتمع الاسرائيلي على فشلها المتكرر:

  • الفشل الاول في حربها في تموز عام 2006 ضد لبنان واعلان الهزيمة رسمياً من قبل لجنة فينوغراد .
  •  والفشل الثاني هو استخدام الاجهزة الامنية والجيش الاسرائيلي والمستويين السياسي والعسكري وكافة الطرق والاساليب الحربية لوقف صواريخ المقاومة الفلسطينية. وبالرغم من التقنية العالية والحرب والمجازر التي ارتكبت ضد الفلسطينيين فشلت الاجهزة الامنية والجيش الاسرائيلي وأيضاً المستوى السياسي بوقف صواريخ حماس المحلية الصنع.
  • اعلان اقصى درجات الجهوزية الامنية والاستخبارية بعد عملية اغتيال القائد عماد مغنية واعلان حزب الله في لبنان استعداده لمواجهة اسرائيل والانتقام.

خاتمة:

بعد ستين سنة ونيف على تأسيسها، لا يبدو ان الامم المتحدة – ومجلس الامن بالتحديد- ما زالت قادرة على تأمين ما قامت لأجله من اهداف ومبادئ سامية. فالهدف الرئيس الذي قامت من أجله الامم المتحدة هو حل النزاعات بين دول متساوية في السيادة بالطرق السلمية، وعدم تكرار مآسي الحروب التي ادت الى حرب عالمية ضروس.

 لكن العنف والارهاب والاحتلالات أمست أموراً ملازمة للواقع الدولي، وكيف يمكن لنا ان ننسى ان الامم المتحدة هذه، التي من المفترض بها ان تمنع احتلال دولة من قبل دولة اخرى، وان تدعو الى نبذ الحرب واعتبارها وسيلة محظورة في العلاقات الدولية ، هذه المنظمة العالمية شرّعت الاحتلال الاميركي للعراق ومنحته الصفة الشرعية بقرار أممي؟.

كيف يمكن لمنظمة قامت على اسس المساواة والسيادة، ان تغض النظر عن قتل المدنيين والاطفال الفلسطينين واللبنانيين، وان “تدين” فقط قتل المدنيين الاسرائيليين؟.

الحقيقة ان ابلغ تعبير عن العنصرية التي تمارس من قبل المجتمع الدولي، ومن قبل الغرب بالتحديد، قول جون بولتون ابان حرب لبنان2006: “لا يمكن المقارنة اخلاقياً بين المدنيين الذين يموتون في لبنان والذين يموتون في اسرائيل”، وقول رايس في العام 2008 ان الفرح الذي عمّ المناطق الفلسطينية بعد عملية  “مركاز هراف” في القدس هو مثير للاشمئزاز…

 والاسئلة البديهية التي يجب ان تطرح في هذا السياق: الا يثير الاشمئزاز منظر الاولاد الاسرائيليين يوقعون على الصواريخ التي تستخدم لقتل الاطفال في لبنان؟ اليس مثيراً للاشمئزاز منظر الفرح والابتهاج الذي عم الكنيست الاسرائيلي بعد اغتيال مغنية؟ أليس مثيراً للاشمئزاز التوعد العلني بالقتل الذي يطلقه الاسرائيليون بمناسبة وبدون مناسبة؟ اليست مثيرة للاشمئزاز”المحرقة” التي تمت في غزة؟

بعد معاناة انسانية وعذاب مرير ونضالات شعوب تاريخية، قامت أسس ومبادئ القانون الدولي لمنع تجدد المآسي الانسانية ولعدم تكرار الجرائم التي حصلت خلال تاريخ الشعوب والحروب المؤلمة. ولكن، بعد هذه السنوات الطوال، لا المساواة بين الدول تحققت، ولا مآسي الشعوب انتهت، بل على العكس ان انتهاء الحرب الباردة الذي جلب الامل بقيام نظام عالمي جديد تسوده مبادئ القانون الدولي من حرية وعدالة ومساواة وكرامة انسانية، نظام تكون فيه قيم الحريات وحقوق الانسان بنفس المعنى للجميع.. هذه الامال جميعها سرعان ما بددتها السياسات الاستعمارية، وسياسات الهيمنة وازدواجية المعايير التي استخدمتها الولايات المتحدة الاميركية وفرضتها على الامم المتحدة، ولقد ظهر ان الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، ليست سوى شعارات فارغة المضمون يتم استخدامها بنفس الهدف التي استخدمها من أجله الاوروبيون في القرن التاسع عشر:”الاستعمار ونهب ثروات العالم الثالث”.

——————————————————————-


[1] نُشرت هذه الدراسة في مجلة محاور استراتيجية، عدد آذار 2008

[2] انظر في هذا المجال: قرار المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ الصادر في 30 أيلول و1 ت1 1947، ص 65، والرأي الاستشاري  لمحكمة العدل الدولية  المؤرخ في 8  تموز 1996 – ي، ص 256، الفقرة 75 ، وأيضاُ في رأيها الاستشاري المؤرخ في 8 تموز 2004 حول النتائج القانونية لبناء جدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقرة89. 

 2انظر “إسرائيل: ’فك الارتباط لا ينهي احتلال غزة”، بيان صحفي عن هيومن رايتس ووتش: http://hrw.org/english/docs/2004/10/29/isrlpa9577.htm 

3 راجع الرأي الاستشاري المؤرخ في 8 تموز 1996 حول إجازة التهديد باستخدام أو استخدام الأسلحة النووية المذكور أعلاه، ص240، فقرة 73.

4  راجع الرأي الاستشاري الصادر في 8 تموز 2004 حول العواقب القانونية المترتبة على بناء جدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الفقرات 107-113 وايضاً : راجع ، CESCR، F/C12/1Add27، فقرة 32، وF/C.12/1/Add. 90،  الفقرتين 15 و31.  وقد تبنت لجنة حقوق الإنسان المسئولة عن ضمان احترام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الموقف نفسه دائماً، CCPR/CO/78/ISR، فقرة 11. 

5 راجع الفقرة 89 والفقرات اللاحقة في الرأي الاستشاري الصادر في 9 تموز 2004. 

6 انظر في هذا المجال نص البرتوكول الإضافي الملحق باتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 آب 2004.

1 انظر في هذا المجال : http://www.hrw.org

7 البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 آب 1949، المادة 51، الفقرة 2.

8 البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 آب  1949، المادة 51، الفقرة 4.

9 البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 آب 1949، المادة 51، الفقرة 6.

 

 

دراسة 5 – شباط 2008

فينوغراد يؤكد: نهاية اسرائيل كقوة مهيمنة[1]

الباحثة ليلى نقولا الرحباني

مقدمة

بعد الاطلاع على تقريري فينوغراد المرحلي والنهائي، وعلى ما نشره الاعلام الاسرائيلي من تعليقات وتصريحات للمسؤولين الاسرائيليين، يمكننا القول ان حرب تموز 2006 أو ما أسمته اسرائيل “حرب لبنان الثانية”، كانت حرباً محضراً لها، وأن جيش الدفاع الاسرائيلي كان قد أعدّ نفسه لهذه الحرب وأجرى التدريبات اللازمة عليها لمدة ست سنوات (على حد قول وزير الدفاع السابق شاؤول موفاز) أي منذ العام 2000 الذي شهد حدثين كبيرين كان لهما تأثير كبير على صناع القرار الاسرائيليين وعلى توجهات السياسة الامنية والدفاعية الاسرائيلية وهما:

–       الانسحاب من جنوب لبنان تحت ذريعة تطبيق القرار 425.

–        تعثر عملية التسوية مع الفلسطينيين بعد فشل مؤتمر كامب ديفيد الثاني الذي دعا إليه الرئيس الأميركي بيل كلينتون وجمع فيه إيهود باراك مع ياسر عرفات.

وفي تحليلنا اليوم لهذه الحرب وتداعياتها انطلاقاً من تقرير فينوغراد، لا يسعنا سوى ان نسلّط الضوء على المشهدين السياسي والاستراتيجي اللذان سبقا الحرب وأديا الى نشوبها، ثم نقوم بالاستناد الى العلم العسكري الذي يسمح بتصنيف لحرب لبنان الثانية كنوع من الحروب غير النمطية او ما يطلق عليه “الحروب اللامتماثلة”، واخيراً نستند الى تقرير فينوغراد واعلانه “فشل اسرائيل في حربها على لبنان” لنستخلص منه نتائج هذه الهزيمة على مستقبل اسرائيل ووجودها كقوة اقليمية كبرى ودورها ووظيفتها في الشرق الاوسط كمنطلق لحروب اميركية بالوكالة، وكموقع متقدم للسياسة الاميركية ومشاريعها التقسيمية في المنطقة. 

أولاً: المشهد السياسي والاستراتيجي قبل الحرب: 

لم تهضم اسرائيل هزيمتها وانسحابها بطريقة مذلّة من جنوب لبنان عام 2000، ولم تستطع تجاوز نتائج هذا الانسحاب على المجتمع الاسرائيلي، وعلى صورة التفوق والهيمنة الاسرائيلية، لذا بدأت منذ أيار 2000 تعد العدة للانتقام ولاستعادة الهيبة والتفوق. لكن التفجير الارهابي الذي حصل في 11 أيلول 2001 والذي ضرب برجي التجارة العالمية، وما تبعه من اعلان “حرب عالمية على الارهاب” شغل العالم، وخاصة بعدما ذهب الاميركيون الى “الارهابيين” لتأديبهم والانتقام منهم ومحاولة استئصال “الشر” كما سوّق الرئيس جورج بوش بعبارات وخطابات لا تخلو من المفردات الدينية.  وهكذا شنت الولايات المتحدة حرباً على افغانستان بذريعة استئصال تنظيم القاعدة وطالبان، وقامت باحتلال العراق بحجة امتلاكه اسلحة الدمار الشامل التي تبين فيما بعد انها “ملفقة” ومختلقة.

وقد أدى الحضور الأميركي المباشر والمكثف في منطقة الشرق الاوسط، الى تبدل في موازين القوى، فقد أريد الاستفادة من منابع النفط، وتقوية اسرائيل كقوة اقليمية كبرى في المنطقة مقابل اضعاف الدول الاخرى، هذا بالاضافة الى محاولة اخضاع الانظمة المعادية للاميركيين كسوريا وايران، والضغط على النظم الحليفة من أجل تغيير النظم التعليمية والثقافية بحجة فرض الديمقراطية واجتثاث الثقافة المولدة للارهاب حتى لو تطلب ذلك إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية والمجتمعية في المنطقة. 

وفي هذا الاطار يذكر بريجنسكي في كتابه “الاختيار” ان:” لاميركا مصالح استراتيجية واقتصادية مهمة في الشرق الاوسط تمليها وارداتها الضخمة من موارد الطاقة، ولا يقتصر الامر على استفادة اميركا من الاسعار المتدنية نسبياً للنفط في الشرق الاوسط، بل ان الدور الامني الاميركي في المنطقة يكسبها نفوذاً غير مباشر لكنه مهم من الناحية السياسية في الاقتصاديات الاوروبية والآسيوية التي تعتمد أيضاً على الصادرات النفطية للمنطقة”(1)

وضمن هذه الخطة المعدة للشرق الاوسط كانت منظمات مثل حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين يعتبران من مصادر التهديد الاساسية للمصالح الاميركية والاسرائيلية في المنطقة، وبالتالي يجب استئصالها من ضمن “الحرب العالمية على الارهاب”، فصدر القرار الدولي 1559 الذي نص من ضمن بنوده على انسحاب السوريين من لبنان وعلى نزع سلاح الميليشيات اللبنانية.

نفذ السوريون البند المتعلق بهم من القرار وانسحبوا من لبنان، الا ان البند المتعلق بنزع سلاح الميليشيات بقي موضع خلاف داخلي، تفاقم بعد انفراط عقد التحالف الرباعي الذي أنتج حكومة لبنانية تمثل فيها حزب الله. وحاولت بعض القوى السياسية اللبنانية ايجاد حل لموضوع السلاح، فأقيمت وثيقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله ساهمت في وضع إطار سياسي داخلي بات من المستحيل بعده تنفيذ القرار المذكور ونزع سلاح حزب الله إلا في إطار تفاهم وطني لبناني، ومن ضمن استراتيجية دفاعية شاملة تحمي لبنان وأهله من الاعتداءات الاسرائيلية.

وعلى هذا الأساس بدأت المشاورات الأميركية- الإسرائيلية السرية بالتنسيق مع بعض الاطراف اللبنانية للتخطيط لعمل عسكري ينزع سلاح حزب الله، ويقضي عليه كبنية سياسية وعسكرية مقاومة، ويقضي بالتالي على أي مجابهة للمشروع الاميركي  في لبنان. وهذا ما كشف عنه تقرير «سايمور هيرش» المنشور في صحيفة «نيويوركر» وتقرير «واين ماديسون» الذي نشر في الصحيفة نفسها عن اللقاء الذي جمع كلاً من نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ورئيس وزراء إسرائيل الحالي إيهود أولمرت، إضافة إلى ثلاثة وزراء إسرائيليين سابقين هم  نتنياهو وباراك وبيريس، وبحضور النائب ناتان شيرانسكي، تمّ  فيه وضع اللمسات الأخيرة لعدوان تموز الذي كان يرمي إلى تدمير حزب الله بصورة نهائية.(1)

وهذا ما أكده أيضاً قائد المنطقة الشمالية خلال حرب تموز الجنرال احتياط  ايال بن رؤوبين الذي صرح:” أما وأن كل شيء قد بات واضحاً، فلا بد من إيقاف كل محاولات التذاكي وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية…. الجيش الإسرائيلي كان قد أعد خطة حربية، وكان ينتظر الفرصة المؤاتية، وأنه أجرى تدريبات مختلفة ومطولة على حرب محتملة ضد لبنان..”  ويضيف:”إذاً أنا أؤكد الآن أنه كانت هناك خطط معدة للحرب منذ فترة طويلة نسبياً قبلها، وإحدى تلك الخطط سُميت باسم مياه الاعالي، التي بدورها كانت خطة معدلة عن الخطة التي وضعتها بنفسي”.(2)

وقد أقر تقرير فينوغراد صراحة في فقرته التاسعة: “ لقد خرجت إسرائيل إلى حرب طويلة بادرت هي إليها، وانتهت من دون أن تنتصر بها إسرائيل بشكل واضح من الناحية العسكرية…” أي ان تقرير فينوغراد والتصريحات الاسرائيلية جميعها اعترفت بان اسرائيل كانت المبادرة الى الحرب وانها سعت وخططت لها منذ فترة بعيدة، وهذا مناقض لما سوّقه اصحاب السلطة في لبنان من أن حزب الله فتح حرباً على اسرائيل من خلال أسر الجنديين.

وتتلخص أهداف الحرب التي شُنّت على لبنان ضمن فئتين اثنين:

أ- الأهداف المعلنة :

 – تدمير حزب الله ونزع سلاحه.

– تحرير الجنديين الإسرائيليين الاسيرين، بعد رفض أي عملية تبادل مع حزب الله.

– تطبيق القرار 1559 بما فيه من نشر سلطة الدولة اللبنانية على كامل اراضيها وبالاخص على ارض الجنوب، ونشر الجيش اللبناني على الحدود.

ب- الأهداف المستترة:

– استعادة قدرة الردع الإسرائيلية بعدما تآكلت منذ العام 2000.

– توفير الظرف المناسب لأميركا للانطلاق في مشروع الشرق الأوسط الجديد.

–  سيطرة كاملة للحكم الموالي للاميركيين في لبنان من أجل تمرير مشروع توطين الفلسطينيين، واقامة قواعد أطلسية وأميركية على الارض اللبنانية تكون منطلقاً لعمليات عسكرية و”تأديبية” في المنطقة.

– تهديد النظام السوري والضغط عليه “لتعديل سلوكه” بحسب المصطلح الاميركي.

– نزع ورقة أساسية وهامة من اليد الايرانية، وذلك بقطع الأطراف الإيرانية الخارجية وإبعاد التهديد الذي يمكن ان تشكله ايران على اسرائيل انطلاقاً من لبنان.

ثانياً: الحرب في تصنيفها العسكري:

منظمة شبه عسكرية تضم آلاف المقاتلين نجحت في الصمود اسابيع طويلة امام الجيش الاقوى في الشرق الاوسط، الذي يتمتع بتفوق جوي مطلق ومزايا كبيرة من حيث الحجم والتكنولوجيا.”

بهذه العبارات لخص تقرير فينوغراد النهائي الحرب العدوانية التي شنتها اسرائيل على لبنان في العام 2006 ، وهذا  ما يطلق عليه بعض الاستراتيجيين صفة “الحرب اللامتماثلة” asymmetric warfare

وبالرغم من أن بعض المفكرين يعتبرون ان “اللاتماثل” هو مفهوم قديم، يعود تاريخه الى اسطورة تاريخية بين دافيد وجلجامش ( david and goliath) حيث استطاع الضعيف ان يهزم القوي والجبار، وان التاريخ العسكري مليء بهذا النوع من الحروب والنزاعات، الا ان مفهوم الحرب “اللامتماثلة” او “اللامتناظرة” أخذ حيزاً كبيراً من الاهتمام خلال العقد الاخير من القرن العشرين وخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، و بعد الأعمال الإرهابية التي شهدها العالم خلال السنوات القليلة الماضية، كاستخدام غاز الأعصاب في أحد أنفاق العاصمة اليابانية طوكيو، وهجمات 11 أيلول على برجي مركز التجارة العالمية ومقر وزارة الدفاع الأميركية في نيويورك وواشنطن.

  وفي محاولة لتبرير الهزيمة الاسرائيلية التي أقر بها تقرير فينوغراد – ولو بعبارات مخففة كـ “تفويت الفرصة” و”الاخفاق” – ، يتحدث الباحث الاسرائيلي رون بن يشاي عن الحرب بين قوات نظامية و”عصابات”، ويسميها «الحرب اللامتماثلة» او “الحرب غير المتناظرة”، ويقول إن في الأمر مفارقة تكمن في أن الوسائل والأساليب العسكرية المتخذة لتقويض المقاومة والمتبعة لفترات طويلة وبجرعات كبيرة، تعطي عادة عكس النتائج المرجوّة. ذلك أن النشاط العسكري، على اختلافه، مع ما يسببه من معاناة ومآسٍ، يمكن أن يدفع سكاناً غير مقاتلين إلى المشاركة في “الإرهاب” أو التطوّع لتنفيذ هجمات. وليست إسرائيل وحدها التي تجد نفسها عاجزة أمام هذه المفارقة، فكذلك هي حال الأميركيين في العراق، والروس في الشيشان، والإسبانيين في إقليم الباسك”(1) 

وتنبع مفارقة الحرب اللامتماثلة من حقيقة أن المقاومة الشعبية وحركات التحرر ليست ظاهرة عسكرية نظامية صرف، بل هي حركة مدنية بامتياز، حيث يستخدم المقاومون في معظم الأحيان أسلحة ومواد وتكنولوجيات بدائية يشترونها من السوق ويصنعون منها سلاحاً لقتال العدو. بالتالي، بحسب بن يشاي، إن «المنظمات والعصابات الإرهابية ليست جيشاً ولا تعمل كجيش، وغالباً ما تبقى بناها التحتية البشرية والمادية سليمة إلى حدّ بعيد… ولدى السكان المدنيين، يظل المرء قادراً على العثور على كيس من السماد الكيميائي وأنبوب معدني ليصنع قنبلة أو صاروخاً من الأنواع البدائية. وعلى الدّوام يبقى هناك مدنيون حاضرون للحلول محل القادة والناشطين الذين تجري تصفيتهم»(2).

هكذا اذاً، في الحروب اللامتماثلة، وحيث يتواجه القوي والضعيف في “نزاع لامتماثل” فان الاستراتيجية والتنظيم وقوة العقيدة القتالية هي التي تحسم المعركة وليس القوة أو التكنولوجيا.

 وقد اعترف  الجنرال احتياط  ايال بن رؤوبين:” بأن الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الخمس التي سبقت حرب تموز، لم يستطع بناء استراتيجية تشكل رداً ناجحاً وناجعاً ضد مختلف أنواع وتطورات الحروب..”. وأضاف: ان عصر الجيش التقليدي والمهام التقليدية التي تقول للجيش: اذهب، دمر، اقتل، احرق واحتل الأراضي قد انتهى”.(3)

وفي الاطار نفسه، يقول بريجنسكي في كتابه “الاختيار” انه في الحرب اللامتماثلة لا يعرف النصر بنتائجه بقدر ما يعرف بالعمل نفسه. ويصف اللاتماثل بانه “قوة الضعف” حيث ينزلق القوي في ردود أفعال مذعورة ومبالغ فيها، مما يجعله يتحول من حيث لا يدري الى رهينة بيد الضعيف. فـ”قوة الضعف” هي المكافئ السياسي لما يسميه الاستراتيجيون العسكريون الحرب اللامتماثلة.

 ويضيف بريجنسكي: “ان الثورة في الشؤون العسكرية التي تعظم القوة المادية للمسيطر من الناحية التكنولوجية يوازيها في الواقع القفزة النوعية في القابلية الاجتماعية للتعرض للخطر ما يزيد مقدار الخوف الذي يتملك القوي من الضعيف.

وتتيح “قوة الضعف” – بنظر بريجنسكي- استغلال أربع حقائق مستجدة للحياة العصرية:

–       الاولى: ان الوصول الى وسائل فتاكة على نطاق واسع لم يعد مقتصراً على الدول المنظمة والقوية، فقد ازدادت امكانية حصول المجموعات الصغيرة نسبياً والتي تتميز بالمثابرة والتصميم على القدرة على الحاق اذى اجتماعي كبير وعلى اشاعة القلق بوجه خاص.

–       الثانية: هي ان القدرة على الحركة حول العالم – التي لم تسهلها وسائل وسائل النقل السريع فحسب بل أيضاً الهجرات المتزايدة التي حطمت الحواجز بين المجتمعات المنفصلة- ونظم الاتصالات العالمية سهلتا التنسيق والتخطيط على الخلايا السرية المتفرقة.

–        الثالثة: هي ان الديمقراطية تسهل الاختراق والاغراق في المجتمعات المفتوحة ما يجعل اكتشاف الاخطار في غاية الصعوبة.

–       الرابعة: هي ان التكافل المنهجي في المجتمع الحديث يميل الى اطلاق تفاعلات متسلسلة. فاذا ما حدث خلل في عنصر اساسي واحد ادى ذلك الى حدوث اضطراب اجتماعي متزايد والى انتشار الذعر مثل النار في الهشيم.

خلاصة القول ان تكتيك “الصدمة والترويع” الذي ينادي به استراتيجيو الثورة في الشؤون العسكرية وجد معادلاً له في “الذعر المسبب للشلل” والذي يمكن للضعفاء ان ينشروه بتكلفة زهيدة بين الاقوياء(1).

 وهذا “الذعر المسبب للشلل” هو بالضبط الذي أصاب الجيش الاسرائيلي خلال حرب لبنان، هو بالضبط ما اشار اليه تقرير فينوغراد في الفقرة (34) التي ذكر فيها: 
” أكثر القيم الأساسية لدى الجيش الإسرائيلي فُرمت خلال الحرب. نشير هنا فقط الى القيم  الأكثر أهمية التي كانت العملية بموجبها مشوبة بالخلل في حالات كثيرة: التمسك بالهدف، التصميم في تنفيذ المهمة، الانصياع العملاني الصارم، قيادة حربية ومثيرة للقادة في المعركة، الامتناع عن تحمل مسؤولية شخصية والاستعداد للطاعة.
– بقدر كبير من الألم والحذر نضيف ونشير الى أن الجيش الإسرائيلي تصرف في الحرب كمن خشي من وقوع الإصابات في صفوف جنوده.
..

 ولكن لا ينسى تقرير فينوغراد بالرغم من ذكره للاخفاقات العسكرية التي مني بها “جيش الدفاع الاسرائيلي” من أن يوصي بالحل العسكري الذي لا بد منه- من وجهة نظر الاسرائيليين-، والا لن يستطيع الكيان الذي قام على القوة والقهر واغتصاب الحقوق من الاستمرار في المنطقة. ومن هذا المنطلق يذكر فينوغراد في الفقرة (63): “إن صحة مقولة “لا يوجد حل عسكري” تعني ان إسرائيل لن تستطيع البقاء في هذه المنطقة، ولن تستطيع الاستمرار فيها بسلام او هدوء من دون أن تعتقد هي نفسها، فضلا عن محيطها، بأن الجيش يمكن ان ينتصر، وأنه يوجد لدى إسرائيل قيادة سياسية وعسكرية وقدرات عسكرية ومناعة اجتماعية تسمح لها بالردع، وأنها لدى الحاجة قادرة على إلحاق الهزيمة بجيرانها الذين يريدون تصفيتها، ومنعهم ـ حتى بالقوة ـ من النجاح في تحقيق رغبتهم“.

في الخلاصة يمكن القول، لقد اعترف تقرير فينوغراد للمقاومة – ولو بالمواربة- بانها انتصرت على “الجيش الذي لا يقهر” في حرب 2006 والتي انتهجت فيها أساليب جديدة من القتال، حيث دمجت بين القتال التقليدي وحروب العصابات. هذا المزج، اكثر ما تجلى في مواجهات بنت جبيل وعيتا الشعب ومارون الراس. واذا كانت تقاليد حرب العصابات، قامت على قاعدة «الكر والفر» وعدم الثبات في ميدان المعركة، وتلك هي المبادئ والخلاصات التي انتهت إليها حرب فيتنام في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وما غدا مألوفا بعد ذلك من حروب المقاومات وحروب التحرير، فإن الوقائع الميدانية والمواجهات التي شهدتها مناطق عدة في الجنوب اللبناني، اسفرت عن مزيج يقرب المسافات بين المدرستين الكلاسيكية وحرب العصابات.

لقد استعملت المقاومة في حرب تموز 2006 بعض النظريات القديمة في حروب العصابات التي وضعها المفكر والمؤرخ الصيني «صن تسو»Sun Tzu  والتي تضمنت مبادئ تسعة لهذه الحرب، والتي ينص أحد مبادئها على ضرورة الانسحاب أمام العدو إذا تقدم، والتقدم إذا انسحب، وذلك تفادياً للمواجهة المباشرة مع الكتلة الرئيسة لقوات العدو. ولكنها استخدمت ايضاً أساليب ووسائل حديثة كالقدرات الصاروخية والمناظير الليلية، واعتمدت «الالتحام المتقارب» مع العدو على مدى اسابيع وفي مناطق عدة، وهو أمر غير مألوف على الاطلاق في مبادئ «حرب العصابات».

وفي هذا الاطار يذكر العميد المتقاعد أمين حطيط ان المقاومة بلورت نمطاً جديداً من القتال يختلف عن القتال التقليدي وعن القتال غير التقليدي. وكان نمطه المستند إلى القدرات الصاروخية الهائلة نمطاً ثالثاً تصح تسميته بنمط “المقاومة الإسلامية في لبنان”.(1)

ثالثاً- نتائج فينوغراد: نهاية الوظيفة والدور

منذ زمن أثينا واسبارطة الى اليوم لم يكن التاريخ سوى تعاقب لامبراطوريات وأمم حكمت حقباً منه قبل أن تمضي، فظاهرة القوى الكبرى والعظمى قديمة قدم التاريخ نفسه. والقوة الكبرى والعظمى هي ببساطة تلك التي تملك من القوة وأدواتها ما لا يملكه منافسوها. اذ ان القوة علائقية ونسبية ولا تظهر إلا في ظل علاقات بين وحداتها، بالتالي لا يمكن وصف دولة بانها قوية او ضعيفة الا مقارنة مع دول اخرى. استناداً الى هذا المنطق، يمكن ان نقول ان اسرائيل تعتبر من الدول الاقليمية الكبرى في الشرق الاوسط، وذلك بناء على معايير القوة التالية:

أ-  جيش قوي وسريع الحركة، مدعم بأحدث التكنولوجيا العسكرية.

ب-  قدرة للجيش الاسرائيلي بالسيطرة الكاملة في مجال القوة الجوية وفي مجال المدرعات وكثافة النيران والسيطرة عليها في الميدان.

ج- إستخدام أحدث مبتكرات تكنولوجيا الإتصالات والإدارة والتوجيه والسيطرة.

د- التفوق العسكري على الجيوش العربية، من النواحي التقنية واللوجستية، فهي لم تدخل حرباً منذ العام 1948 إلا وانتصرت فيها، وفي بعض الاحيان كان النصر سريعاً وبساعات معدودة، كما حصل في حزيران 1967 حين انتصرت على ثلاثة من الجيوش العربية بستة ايام، أو الاصح انها حسمت المعركة خلال الساعات الست الاولى.

بالإضافة إلى ما تقدّم، تحتكر اسرائيل عوامل قوة مضافة في غاية الأهمية من أبرزها:

أ- إحتكارها السلاح النووي في منطقة الشرق الاوسط مما يؤمن لها عنصر الردع الإستراتيجي الحاسم والمطلق.

ب- إحتكار الدعم الأميركي والغربي السياسي والدبلوماسي والعسكري والاقتصادي.

يقول بول كينيدي في كتابه الشهير “نشوء وسقوط القوى العظمى” ان القرن العشرين هو القرن الذي شهد سقوط أكبر عدد من الإمبراطوريات كالعثمانية والفرنسية والبريطانية والسوفياتية والألمانية.‏ وعندما درس أسباب سقوط الإمبراطوريات التي تعاقبت منذ القرن السادس عشر؛ وجد أن هناك ثلاثة عوامل مشتركة ساهمت في سقوط الإمبراطوريات السابقة، وهي:‏
– العامل الأول اقتصادي: ويتلخص بفقدان القدرة التنافسية والإنتاجية وتجاوز بلدان أخرى للإمبراطورية اقتصادياً، وخاصة عندما يصبح انفاقها العسكري أكثر من قدرة اقتصادها على تحمّله فتصبح القوة عندئذ رهاناً بحد ذاته.
– العامل الثاني: حالة التوسع المفرط في الهيمنة الخارجية التي تصبح أكثر من قدرتها على الاضطلاع به والتي تؤدي إلى بعثرة القوة الإمبراطورية، ما يؤدي إلى إرهاقها اقتصادياً. وهذا الإرهاق سينعكس على الميدان العسكري، فتلحق بها هزيمة عسكرية، عندئذٍ يصبح شعب الإمبراطورية غير مقتنع ولا مؤيد للهيمنة والتوسع الإمبراطوري، بل يبحث عن أمنه الداخلي كما حدث للإمبراطورية السويدية والبرتغالية.‏
– العامل الثالث: الهزيمة العسكرية التي تلحق بالإمبراطورية في حرب ما، والتي تعرّضها فيما بعد إلى غزو داخلي.‏
واذا انطلقنا من خلاصات كينيدي حول اسباب انهيار الامبراطوريات، وطبقناها على الحالة الاسرائيلية ـ بالرغم من أن “اسرائيل” لم تصل الى حالة الامبراطورية بالتأكيد ـ فإننا نجد ما يلي:
أ –  بالنسبة للعامل الاقتصادي، تفيد الدراسات بأن الاقتصاد الاسرائيلي لا يحقق نمواً كافياً، بل ان اسرائيل تعتمد اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً على المساعدات التي تأتيها من الولايات المتحدة الاميركية، وقد تراجع الاقتصاد الاسرائيلي تراجعاً كبيراً بعد عدوانها على لبنان في تموز 2006. ومن منا ينسى ان قصف معمل الالبان اللبناني في البقاع خلال الحرب كان بسبب تفوقه على الانتاج الاسرائيلي وكسبه للمناقصات في اوروبا.

وتذكر الاحصاءات ان اسرائيل خسرت 5.7 مليار دولار خلال الحرب، أي ما نسبته 10% من ميزانية العام 2006، وبلغ الإنفاق العسكري اليومي على الحرب 22 مليون دولار، بالإضافة إلى انهيار قطاعات النقل والخدمات والإستشفاء وسواهاً(1). كما ان اعتماد  اسرائيل على بيع دبابة الميركافا -4 اسقطته “مجزرة الميركافا في وادي الحجير” في لبنان خلال العدوان، وهكذا خسر الاقتصاد الاسرائيلي مليارات الدولارات وسوقاً انتاجياً مهماً كان يعتمد عليه.
ب- بالنسبة للشعب الاسرائيلي، من المعلوم انه، ومنذ اكثر من عقد من الزمن، بات يفتش عن أمنه الخاص ولم يعد كما كان من قبل يبغي التوسع والاستيطان، بل ان العامل الاساسي المؤثر على المجتمع الاسرائيلي كان ولا يزال الخسائر البشرية أولاً والمادية والاقتصادية ثانياً.

وتشير الاحصاءات الى ان المجتمع الاسرائيلي يعاني هجرة معاكسة منذ مدة بسبب فقدان الامن والازدهار الاقتصادي. وفي هذا السياق، كتب المحلل الاسرائيلي يائير شيلغ في “هآرتس” حول حرب تموز: “إن مستوى الخطر هذا يضع أمام اسرائيل تحدياً لا يقل في خطورته عن التحدي الذي واجه يهود أوروبا في الثلاثينيات من القرن الماضي”(1)
والحقيقة، ان القادة الاسرائيليين كانوا دائماً على علم بواقعهم المجتمعي، لذلك كانوا دائماً “يأخذون المعركة الى أرض العدو” ويتحاشون وقوعها على أرضهم، باستثناء هذه الحرب الاخيرة في 2006  حيث استطاعت المقاومة بصواريخها ان تهز “الشعار الامني” الذي لطالما تغنى به الاسرائيليون وأن تنقل المعركة إلى داخل البيت الإسرائيلي وصولاً إلى حيفا وعكا وصفد، وأن تجبر حوالى مليون مستوطن إسرائيلي إلى النزوح من أماكن سكنهم الأساسية في اتجاه وسط البلاد أو جنوبها، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.  

ولقد اتى تقرير فينوغراد في الفقرة 27 ليثبت ما خشي منه الاسرائيليين بقوله: “الجبهة الداخلية كانت مشاركة في الحرب رغماً عنها. والواقع أن شمال الجليل عرف في الماضي إطلاق صواريخ الكاتيوشا، لكن هذه الحرب كانت الأولى التي تتعرض فيها الجبهة الداخلية الشمالية ...”، وبنظرة أخرى الى نص الفقرة 32 من التقرير نجد: تم تعيين اللجنة بسبب شعور قوي في الجمهور بالانكسار والخيبة من نتائج الحرب وأسلوب إدارتها….”.
وهكذا، وباعتراف فينوغراد نفسه يكون البند الثاني من شروط كينيدي لانهيار الامبراطوريات قد تحقق بالفعل، اي ان الخيبة والانكسار بالاضافة الى عدم الامن والخوف الدائم باتا من اخطر ما يواجه المجتمع الاسرائيلي وهي مشكلات تؤدي الى ركود اقتصادي وهجرة معاكسة .هذا بالاضافة الى أن نظرية «الشعب كله جيش» القديمة سقطت من التفكير الإسرائيلي لسبب بسيط وهو أن معظم مواطني الدولة لم يعودوا مؤمنين ومستعدين للخدمة العسكرية. وفي هذا السياق نذكر جملة شائعة على لسان الجمهورالاسرائيلي تقول: «في هذه الدولة هناك ثلث من السكان يدفعون الضرائب، وثلث آخر يحافظ على القانون، والثلث الأخير يخدم في صفوف الإحتياط، والمشكلة تكمن في هذا الثلث الأخير»(1).
ج-  اما البند الثالث من معايير كينيدي – وبعد الاعتراف بالهزيمة العسكرية رسمياً- فإن الاسرائيليين يخشون دائماً من تكرار التجربة اللبنانية في الداخل الفلسطيني. ففي استطلاع للرأي العام الاسرائيلي أجرته صحيفة معاريف في أعقاب الحرب مباشرة يتبين ما يلي: “فقد الاسرائيليون ثقتهم بحكومتهم ولا يغفرون للسلطات المدنية والعسكرية طريقة ادارتها للحرب، ولا يؤمنون بنهاية سعيدة للنزاع مع الفلسطينيين .. لم تعد دولة اسرائيل تشكل ملاذا آمناً لاكثر من ثلث الاسرائيليين .. أكثر من سبعين بالمئة من الاسرائيليين يعربون عن انعدام ثقتهم بصورة مطلقة بصورة اسرائيل السياسية – الامنية”.

وخلال الحرب كتب دان بن دافيد في “هآرتس” يحذر من ان “الخطر الذي يواجه الهيكل الثالث يكمن في الداخل والخارج على حد سواء.فالدولة التي يتعذر عليها وقف الصواريخ الموجودة في أيدي من يريدون تدميرها، لا تحتاج إلى خيال واسع لفهم ما سيحدث لها عندما تتحول صواريخ القسام إلى كاتيوشا، وعندما تتطور الرؤوس الحربية من 20 إلى 600 كيلوغرام ومن 600 كيلوغرام إلى رؤوس حربية كيميائية وبيولوجية، وعلى ما يعمل على إنتاجه بجهد كبير الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد…. والخطر الداخلي يتأتى من الفقر والفجوات الاجتماعية التي تتعاظم بشكل دؤوب طوال عقود والتي بلغت ذرى في الغرب، وفي أوضاع تتزايد فيها أعداد المحتاجين بوتيرة أسرع وتعداد السكان الذين يمولونهم. وفي المجالين الداخلي والخارجي، صار العنوان على الجدار، إذا لم نفق الآن”(1)
وهكذا بربط جميع هذه الامور بعضها ببعض، نعتقد ان اسرائيل أدركت تداعيات نتائج عدوان تموز الاستراتيجية الخطيرة على كيانها، لذا فهي تستعد وتحضّر جيشها وشعبها لحرب قادمة على لبنان، فتعد لها العدة اللوجستية والمجتمعية، لانها تدرك ان الهزيمة التي لحقت بها في لبنان ستكون لها نتائج خطيرة على وجود “اسرائيل” ككل في المنطقة ، وهذا ما اعترف به فينوغراد عندما قال في الفقرة 8: “… سواء تجاه الإنجاز العسكري المطلوب في مقابل حزب الله، أو في ما يتعلق بالمكانة الاقليمية والعالمية لـ”اسرائيل”، أو تجاه قدرتها في الدفاع عن الجبهة الداخلية الاسرائيلية من استمرار إطلاق الصواريخ، يمكن أن نقدر أن نتائج الحرب كانت “تفويتاً خطيراً” للفرصة…” وفي مكان آخر يعتبر ان هذاالاخفاق الاسرائيليسيكون لهآثار بعيدة المدى على مكانة “اسرائيل..”.

هكذا اذاً يتبين ان شروط انهيار الامبراطوريات حققها انتصار لبنان التاريخي في تموز 2006،

 وأصبحت الهزيمة حقيقة  دامغة وملموسة في كافة بيوت وزوايا اسرائيل. فهذه الحرب التي شنتها اسرائيل بنوايا وخطط جاهزة مبيتة وأسفرت في النتيجة عن هزيمة كبيرة واسترتيجية  لـ”اسرائيل العظمى” ولـ”جيش النخبة” أرخت -وما تزال- بظلالها القاسية والمؤلمة والمحبطة على المجتمع الاسرائيلي برمته.

 لذا نعتقد ان اسرائيل تتجه الى خسارة هيمنتها ووظيفتها ودورها في الشرق الاوسط. فللمرة الأولى تعجز إسرائيل عن توفير البضاعة المطلوبة أميركياً اي شن الحروب بالوكالة، وتم ذلك في ظروف جيوسياسية قاسية ومريرة على الطرف الأميركي المتورط في المستنقع العراقي. وفي هذا السياق طرح العديد من المحللين الإسرائيلين ضرورة إعادة النظر بهذه العلاقات الثنائية بين البلدين، وفي جدوى شن الحرب في الأساس خدمة للمصالح الأميركية. كما ان صورة إسرائيل لدى المتبرعين الكبار من يهود العالم، وخصوصاً في أميركا، قد تضررت بشكل كبير، الأمر الذي يترافق مع التدهور الاقتصادي والاجتماعي والأمني في إسرائيل، وهذا لا يقود إلاّ إلى تراجع جاذبية إسرائيل لناحية الرغبة في الهجرة إليها.

 وهكذا بات السؤال المطروح الآن: هل يمكن أن تؤدي هذه العوامل جميعها هذا الى تحجيم اسرائيل وفقدانها دورها ووظيفتها وانهيارها كدولة كبرى مهيمنة كما انهارت الامبراطوريات السابقة وتحجمت؟

خاتمة

 كتب رئيس الكنيست السابق أبراهام بورغ ينعى تلك الأيام الأولى لجيل المؤسسين يقول: «إستندت الثورة الصهيونية دوماً على دعامتين: مسار عادل وقيادة أخلاقية. ولم يعد أيّ منهما قائماً الآن. فالدولة الإسرائيلية تقوم اليوم على سقالات من الفساد وعلى أسس من الإضطهاد والظلم… وهناك احتمال فعلي لأن نكون آخر جيل صهيوني. قد تظل الدولة العبرية قائمة هنا، لكنها ستكون من نوع مختلف، غريبة وبشعة… دولة مستوطنات تدار من قبل زمرة لا أخلاقية من منتهكي القانون الفاسدين الذين يصمّون آذانهم إزاء مواطنيهم وأعدائهم على السواء. إن دولة تفتقر إلى العدالة لا يمكن أن تبقى على قيد الحياة».

بالطبع، ان دولة تفتقر الى العدالة لا يمكن ان تبقى على قيد الحياة. وقد أثبت التاريخ ان الامبراطوريات العظمى تسقط عندما تتوفر فيها شروط انهيارها، فكيف اذا توافرت هذه الشروط في دولة مصطنعة وجدت في منطقة الشرق الاوسط بالقوة.

لسنا نحن فقط من يعتبر ان اسرائيل دولة مصطنعة مزروعة في المنطقة، بل الاسرائيليين أنفسهم يقرون به، وفي هذا المجال يمكننا ان نستشهد بما ادلى به الجنرال الاسرائيلي موشي ديان عن نظرية “القلب المزروع في المنطقة” وذلك في الرابع من حزيران 1968 بمناسبة مرور عام على حرب حزيران  قائلا :”اننا قلب مزروع في هذه المنطقة، غير ان الاعضاء الاخرى ترفض قبول هذا القلب المزروع …لذلك لا خيار امامنا سوى حقن هذا القلب بالمزيد والمزيد من الحقن المنشطة  من اجل التغلب على هذا الرفض”(1).

 وتبقى الاجابة على السؤال المطروح سابقاً وعلى امكانية ان نشهد يوماً نهاية اسرائيل، برسم تقرير فينوغراد الذي أكد انه لا يمكن لإسرائيل البقاء في هذه المنطقة، ولن نستطيع العيش فيها بسلام أو حتى بهدوء،  دون أن يكون هناك من يؤمن فيها وفي محيطها بأن دولة إسرائيل تمتلك قيادة سياسية وعسكرية، وقدرات عسكرية وقوة ومناعة اجتماعية، بما يمكنها من ردع كل من تسول له نفسه من بين جيرانها المس أو إلحاق الأذى بها، ومنعهم- ولو بالقوة- من تحقيق مبتغاهم...” اي ان الامر مرتبط بقدرة اسرائيل على استعادة الهيبة وقوة الردع، وقدرتها على شن حرب أخرى على لبنان والانتصار فيها.

غير ان بعضاً من رموز اليهودية العالمية وقادة اسرائيل كانوا قد سبقوا تقرير فينوغراد في ادراك اهمية نتائج الحرب وخطورتها الكارثية على اسرائيل ومصيرها ومكانتها ، ومنهم الرئيس الاسرائيلي الحالي شمعون بيرس، الذي حذر في ايام العدوان الاولى، حين بدأت تموج مظاهر التعثر والفشل، من عواقب الفشل بقوله: «…ان مصير هذه الحرب يضعنا ويضع الدولة بين خيارين: الحياة أو الموت».  وهذا ما كان بن غوريون قد اكده عند تأسيس الدولة اليهودية بقوله: “إسرائيل ممكن أن تهزم العرب مئة مرة، ولكن أن هُزمت مرة واحدة فذلك يعني نهايتها“.


[1]  نٌشرت في مجلة محاور استراتيجية عدد شباط 2008

(1) Brzezinski, The choice:Global Domination or Global Leadership,basic books,2004.

(1)  راجع في هذا الخصوص ، جريدة السفير 15\8\2006

(2)  تصريح له على القناة العاشرة – التلفزيون الإسرائيلي في 02/02/2008

(1)  – سلسلة إعرف عدوك، باحث للدراسات، إسرائيل والتحديات الإستراتيجية المقبلة،مركز يافا.

(21) المرجع نفسه.

(3)  في تعليق على تقرير فينوغراد على القناة العاشرة- التلفزيون الإسرائيلي في  02/02/2008

(1) Zbigniew  Brzezinski, The choice:Global Domination or Global Leadership,basic books,2004.

(1)  دراسة حول حرب تموز للعميد المتقاعد الدكتور امين حطيط على موقع الجزيرة نت.

(1) اجريدة الاخبار 20/11/2006.

(1)  هآرتس 3\8\2006

(1) -“لماذا يجب إحداث ثورة في الجيش الإسرائيلي” ،عوفر شيلاح ،ترجمة باحث للدراسات،طبعة أولى 2004

(1)  / هآرتس 2006/8/1.

(1)   مجلة بماحنيه العسكرية الناطقة بلسان الجيش الاسرائيلي /2006/8/

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s