محاضرات

  العَلمانية في لبنان: تجربة خاصة وممكنة!

محاضرة قدمت في فرنسا في مؤتمر عقده التجمع من أجل لبنان- فرنسا، في تشرين الثاني 2009

مقدمة

أولاً: التطور التاريخي للنظام الطائفي اللبناني

ثانيًا: الاشكاليات التي يخلقها مفهوم العَلمانية في لبنان

ثالثًا: استغلالات المفهوم في لبنان

رابعًا: تفسير يلائم البيئة اللبنانية

خامسًا: هل يمكن لنا أن نحلم بتطبيق ذلك في لبنان؟

 مقدمة

يمكن قراءة العَلمانية على انها جملة التحولات التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية والايديولوجية التي أدّت الى اعتبار أن الانسان الفرد بوصفه ذاتًا حرّة هو أساس التكوين الاجتماعي، وغرض الثقافة والسياسة، ما يعني أن الانتماء الأكثر أهمية، من وجهة نظر العَلمانية، هو الانتماء الإنساني. من هنا يكون كل تمييز للإنسان على أساس الانتماءات اللاحقة للانتماء الإنساني هو تمييز مخالف لطبيعة الإنسان، وانتقاص من قيمته الانسانية.

تمثّل العَلمانية أحد المكتسبات الأساسية للبشرية، وخطوة مركزية في تحرير العقل البشري وحلاً لمسألة الغيبيات. هي مسألة سياسية أولاً قبل كل شيء، وليست مسألة دينية على الاطلاق، ولعلها الأقدر على إعطاء البعد الروحي والديني للانسان كل مفاعيله وموجباته.

إن جوهر العَلمانية يرتبط الى حد بعيد بالحرية، حرية الآخر المختلف في الوجود، وفي حقه في الاختلاف، لذا تبتعد العَلمانية عن التكفير، وتحترم الحرية الدينية وتعترف بالتعددية وحرية الاعتقاد، بل والحق في تغيير الدين، وتضمن في الآن نفسه استقلال ارادة الانسان وحريته الفردية.

تتجسد العَلمانية الحقيقية في رعاية حرية الإنسان وحمايتها، وعلى رأسها حق الفرد في التفكير والتعبير عن الرأي وإعلان المعتقد، وحقه في أن يمارس شعائر الدين أو لا يمارسها، وحقه في أن يحدد بنفسه درجة علاقته بالدين وطبيعة هذه العلاقة، وحقه في أن يعارض الحكومة ويناقض توجهاتها بأسلوب سلمي، وغير ذلك من الحقوق المندرجة في المواطنية.

وعليه، تكون “الدولة العَلمانية” هي الحل الضروري والانقاذي لاخراج لبنان من الازمة البنيوية للنظام السياسي، وللفصل بين النظام القابل للتعديل والتغيير، وبين الكيان الوطني الثابت. لكن تجاوزًا لحساسية البعض على استخدام مصطلح “العَلمانية” ولئلا نغرق في الشكليات والتسميات وننسى المضمون والهدف المنوي تحقيقه، يمكن لنا استخدام تعبير “الدولة المدنية” بدل “الدولة العَلمانية”، طالما أن الجوهر واحد.  

فما هي أسس هذه الدولة العَلمانية- أو الدولة المدنية- المناسبة للبنان؟ ولماذا يرفضها كثرٌ في لبنان، وكيف يستغلونها؟ وكيف نتصورها كمفهوم صالح للبيئة اللبنانية ومتأقلم ومتصالح معها؟ وما هو مشروع التيار الوطني لتطبيق هذه الدولة المنشودة؟
أولاً: التطور التاريخي للنظام الطائفي اللبناني

 المعلوم أن الكيان اللبناني كان قد برز في الحيّز الدولي كساحة صراع بين الدول الكبرى للسيطرة على المنطقة، وقد أُدخلت الطوائف الدينية اللبنانية ومذاهبها المختلفة في شبكة نفوذ تلك الدول، فكل دولة أجنبية، بسبب لونها الديني، تدخلت مدّعية حماية طائفة معينة من الطوائف اللبنانية فروسيا القيصرية مثلاً حمت الطائفة الأرثوذكسية، وفرنسا حمت الطائفة المارونية، والإمبراطورية النمساوية حمت الروم الكاثوليك، والإنكليز حموا الدروز، أما السلطنة العثمانية فحمت الطائفة السنّية.

وقد نشأت عن تلك الظروف ثقافة سياسية عُرفت بـ “ثقافة القناصل” لدى أعيان ووجهاء لبنان الذين اخترعوا أنواعًا مختلفة ومتناقضة من الأفكار القومية والوطنية المتأثرة بالنفوذ الفكري والثقافي للدول الأجنبية الحامية.

وكنتيجة لذلك، تطوّرت نزعات مختلفة تمامًا لدى الطوائف اللبنانية، اتخذت شعارات عدة منها “خوف المسيحيين” و “غبن لاحق بالمسلمين”[1]، أضيف اليها مصطلحات تلاءمت مع التطورات الاقليمية السائدة، كمصطلحات “العروبة العَلمانية” مقابل “العروبة الإسلامية الطابع”، زد على ذلك “القومية اللبنانية” على الطريقة الكتائبية مقابل “عقيدة وحدة بلاد الشام” على طريقة الحزب السوري القومي الاجتماعي.

هذا بالإضافة إلى تطوير عقيدة سياسية على يد كل من شارل مالك وميشال شيحا وغيرهما تقول بأن الديمقراطية في لبنان لا يمكن أن تكون ديمقراطية مبنية على حرية الفرد، بل على المساواة السياسية بين الطوائف، على أن تكون الدولة مجرّد حَكَم في صراع الطوائف فيما بينها، وهو في النتيجة والواقع العملي  “صراع الدول الحامية لتلك الطوائف”.

 ولعل نظام المحاصصة الطائفية الذي بدأ مؤقتًا عام 1943 وتحول الى عرف دائم، كرّسه الدستور بعد التعديلات التي أقرّت عام 1990 بناءً على اتفاق الطائف، قد جعل الدولة مساحة لتحاصص الطوائف المختزلة بزعمائها، وجعل التناقضات والصراعات بينهم تأخذ طابعًا طائفيًا مقيتًا، فتعيق عمل السلطة، وتعرقل بناء دولة القانون والمؤسسات، وتفتح المجال لتغطية الولاءات والمراهنات الخارجية ولحماية وتفشي الفساد والفاسدين ونمط الزبائنية، وينتج فتنًا وحروبًا أهلية متكررة، ويجعل لبنان ساحة مفتوحة لصراع تتداخل فيه العوامل الخارجية مع الداخلية، فتضعف سيادة الدولة الخارجية والداخلية المنقوصة أساسًا، فقد تنازلت الدولة عن صلاحياتها للطوائف، أو بالاحرى إن الطوائف التي سبق وجودها وجود الدولة أسست دولة هشّة ومحدودة القوة وتركت لنفسها الكثير من الاستقلالية والصلاحيات المفترض بالدولة الاضطلاع بها. وهكذا قامت علاقة عكسية بين سيادة الدولة وقوة الطوائف في لبنان، فكلما زادت قوة الطوائف تقلصت سيادة الدولة والعكس بالعكس.

تحولت الطائفية نظام حياة الشعب اللبناني بأكمله، تخترق بناه الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية وتدخل في تركيبة مؤسساته. واذا كانت وقائع التاريخ اللبناني قد أثبتت ان هذه المحاصصة الطائفية كانت السبب في كثير من الازمات الداخلية والحروب، وإنها الحاجز المانع للتطور الديموقراطي للنظام، فان هناك في المقابل قوى واسعة ترى ان هذا النظام الطائفي هو سبب وجود لبنان، وان الدعوة الى تجاوزه تعني إلغاء هذا الكيان.

وفي هذا الاطار، يصف الفقيه الدستوري ادمون رباط صيغة تعايش اللبنانيين التي كرّسها الدستور بعد التعديلات التي اقرّت عام 1990 بالقول: “ان اللبنانيين سيبقون خاضعين، كل منهم في إطار طائفته، لقوانينها وشرائعها، في حياتهم العائلية والروحية العامة، باعتبار ان لا بد لكل مواطن لبناني من ان يكون منتميًا الى طائفة معينة، في ولادته وزواجه ووفاته، وبالتالي في حياته العامة، الأمر الذي يجعل الروح الطائفية ملتصقة بشخصه وأسرته، ويجعل كل عمل سياسي يقوم به، كالانتخاب والمنافسة في اقتناص الوظائف العامة والوزارات مستمرًا، طبيعيًا، في خضوعه لروح طائفته وميولها ومصالحها وتياراتها، وذلك كله لأنه سيبقى عضوًا حيًا لطائفته الاصلية”[2].

وعليه، ومن أجل الخروج من هذه الدوامة المستمرة من التدخلات والتدخلات المضادة، ومن أجل العبور  بلبنان من دولة الرعايا الى دولة المواطنين، والتخلص من الفكرة الدولية التي ترى في لبنان “الدولة الحاجز” أو “الدولة الساحة”، علينا أن نقضي على المحاصصة الطائفية والزبائنية والسير باتجاه علمنة الدولة والمجتمع، وهذا هو التحدي أمام التيار الوطني الحر بما يمثله من قوة تغييرية وتحررية هدفها تحرر الانسان- المواطن اللبناني بعدما أنجزت تحرير الارض. 

ولكي ينجح التيار الوطني الحر في تحقيق هذا الهدف البعيد المدى، وادارة هذه المعركة السياسية الصعبة بنجاح، لا بد من رؤية سياسية واضحة تربط بين كل العناصر الإشكالية بأوجهها المختلفة، اللبنانية والعربية والدولية، تبدأ بتوضيح مفهوم العَلمانية على ضوء معطيات الواقع اللبناني المرتبط الى حد بعيد بالواقع العربي والاسلامي كون لبنان جزء لا يتجزأ من محيط أكبر يتفاعل معه ويتأثر به وبالتحولات الجارية فيه.


ثانيًا: الاشكاليات التي يخلقها مفهوم العَلمانية في لبنان 

تبدو العَلمانية غير مفهومة في لبنان،  وفي كثير من البلدان العربية الاخرى وذلك بسبب تعدد وجهات النظر حول هذا المفهوم الخارج من التجربة الاوروبية، ولعل ما يزيد في الغموض هو ان العَلمانية كما الديمقراطية قد تكون عالمية بجوهرها ومفاهيمها ولكنها تختلف من حيث التطبيق بين بلد وآخر، وهذا ما نلاحظه في البلدان العريقة بالعَلمانية، كفرنسا وانكلترا والولايات المتحدة وغيرها.

فالعَلمانية على الطريقة الفرنسية بمعنى Laïcité قامت بفصل الدولة عن الدين بشكل تام، بينما في الدول الأنكلو – سكسونية لا يزال الدين يلعب دورًا بارزًا في الحياة الاجتماعية والسياسية، فملكة بريطانيا هي رأس الكنيسة الإنجيلية الرسمية، وكذلك الحال في أميركا حيث تزدهر التيارات الأصولية البروتستنتية، وقد عاد “المقدس” الى المفردات السياسية في الولايات المتحدة الاميركية بعد 11 أيلول 2001 وخاصة خلال عهد بوش الابن… غير أن الدول في تلك المجتمعات تبقى على الحياد في الأمور الدينية ولذلك لا تمانع إنشاء كنائس جديدة من حيث معتقداتها اللاهوتية  ولا ترفض وجود طوائف دينية من غير الديانة المسيحية.

بالنسبة للبنان، لم يشهد مفهوم سياسي معارضة حادة قادتها مكوّنات النظام الطائفي اللبناني كما شهده مفهوم العَلمانية. فقد توحدت المؤسسات الدينية والروحية، المسيحية منها والاسلامية وسائر الفاعليات السياسية ضد هذا الشعار، منذ طرحه.

رأت فيه هذه القوى خطرًا يتهدد مصالحها وينقل البلد الى إطار سياسي مختلف، فاتخذت الحملة ضد العَلمانية طابعًا سياسيًا دينيًا ايديولوجيًا، فوسمتها بالالحاد والسعي الى الغاء الاديان وتهديم المجتمع والقضاء على الطوائف، ووصل الامر الى حد وصف العَلمانية بأنها آداة تدمير مقومات الكيان والنظام والأسس التي قام عليها لبنان.

قوى ثلاث تقف في وجه الاصلاح في لبنان: الاقطاع السياسي الذي يتألف من وجهاء تقليديين، زعماء الحروب الطائفية الذين تحوّلوا الى سياسيين، وطبقة أصحاب الصفقات. وتشكل الطائفية رأس مال الثلاثة معًا، والوسيلة التي يحافظون بها على السلطة ويتناقلونها…وهذا ما حوّل النظام السياسي اللبناني الى حرب أهلية صامتة. ولقد شوّه هؤلاء المتضررين العَلمانية، وحرضوا المجتمع ضدها وذلك من خلال ما يلي:

–         وسمها بالالحاد: لأن جهل المفهوم طغى على الكثيرين من متوسطي الثقافة والمعرفة، وجمهور الناس الأوسع، فألصقوا بها الكثير مما لا يدخل في صلبها ولا يشكّل روحها الحي، فاعتقدوا أنها “إلحاد” ينكر الله ويتنكّر للأديان، والبعض اختزلها بأنها “حرب على رجال الدين”.

–           تغليب المصلحة الخاصة، أدرك من يتضرر منها، أي أصحاب النفوذ في مجتمع العلاقات الإقطاعية والتقسيمات العشائرية والعائلية والطائفية، الذين جعلتهم هذه العلاقات زعماء راسخين يتوارثون الزعامة كتوارث الأملاك الشخصية، أدركوا العَلمانية على حقيقتها، بوصفها خلاصًا للمجتمع من ذلك الإرث المتخلّف، وكسراً للتقاليد، وتجاوزاً للعشيرة والطائفة، وصولاً إلى التساوي أمام القانون، وإلغاء كل أشكال التمييز غير الناجم عن الكفاءات… أدركوا تأثيرها عليهم فحاربوها ونعتوها بأبشع الاوصاف.

–         رفض اسلامي ومسيحي: كثر من المسلمين يرفضون العَلمانية معتبرين انها نتاج مسيحي وذلك بسبب الخلط الذي يقيمونه بين المسيحية والغرب، فبالنسبة لهم الغرب والمسيحية واحد.

وهناك بعض المسيحيين الذين يصدّقون مقولة “علمانية الاسلام” فيرفضون العَلمانية لأنها – برأيهم- تتفق مع النظام المجتمعي الاسلامي مع ما في ذلك من مفارقات.

–         التطبيق الخاطئ الذي مارسه مدّعو العَلمانية، وذلك من خلال أمرين:

أ‌-     تحت رايات العَلمانية والوحدة وغيرها من المفاهيم قامت أنظمة قمعية في دول الجوار اللبناني، وفي ظل شعاراتها جرى إضعاف الحراك السياسي في المجتمعات العربية، وانتشرت الآحادية في الفكر والسياسة والحياة الحزبية، وانصرف الناس عن السياسة إلى ضفاف أخرى، بعضها عدمي، وأكثرها تقليدي، أي إنهم عادوا إلى التذرع بالعشيرة أو الطائفة أو العائلة.

ب‌- خسرت العَلمانية حجتها حين تداخلت مع بعض البنى الفكرية الهشة، فصارت علمانية سطحية مسكونة بالتخلف والتعصب للرأي ورفض الآخر وقمع المخالفين لإرادة قادة الأحزاب والمؤسسات والحكومات، وتسخير المنابر الإعلامية لرأي دون آخر، واحتقار هواجس وآراء الجماعات التي تعيش قلقًا فعليًا وليس اعلاميًا، قلق غذاه واستفاد منه مدّعو التكلم باسم الاديان.

ولعل التطبيق الخاطئ من قبل مدّعي العَلمانية، والاستخدامات المصلحية في المجتمع اللبناني، ساهمت الى حد بعيد في تأخير مسيرة العَلمانية في لبنان، فكلما سارت عجلة الاصلاحات المؤدية الى تطبيق العَلمانية كلما زاد الضغط الذي يمارسه المتضررون، وبرزت استخدامات خاطئة للعلمانية في لبنان شوهتها وحدّت من امكانية تطبيقها وهو ما سنذكره في ما يلي. 

ثالثًا: استغلالات المفهوم في لبنان[3]: 

لقد استغل كثر من السياسيين والمفكرين والاعلاميين اللبنانيين مفاهيم العَلمانية، لغايات خاصة بعيدة كل البعد عن الهدف الاسمى لتحقيق العَلمانية ألا وهو احلال الولاء الوطني بدل الولاء الطائفي، وتحويل لبنان من فدرالية الطوائف الى وطن يعيش فيه ابناؤه على قدم المساواة. ويمكن القول ان هذه الاستخدامات والاستغلالات للعلمانية تراوحت بين الجهل وسوء الفهم أو عدم ادراك في بعض الحالات وسوء النية في حالات اخرى.

أ‌-     الاستخدام الوظيفي:

يطالب بعض اللبنانيين بالعَلمانية لأنها تحول دون طائفية الوظيفة، وتلغي الكوتا المخصصة لكل طائفة. والملاحظ أنه في المقابل، يتشبث بعض المسلمين والمسيحيين بالطائفية معتبرين أن فيها “مصلحة للطائفة وتأمينًا لحقوقها” في الوظائف العامة وخاصة وظائف الفئة الاولى، وهنا السؤال الاكبر: كيف يؤمن وصول شخص من طائفة معينة – بغض النظر عن كفاءته- حقوق الجماعة بأكملها؟ وكيف يمكن لمساواة شكلية (6 و6 مكرر) أن تؤمن مساواة بين المواطنين وحفاظًا على حقوقهم ؟

ب‌-الاستخدام القانوني:

يهم بعض اللبنانيين من العَلمانية فقط إلغاء قوانين الاحوال الشخصية، والوصول الى قانون مدني، وبالاخص قانون طلاق مدني سهل، يوفر عليهم الجهد والمال المبذول للمحاكم الروحية خاصة المسيحية منها.

ت‌-الاستخدام السياسي:

هناك البعض الآخر من اللبنانيين الذين يهمهم من العَلمانية موضوع “إلغاء الطائفية السياسية”، لأنها تخولهم أن يصلوا الى المراكز العليا في الدولة التي حجزها الدستور والأعراف لطوائف دون أخرى.

ث‌-الاستخدام الامتيازي:

يرفض كثر من المسيحيين العَلمانية لأن الطائفية برأيهم تؤمن لطوائفهم “امتيازات” في النظام، يخافون أن تضيع منهم إذا تمت العَلمانية، وقد تزايد هذا الخوف من العلماينة و”الغاء الطائفية السياسة” بعد نشر دراسات احصائية تفيد أن نسبة المسيحيين تقلصت في لبنان الى ما دون الثلاثين بالمئة. وهكذا يربط هؤلاء ضياع هذه “الامتيازات” أو “الضمانات” بضياع “المسيحية في لبنان” بل ونهاية لبنان بشكله التعددي!!

ج‌-  الاستخدام التعجيزي:

يطالب بعض اللبنانيين بالعَلمانية “الشاملة”، فيرفعون السقف مطالبين “اما علمانية شاملة أو لا علمانية” وفي ذلك قطع الطريق على العَلمانية بحد ذاتها.

في إدراك هؤلاء أن المسلمين يريدون “إلغاء الطائفية السياسية” لان الميزان الديمغرافي هو لمصلحتهم، بينما يرفضون علمنة “قانون الاحوال الشخصية” لذا إن المطالبة بالعَلمانية الشاملة تؤدي الى “رفض اسلامي لها”.

في المقابل قد يقبل المسيحيون بعلمنة “الاحوال الشخصية” ولكنهم بالتأكيد لن يقبلوا بالغاءالامتيازات وإلغاء المناصفة بين المسيحيين والمسلمين التي أقرّها الدستور في الرئاسات الثلاث ووظائف الفئة الاولى، لذا فإن المطالبة بالعَلمانية الشاملة سيؤدي أيضًا الى رفض مسيحي لها. 

وهكذا، وانطلاقًا من المقاربة الواقعية، ندرك أنه لا يمكن تطبيق العَلمانية في لبنان إلا من خلال “تكييف” المفهوم وأقلمته مع الواقع اللبناني السائد، لأن مقاربة موضوع العَلمانية في لبنان من منطلق اكاديمي بحت هي مقاربة خاطئة لا بل قاتلة، لأنه لا يمكن لنا مقاربة هذا الموضوع الا من خلال دراسة التجربة المعيوشة للدولة الطائفية القائمة في بلدنا، وتكييف المفهوم ليتلاءم معها.

رابعًا: تفسير يلائم البيئة اللبنانية

بما انه ليس للعلمانية تفسيرًا واحدًا وليس لها نهجًا موحدًا، وبما ان العَلمانية كالديمقراطية وحقوق الانسان تختلف في تطبيقاتها العملية باختلاف البيئة الثقافية والاجتماعية في بلد معين، فهذا يفرض علينا ايجاد التفسير الملائم لها في المجتمع المعني أي في المجتمع اللبناني، وايجاد خريطة طريق مناسبة لتحقيقه.

بداية، وبما ان المجتمع اللبناني موسوم بالعامل الديني والطائفي، فلا بد من تنظيف المفهوم مما علق به من رواسب ومفاهيم ألصقت به زورًا وأهمها صفة الالحاد أو محاربة الدين.

1-  العَلمانية لا ترفض الله ولا تقبله، بل هي قاصرة وعاجزة عن قول أي شيء بالله، إذا كان موجود أو غير موجود. العَلمانية لا تدّعي أن لها قولاً تقوله عن الله، بل تترك ذلك لله ورسله وكتبه وللايمان بهم. وعليه، يكون من الطبيعي وجود “علمانيين مؤمنين” يعيشون في الوقت ذاته الدين وقيمه والعالم الزمني وقيمه، ويميزون بين الاثنين ولا يخافون من تفاعلهما. فالدين هو علاقة فردية عامودية بين الانسان وخالقه تفرض عليه التزامًا بنصوص “مقدسة” وقواعد سلوكية معينة، أما العالم الزمني فيعيشه الانسان في علاقات جماعية وفردية أفقية، تفرض عليه أنواعًا أخرى من الالتزامات وضعتها القوانين الوضعية. وهكذا فإن اختلاف الحيز الذي يُمارس فيه الديني والزمني، يفرض تمييزًا واستقلالية بين الاثنين، يعيشهما الانسان بدون مزج بينهما أو سيطرة أحدهما على الآخر.

وهكذا تكون العَلمانية هي الاستقلالية عن الدين، والاستقلالية لا تعني بأي شكل من الاشكال العدائية، بل الحياد التام بينهما. لذلك يمكن أن نقول أن العدائية للدين ليست عَلمانية بل هي ضد العَلمانية لأنها تجعل ذاتها على مستوى الدين وفي حقله وقيمه ومقوماته، ونقيضًا له ومن ثم تنصّب نفسها دينًا، ولو بالمعنى السلبي.

2-  بالنسبة للقيم الدينية، العَلمانية تقبل ما جاءت به الاديان من قيم انسانية جليلة وهامة للجنس البشري، كاحترام الانسان، كل انسان، والمساواة والحرية والعدالة… لكن العَلمانية ترفض على الاديان “احتكارها للقيم الانسانية” واعتبارها ان “الانسان لا يصل الى هذه القيم إلا من خلالها”… العَلمانية تقول بهذه القيم نفسها، ولكنها تقول بقيمة القيم بذاتها، أيًا كان مصدرها. إن قيمة القيم ليس في ورودها في هذا الكتاب أو ذاك، بل قيمتها أنها لأجل خير الانسان ونموه وتكامله، ولعل الاهم من القيم هو تطبيقها الفعلي على أرض الواقع.

3-  العَلمانية ليست مسيحية ولا اسلامية، لأنها صفة للمجتمع ليس للدين. هي نظرة شاملة للعالم تؤكد استقلاليته بكل مقوماته وأبعاده وقيمه. والاستقلالية تعني أن هناك قيمًا ذاتية فعلية للعالم والمجتمع والانسان وقضاياه غير مستمدة من الدين والقيم الدينية وغير خاضعة لهما، أي انها تجعل تمايزًا بين العالم والدين وتعترف بمميزات كل منهما بدون امتيازات للواحد على الآخر.

4-  إن العَلمانية هي السبيل الوحيد لتحقيق مبدأ الموطنية، ولا صحة لأي ادعاء بوجود مواطنية حقيقية بغيرها. فإذا كان مبدأ المواطنية يعني تساوي الناس، أي المواطنين، أمام القانون، فإن العَلمانية هي التي تجعل القانون ذاته قانون مواطنية لا قانون يميّز بينهم على أساس انتمائهم الطائفي.

5-  العَلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة لا تعني فصله عن المجتمع أو التقليل من دوره في حياة الناس الاجتماعية، ولا تعني إضعاف مكانته في منظومة القيم الأخلاقية والسلوكية، وفي صوغ هذه القيم وفق مقتضيات الزمن، فالقيم الإنسانية التي تجعلها الأديان محورًا للنشاط الإنساني، تظل ماثلة في الوجدان الاجتماعي ومرشدًا للسلوك، وهي تتجلى وفق خصائص البيئة المحددة زمانيًا ومكانيًا. إن فصل الدين عن المجتمع غير ممكن، والإنسان الفرد، بوصفه الوحدة الاجتماعية الأولى، هو الذي يحدد “بحرية” علاقته بالشعائر الدينية وأفكار الدين وقيمه بحرية تامة. 

6-  من البديهي أيضًا أن فصل الدين عن السياسة لا يعني فصله عن رجل السياسة. فيمكن للسياسي أن يكون متديناً، لكن المطلوب هو أن ينطلق في نشاطه السياسي من واقع محدد ملموس، ومن قوننة مدنية ديمقراطية للحياة السياسية، لا من منطلقات دينية.

7-  أما بالنسبة لرجال الدين فالعَلمانية لا تحارب رجال الدين فلا صلاحية لها بمحاربتهم أو محاكمتهم، بل تحصر نفسها في مواجهتهم عندما يتجاوزون تفرغهم واختصاصهم الديني ليهتموا بالشأن المجتمعي لا سيما السياسي والحزبي منه.

وعليه، يكون على العَلمانية التي نطالب بها في لبنان، أن تؤدي الى ما يلي:

1-   تحرير الوطن، وذلك من خلال اعادة الاعتبار الى المفهوم العالمي الذي يحدد الوطن بوجود شعب مكوّن من أفراد قاموا بعقد اجتماعي فيما بينهم وارتضوا العيش معًا ضمن اقليم معين[4]، ما يسمح بإحلال الانتماء الوطني مكان الانتماء الطائفي، مع الابقاء على حرية الايمان والتدين.

2-  اعتبار الانسان اللبناني قيمة بحد ذاته بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الجنسي أو الاثني أو غيره. وهكذا يكون كل انسان، هو القيمة المطلقة بالنسبة للدولة ومؤسساتها وللدين ومؤسساته، ولا يستمد قيمته من الوسيط الديني أو حتى الوسيط المدني.

3-  تحرير الطوائف من الطائفية، وتحرير الدين من التصورات الخاطئة عن الله التي يبثّها المتكلمون باسم الطوائف لأجل استمرارية وجودهم، والادعاء بقدسية السلطة لعدم انتقادها، ومنها التصورات التي تجعل من الله القوة والنصر لفئة المؤمنين به ضد أعدائهم ، القائل بالعنف، بل المحرّض عليه ضد الذين ليسوا من معسكره … كما وتحرير جماعة المؤمنين من التحالفات المشبوهة التي تقيمها الاحزاب الدينية من أجل الوصول الى السلطة.

4-  تحرير المواطنية بما تفرضه من مساواة في الحقوق والواجبات من الامتيازات الطائفية التي تجعلها مواطنية ناقصة، حيث لا مساواة فيها بين المواطنين بل تمييزًا فيما بينهم بحسب انتمائهم الديني.

5-  استقلالية السياسة عن الدين، واستقلالية الممارسة السياسية عن الانتماء الديني والطائفي، وبالتالي استقلالية هذه الممارسة السياسية عن تدخل الرؤساء الدينيين.

6-  تحرير المجتمع من استغلال الحاكم لانتمائه الطائفي سلبًا أو ايجابًا في تسهيل او اعاقة عمل المؤسسات.

7-  القدرة على محاسبة الحاكم ومحاكمته بدون الخوف من التفاعلات الطائفية وبدون ان يعتبر ذلك مسًا بحقوق الطائفة وتهديدًا وتحديًا لها.

8-  تحرير الوظائف من قاعدة (6 و6 مكرر) التي تضرب أسس الكفاءة والجدارة وتخل بمبدأ “الانسان المناسب في المكان المناسب”

9-  استقلالية المجتمع المدني عن المجتمع الديني والعكس بالعكس، مع الابقاء على التفاعل بين القيم الانسانية والقيم الدينية على قدم المساواة، فتغتني القيم الانسانية من القيم الدينية والعكس بالعكس.

10-         استحداث قانون مدني للأحوال الشخصية، وتعميم الثقافة الدينية والاخلاقية والوطنية بدل التعليم الديني في المؤسسات التربوية كافة. 

خامسًا: هل يمكن لنا أن نحلم بتطبيق ذلك في لبنان؟

نحن نؤمن أن المسألة مسألة تمازج والتحام بين اللبنانيين وليس مسالة فرض كما حصل في تركيا، فمن أجل تطبيق النظام العَلماني في لبنان، نحن بحاجة لموافقة غالبية الشعب اللبناني عليه. ويبدو أن المجتمع اللبناني قد بلغ مرحلة من النضوج لتقبل هذه المفاهيم، فالصعوبات لم تعد روحية وايديولوجية كما في السابق بل باتت محض سياسية.

و”يبقى الأمل هو هذه الاجيال الجديدة التي تتخرج من الجامعات كل سنة، هؤلاء سيغيرون وجه المجتمع، بهم يتجدد علميًا وثقافيًا وسياسيًا… وبالتربية والتعليم والكثير من الجهد والصبر والعمل الدؤوب يمكن أن يتحول المواطن في لبنان الى مواطن طائفي الانتماء وطني الولاء.. إنجاز كهذا يحتاج الى دولة قوية، ومسؤولين رؤيويين، ينتزعون الخوف من النفوس، ويزرعون الثقة بين المواطنين”. [5] المشروع جاهز لدى التيار الوطني الحر، لكنه يحتاج ظروفًا مناسبة لترجمته على الارض، وهو يتجلى في العناوين التالية[6]:

 

1)    نعتبر أنّ الديمقراطيّة التوافقيّة، المعمول بها حاليّاً، ليست بالنسبة إلينا هدفًا، ولكنّها تصلح، في المرحلة الراهنة، لأن تكون وسيلة مرحليّة تضمن العيش المشترك في سلام، بانتظار نجاح تحقيق الشروط الكفيلة باعتماد الديمقراطيّة الأصليّة التي تتحدّد فيها الإرادة العامّة بآليّات النظام الأكثريّ، وهي هدفنا ومرتجانا. لذا، سوف نستمرّ في تقديم الاقتراحات ومشاريع القوانين التي نراها قادرة على تعزيز الديمقراطيّة في لبنان وتطويرها.

2)    على رغم أنّ بعض الصفات المدنيّة متوافرة حاليّاً في الدولة اللبنانيّة بموجب الدستور، إلاّ أنّها قائمة أساسًا على الطائفيّة في نظامها السياسيّ والإداريّ، وعلى التشريع الدينيّ في قوانين الأحوال الشخصيّة، دون أن يكون للدولة تشريع مدنيّ خاصّ بها، لذلك وإنطلاقاً من كون السلطة في لبنان تستمدّ شرعيّتَها من الشعب، ومن كون الدولة تكفل حرّيّة الإيمان والمعتقد من خلال قوانين الأحوال الشخصيّة، فإنّنا نعمل على أن تعترف الدولة أيضًا بحقّ المواطنين الراغبين في أن تكون علاقتهم بها مباشرة وليست من خلال الطوائف.

3)    التربية على المواطنيّة هي مشروع متكامل يعمل التيّار الوطنيّ الحرّ على وضعه في خدمة سياسة تربويّة تهدف إلى بناء الدولة اللبنانيّة العصريّة، وذلك من خلال إعادة النظر في أساس مفهوم المدرسة وأهدافها ووسائلها ومناهجها، وفي ذهنيّة إدارتها ومدرّسيها، وإخضاعها لمساءلة المجتمع المدنيّ، فتصبح وطناً مصغّرًا وقادرًا على المزج بين اكتساب المهارات العلميّة وممارسة المهارات المواطنيّة، من خلال وحدة الأهداف فيما بينها.

4)     ظل دور الدولة في الرعاية مغيَّب منذ عهود، وتمّ وضع اليد على مقدّراتها، من أجل توظيفها  ضمن دائرة المصالح الفئويّة والشخصيّة والمحسوبية، ما جعل المواطنين في حالة من التخلّي والعَوَز والخوف من الغد، وجعلهم يلجأون الى طوائفهم للحماية، لذا نعمل على أن تشمل الرعاية الاجتماعيّة جميعَ المواطنين بدون استثناء أو تمييز أو تفضيل من خلال اعتماد نظام متكامل للعدالة الاجتماعية، تكون البطاقة الشخصيّة المتعدّدة الوظائف احدى أركانه.

5)    من خلال مواقع السلطة والقرار التي نسعى إلى تولّيها بأخلاقيّة نضالاتنا السابقة، سنتابع العمل على تحرير المواطن من الإقطاعيّات، من خلال استراتيجيّة إنمائيّة متوازنة، تضمن حقوقه بالتعليم الأساسيّ والصحّة والسكن، وتثبته في أرضه وقريته، مما يؤدي إلى استعادة ولائه للدولة القائمة بواجباتها في الرعاية والحماية، ويتخلى عن الولاءات الجزئية وخاصة الطائفية منها.

6)    سيخوض نوّابنا ووزراؤنا المعركة التي بدأناها ضدّ الفساد والمفسدين في كل الميادين، وذلك بهدف القضاء على استغلال الوظيفة العامّة للمآرب الخاصّة، وإجراء التحقيق القضائيّ ـ الماليّ لوضع حدّ للتدهور الاقتصاديّ والماليّ. انها المعركة التي نخوضها من خلال القوانين والإجراءات العمليّة والتشدّد في العقوبات الخاصّة بالفساد، وتفعيل أجهزة الرقابة والتفتيش، وفصلها عن السلطة التنفيذيّة وإلحاقها بالسلطة القضائيّة، وكفّ يد السياسيّين عن حماية الفاسدين، واعتبار أيّ تدخل مشاركة في الجريمة.


[1]  تبدل هذا الأمر بعد الطائف والصلاحيات التي اقتطعت من رئيس الجمهورية وأعطيت أما لرئيس مجلس الوزراء أو لمجلس الوزراء مجتمعًا، وهكذا تحول ما سمي الغبن الاسلامي الى “احباط” مسيحي.

[2]  انظر: ادمون رباط، مقدمة الدستور اللبناني، دار النهار، بيروت، 2004.

[3]  للتوسع في هذا المضمون: المطران غريغوار حداد، العلمانية الشاملة: عناصر حوار، بيروت، لبنان، 2000.

[4]  – بكلام آخر عدم اعتبار الوطن مؤلف من أجزاء دينية هي الطوائف، بل اعادة الاعتبار الى مفهوم الفرد وحقوقه كمواطن بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي او الجنسي او غيره.

[5] – العماد ميشال عون، رؤيتي للبنان، مكتبة صادر، لبنان، 2007، ص 96-102.

– انظر: البرنامج الانتخابي للتيار الوطني الحر لعام 2009.[6]

  

 

المقاومة الوطنية : صراع مع مشروع بناء الدولة ام تفاعل وتكامل؟

محاضرة قدمت في الرقّة – آذار 2009

مقدمة

أولاً: في المفهوم والتعريف

ثانياً: المقاومة في الاديان السماوية

–       في المسيحية

–       في الاسلام

ثالثاً: حق المقاومة في القانون الدولي

أ- المقاومة: حق أقرّته الثورات التاريخية

ب- حق المقاومة في الامم المتحدة

رابعاً: المقاومة ومشروع الدولة: تكامل وتفاعل أم صراع وإلغاء؟

خاتمة وتوصيات

 مقدمة

يقول المفكرون إن خيار المقاومة يعكس انهيار ثقة المواطنين بالدولة، فاما أن تنشأ المقاومة لتقاعس السلطة عن أداء مهماتها في حفظ الارض والشعب من الاعتداءات الخارجية، فيقوم الشعب أو جزء منه بالدفاع عن الارض ومقاومة الاحتلال، او تنشأ لمقاومة استبداد السلطة وتعسفها فتطمح إلى بناء سلطة بديلة قادرة على تلبية مطالب المجتمع المتعلقة بالحرية الضامنة للكرامة والهوية. فهل هذا يعني ان الدولة والمقاومة مشروعان متناقضان يلغي أحدهما الآخر؟ وهل ما يُطرح في لبنان من أن وجود المقاومة يمنع مشروع بناء الدولة ويعطله، وإن لا دولة إلا بإلغاء المقاومة هو إدعاء حقيقي؟.

سنناقش في هذه الورقة، حق الشعوب في المقاومة لا بل وواجبها أيضاً، فننطلق من التعريف، الى نظرة الشرائع السماوية لهذا الحق، ثم تأكيده من قبل الثورات التاريخية والقانون الدولي العام، وننهي بدراسة السؤال المحوري في هذه الدراسة: هل هناك صراع بين مشروعي الدولة والمقاومة أم تكامل وتفاعل؟

أولاً: في المفهوم والتعريف

نظراً للتفاوت في قدرات الدول في حماية حقوق مواطنيها ، طُرحت مسألة بالغة الاهمية تتمثل بتحديد كيف، ومَن يجب أن يحمي الافراد والمجتمعات في حال اعتدت السلطة الحاكمة على حقوقهم، او في حال عجزت أو قصرت السلطة عن الحفاظ على النظام العام، أو اذا عجزت أو قصرت عن الرد على الاعتداء الخارجي. بمعنى آخر هل للمواطن يقوم بنفسه بحماية حقوقه وأرضه في حال عجز السلطة عن الحماية؟

لن نخوض في أسس مقاومة المواطن للسلطة، ففيها تتوزع مواقف فلاسفة القانون والسياسة بين مذاهب عدة ، وتطرح تسميات مختلفة للانواع التي تقوم بالرفض والمجال لا يتسع لطرحها، بل سنركز موضوعنا على مواجهة العدوان الخارجي كونه الاهم في مرحلتنا الراهنة .

من البديهي ان تكون السلطة هي المسؤولة عن مواجهة اي اعتداء على الوطن والمواطنين فيه، وان تضطلع بمهمة الدفاع والحماية وهو ما يعبر عنه بمقولة “توفير الامن القومي”. وهذا يعود الى اصل ومبرر وجود الدول، اذ ان الوظيفة الاولى التي قامت الدولة من أجلها تتمثل بهذا الامر قبل ان تتطور الى “دولة الرعاية” التي تؤمن الى جانب السلامة الجسدية والأمن والوجود، الرفاه والتطور والرعاية الاجتماعية، لذلك أسميت الدولة في وجهها الاول “الدولة الحارس” او “الدولة الشرطي” وهو ما حاولت النظريات النيو-ليبرالية في الغرب العودة اليه بقوة منذ الثمانينات وخاصة مع وصول الثنائي ريغان وتاتشر الى السلطة في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا.

والسؤال المطروح هنا هل الشعب او المواطن تنازل للدولة عن حقه بالدفاع عن النفس تنازلاً كلياً وعليه ان يتحمل نتائج اداء الدولة نصراً او هزيمة في مواجهة العدوان الخارجي ويستسلم لتلك النتائج من غير حراك ، أم ان التفويض المعطى للدولة في الدفاع والحماية انما هو تفويض قابل للنقض في حال العجز ، نقض يؤدي الى استعادة الحق وممارسته لتحقيق المبتغى وحفظ الوجود والمصالح ؟

يكاد رجال القانون والسياسة يجمعون على امر مواجهة الاعتداء الخارجي، ويقولون بالحق الفردي والجماعي للدفاع المشروع عن النفس، فمن اعتدي عليه وعجزت السلطة عن حمايته كان له الحق بأن يقوم بنفسه برد الاعتداء. وفي الصور الحديثة للممارسة الشعبية لهذا الحق نشأت فكرة المقاومة.

وتعريف المقاومة الوطنية للاحتلال يتجلى في السلوك الذي يبديه شعب ما بطريقة عفوية أو منظمة باستقلالية تامة عن القرار الرسمي بغية مواجهة انتهاك أو اعتداء على الحقوق الوطنية والاهداف الاستراتيجية للدولة، فيكون للدفاع عنها برد الاعتداء استقلالاً أو عبر مساعدة القوى النظامية التي عجزت كلياً عن انقاذ هذه الاهداف الاستراتيجية. اذا، المقاومة في المفهوم الوطني هي “فعل دفاعي لانقاذ حق وطني من عدوان وقع عليه، وابعاد الخطر الذي يتهدده” .

وانطلاقاً مما سبق فاننا نعطي المقاومة التعريف التالي:

 “المقاومة هي ممارسة المواطن لحق مشروع مكفول له، وفقاً لاي شكل متاح، من اجل استعادة حق انتهك او اغتصب، او الدفاع عن حق مهدد بالانتهاك و حمايته، وهي تشتمل على تحرير الارض من العدو الخارجي والتحرر من الاستغلال الداخلي والهيمنة على مقدرات الوطن من قبل فئة لا تمثل الارادة الشعبية”.

ثانياً – حق المقاومة في الاديان السماوية

من البديهي القول ان المقاومة ليست اعتداء على الغير بل هي استعادة لحق مسلوبتأتى، وليست مجرد ممارسة للعنف، بل إنها فعل إنساني طبيعي للحفاظ على الوجود والعيش بكرامة وحرية. ولهذا تشمل المقاومة جميع جوانب الحياة المادية والمعنوية، فقد تكون عسكرية، ثقافية، سياسية، اقتصادية، تقنية وإعلامية كما تختلف أنماطها فتكون فردية أو جماعية، داخلية أوخارجية… لأنها دفاع عن الذات، عن الجماعة وعن الوطن .

ان المقاومة المتجسدة بالدفاع عن الذات ودحر المحتل الغاصب للأرض، ليست بدعة مستحدثة، بل هي حالة وجودية لكل مخلوق، كرستها الاديان السماوية وأقرتها المواثيق والقوانين الدولية.‏ إنها دفاع إنساني مشروع عن الحياة الفردية أو الجماعية ضد من يعمل على قتلها ، وعن الارض والوطن ضد من يعتدي عليهما.

أ- المقاومة في الدين المسيحي:

اذا أردنا استرجاع تطور حق المقاومة تاريخياً، يمكن القول ان صورة “المسيح المصلوب” كانت أول تعبير واضح عن صورة الشهيد الذي يستشهد من أجل قضية سامية، صورة دعا الله البشر من خلالها الى رفض الظلم والطغيان. ودعا المسيحيين الى الاقتداء بالتعاليم الأساسية للمسيح وأهمها  “الشهادة للحق”[1]، ورفض الشر ومقاومته، والثورة على الظلم.

صحيح أنّ المسيح دعا إلى محبّة الأعداء، لكن ذلك لا يعني أنّ المسيح لا يقيم فرقاً بين الإنسان وأعماله. اذ ان  “محبّة الأعداء” لا تقوم على تجاهل العداوة أو على إنكارها، بل على اعتبار العدوّ إنسانًا قابلاً للتوبة، فتكون مقاومة المؤمن له مقاومةً للشرّ الذي فيه، ورجاءً في تحوّله إلى إنسان صالح يلتقي به في الإنسانيّة الواحدة. في المقابل، ان المحبّة- المدعو اليها المسيحي- تفترض التصدّي للأشرار والظالمين والمعتدين حفاظًا على الحياة التي ائتمننا الله عليها.

وفي هذا الاطار، يقول أمبروسيوس، أسقف ميلانو (القرن الرابع): “إنّ الذي لا يصدّ الظلم الذي يهدّد أخاه، في حين أنّه قادر على ذلك، لا يقلّ ذنباً عن الذي يقترف الظلم، وكلّ مجاراة للظالم في موقفه العدوانيّ إنّما هي هزيمةٌ للمحبّة وإنكارٌ لقوّة ملكوت الله الفاعلة منذ الآن في الأرض وتخليدٌ لدوّامة الشرّ”.

اما “الشهادة للحق” التي دعا اليها السيد المسيح، فلها أساليب عدّة: بالقول وبالفكر وبالعمل، وأيضًا بالدم المبذول من أجل الأحبّة. لذلك، ان حياة المسيحيّ كما يدعوه اليه المسيح هي مقاومة مستمرّة طالما هناك إنسان مقهور في حرّيّته أو في رزقه أو في طعام أولاده. 1

والواقع ان الكنيسة التي حكمت اوروبا في العصور الوسطى هي التي أضاءت- بشكل متعمد- على ما جاء في عظة الجبل للسيد المسيح عندما قال: “من ضربك على خدك الايمن در له الايسر”، وعتّمت على كل الجوانب المقاومة والثائرة ليسوع المسيح وذلك لكي يسهل عليها اخضاع المسيحيين لنفوذها، من خلال الادعاء بأن المسيح وعدهم بالعدالة والسعادة في الحياة الاخرى وبالتالي ليس من واجبهم مقاومة الظلم في هذه الارض “الفانية”.

ب-حق المقاومة في الاسلام:

اعتبر الدكتور حسن الجوجو2 أنه “إذا احتل العدو أي شبر من بلاد المسلمين وجب على المسلمين أن يخرجوا للدفاع عن أرضهم ومقدراتهم، ولا أحد يستطيع أن يلغي جهاد السيف والسلاح ضد العدو؛ لأن فيه نصا من قبل الله تعالى:”{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج: 39)… واعتبر أن الجهاد في الشريعة الإسلامية يتعدد، فمنه جهاد الكلمة وجهاد القلم وجهاد الموقف والسيف الخ….1

وبنظرة على بعض آيات القرآن الكريم تتبين لنا الأهمية الكبرى التي يوليها الإسلام لقيمة العدل، – ففي الآية التسعين من سورة النحل: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”،

– وفي الآية الخامسة والعشرين من سورة الحديد “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”.

– في الآية الثانية والأربعين من سورة المائدة أيضا “إن الله يحب المقسطين”.

ويقول الدكتور شاندرا مظفر ان “الهدف من هذا الحض على دفع الظلم إنما هو لتحفيز الناس على اتخاذ موقف منه والعمل على إرساء العدل في حياتهم”. ويتساءل هل هناك أي نص يأمر المسلمين بأن يأخذوا على عاتقهم تحقيق ذلك بالقوة؟  ويجيب ان هناك بعض الآيات القرآنية التي تسمح للمسلمين بأن يلجأوا إلى استعمال القوة ولكن فقط من أجل مقاومة القمع والعدوان. فالآية التسعون بعد المائة من سورة البقرة تقول “قاتلوا في سيبل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنه لا يحب المعتدين”. ويستنتج اذاً أن الله قصر الحق في استخدام القوة ورفع السلاح على مواقف يقع فيها الفرد ضحية العدوان والقمع، وهو يأمرهم بالا بعتدوا على الاخرين، وهو ما يماثل مفهوم “الحرب العادلة” في أدبيات الثقافة المسيحية في العصور الوسطى.1

ثالثاً– حق المقاومة في القانون الدولي العام:

انطلق أب القانون الدولي غروتيوس (1583-1645م)  من فكرة احترام الحق الطبيعي للأشخاص ليدعو الى المقاومة، واعتبر ان حقوق الانسان مستمدة من القانون الطبيعي الأسمى، لذا فان أي انتهاك لهذا الحقوق يمنح الافراد حق مقاومة الظلم والتعسف.  

أ-المقاومة: حق أقرّته الثورات التاريخية

– يمكن اعتبار إعلان الاستقلال الأمريكي (1776) أول وثيقة رسمية تنص صراحة على حق المقاومة. إذ يؤكد نص الاعلان على  “أن المقاومة المسلحة هي المرحلة الأخيرة للاحتجاج ضد الهيمنة الاستعمارية”.

– اما “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” الفرنسي عام (1789م) فقد أقر أربعة حقوق طبيعية للإنسان لا يجوز المس بها: حق الملكية، حق الحرية، الحق في الأمن، الحق في مقاومة الظلم والاستبداد، مؤصلاً لهذا الحق الاخير في الاتجاهات المدافعة عن هذه الحقوق بشكل مبكر. وقد اعتبرت المادة 33 من النص الثاني لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 1793 أن حق مقاومة الظلم هو النتيجة الطبيعية لحقوق الإنسان الأخرى.

“إعلان حقوق وواجبات الإنسان الاجتماعي” – جنيف في 9/6/1793 أقر في المادة العاشرة حقوقاً ستة هي “المساواة والحرية والأمن والملكية والضمان الاجتماعي ومقاومة الظلم”. واعتبرت المادة 44 أن “لكل مواطن الحق في مقاومة الظلم ويحدد شكل المقاومة في الدستور..”.

ب- حق المقاومة في الامم المتحدة

 أقر ميثاق الامم المتحدة في المادة الأولى منه: “حق تقرير المصير والمساواة في الحقوق بين الشعوب”. وجاء في مادته 55 :”رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سلمية وودية بين الأمم المتحدة مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها”.

– لعل التوصية رقم 1514 (15) حول منح الاستقلال للشعوب والأقاليم المستعمرة عام 1960، تشكل النص الأوضح والأكثر تقدما على هذا الصعيد، حيث جاء فيها:

“1- إن خضوع الشعوب للاستعباد الأجنبي أو سيطرته أو استغلاله يعتبر إنكاراً لحقوق الإنسان الأساسية ويناقض ميثاق الأمم المتحدة ويهدد قضية السلام والتعاون في العالم.

2- لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية نظامها السياسي وأن تسعى في ظل هذه الحرية إلى تحقيق نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

5- كل محاولة تستهدف التقويض الجزئي أو الكلي للوحدة القومية أو سلامة إقليم أي بلد تعتبر منافية لأهداف ميثاق الأمم المتحدة.”.

– قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3214) عام (1974م) وفيه نص صريح يشرّع حقّ الشـــعوب بالكفاح المسلح من أجل نيل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير.

رابعاً- المقاومة ومشروع الدولة: تكامل وتفاعل أم صراع وإلغاء؟

لا يمكن بناء الدولة الحديثة الا بحس مواطنية سليمة وصحيحة، تفترض المساواة بين الجميع، وتنشئ المؤسسات القانونية والدستورية والعامة التي لا تقيم فرقاً بين مواطن وآخر.

لكن، المقاومة والمواطنية الصحيحة صنوان لا ينفصلان، فالمواطنية الصحيحة التامة تستوجب لحفظ الحقوق أن يكون حق المقاومة مقدساً ومحفوظاً، وبهذا المعنى تصبح المقاومة حق وواجب على  المواطنين. إنها حق وواجب مكرّس في الاديان السماوية كما في القانون الوضعي وفي القوانين الدولية كما رأينا سابقاً.

المقاومة والمواطنية الصحيحة يتكاملان ويتفاعلان في المجتمعات، فكما تكون التربية على المواطنية الصحيحة حافزاً للشعب لرفض الظلم ع مما يؤدي الى المقاومة والمواجهة، يمكن للمقاومة أيضاً ان تشكل عاملاً توحيدياً يطمس ما تحته من انقسامات وتباينات وهويات تحت وطنية. أما حين يصبح خيار المقاومة عاملاً تقسيمياً، وحين تغدو الانقسامات المجمتعية من الحدة بمكان حيث تختلف المجموعات المكونة للدولة في نظرتها الى العدو وتختلف حول التاريخ والجغرافيا، فان المواطنية تكون ناقصة بامتياز.

وعليه، فإن ثقافة المقاومة يجب أن تكون نهج حياة للمواطنين المنتهكة حقوقهم وأرضهم، ويجب أن يصبح خيار المقاومة عاملاً موحداً للمواطنين، اذ ان التمايزات والاختلافات يجب تسقط عند أبواب التهديد الخارجي والظلم والعدوان وانتهاك حقوق الانسان. من هنا يمكن أن يصبح خيار المقاومة عاملاً للتوحيد في المجتمعات المتعددة والمجتمعات غير المتجانسة، مما يؤدي الى انتشار حس المواطنية الصحيح والترفع عن الاحقاد والضغائن والعصبيات الطائفية والمذهبية . وفي بعض الاحيان، ان ترسخ التربية المواطنية الصحيحة في مجتمعات كهذه تتعدد فيها الانتماءات الدينية والعرقية واللغوية أو الخيارات الثقافية والفكرية، قد يؤدي الى تعزيز خيار المقاومة وتقويته.

ولكن هنا يطرح التساؤل: هل تقاعس جزء من المواطنين عن واجبهم المقاوم، أو تنازلهم عن حقهم في المقاومة يؤدي الى اسقاط حق الاخرين في العمل المقاوم استناداً الى مبادئ المواطنية التي تقوم على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات، وعلى تكافؤ الفرص بين المواطنين دون تمييز؟

بالطبع لا، ان تقاعس جزء أو شريحة – مهما كانت كبيرة- عن العمل المقاوم لا يمكنه بأي حال من الاحوال أن يسقط حق المقاومة وواجبها المفروض على المواطنين الآخرين، ولا يؤدي الى اسقاط حق الفئات الاخرى ولو كانت أقل عدداً.  كما أن تقاعس جيل من الأجيال عن أداء واجبه المقاوم، لا يمكن أن يسقط حقوق الاجيال المقبلة في العمل المقاوم ورفض الظلم.

وهكذا نستنتج انه لا يمكن الفصل بين الدولة والمقاومة. فالدولة الحديثة من حيث هي دولة المواطنين، والتجسيد لإرادتهم تفترض من داخلها مبدأ المقاومة، أي التصدي لكل محاولات مصادرة هذه الإرادة  التي لا تستقيم من دون ضمان حق المقاومة.

وهذا الارتباط بين المقاومة والدولة هو أساس تنظيم الإرادة الشعبية على أسس قانونية وعقلانية سليمة، فالمقاومة تجسد المصدر الشعبي للسلطة، وتعبر عن إرادة المجتمع التي تكمن وراء الدولة وتضمن السير السليم لمؤسساتها، بينما الدولة تشكل التجسيد المؤسساتي لحكم الحرية والسيادة والقانون، ويحصل الانفصال والتعارض بين الدولة المقاومة فقط عندما يؤدي الواقع المأزوم الى إفسادهما معا وأفراغهما من مضمونهما. فينحط معنى الدولة عندما يطابق واقعها لفكرة التسلط والتفرد والاستئثار كما حصل في لبنان في الاعوام الاربعة الماضية، وينحط معنى المقاومة عندما تصبح قناعاً لمشاريع حروب أهلية، وذريعة لتشريع الميليشيات المناوئة لفكرة الدولة والسلطة المركزية، وهذا ما حاول البعض جر المقاومة اللبنانية اليه فلم تقع في الفخ.

 من هنا، يجب العمل الدائم على الانسجام بينهما، بوصفهما مبدأين ناظمين للحياة السياسية في عصرنا: مبدأ السيادة (للدولة) والحرية (للمجتمع). فبالحرية نضمن عدم ارتهان الدولة للقوى الخارجية، وبالسيادة نقي المقاومة من التحول إلى ميليشيا والخروج على القانون والشرعية.

 خاتمة:

في ظل الظروف الدولية الراهنة، وبعد ما حصل في لبنان والعراق وفلسطين، تغدو الحاجة ماسة إلى إعادة تأكيد المفاهيم الإنسانية السليمة للمقاومة، والحفاظ عليها حقوقاً إنسانية ثابتة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقيم الحضارية وبحق الشعوب في تقرير مصيرها، والمحافظة على شرعية مقاومة الاحتلال الأجنبي واستعادة حقوق الشعوب المشروعة.

لقد بات من الضروري في عصرنا الحاضر تنظيف مفهوم حق المقاومة مما علق به من مفاهيم وأهمها “الارهاب”، فالارهاب مختلف جداً عن المقاومة ويبتعد الى أقصى الحدود عن هذا الحق البديهي والجوهري للشعوب. وقد التبس المفهومان وتداخلا في العلاقات الدولية لسببان اثنان: الاول ادعاء الارهابيين بأن ما يقومون به من قتل للمدنيين الابرياء يدخل ضمن حق المقاومة والثاني مصلحة الدول الكبرى في ربط المفهومان بعضهما ببعض من أجل ضرب المقاومات والدول الممانعة وتأليب الرأي العام عليها وحظرها.

في النهاية، نقترح على مؤتمركم الكريم ما يلي من توصيات:

1- التأكيد على خيار المقاومة الأهلية المتمثلة بالتحرير والتحرر معاً، وحيث لا سيادة للدولة ولا لحرية لأفرادها من دونها.

 2- اقرار مشروع متكامل لبناء دولنا على اسس حديثة، ونشره على مستوى المجتمع المدني مما يؤدي الى عدم الكفر بمفهوم الدولة كإطار شرعي وحيد لتنظيم الحياة الاجتماعية أو جزء كبير منها، وكسلطة وحيدة لاحتكار العنف الشرعي. 

3- التأسيس من أجل بناء وحدة عميقة بين الدولة كقاعدة للحياة القانونية والمؤسساتية التي تضمن حقوق الأفراد وحرياتهم وتطمئنهم عليها، وثقافة المقاومة التي تشكل الروح الوطنية في المجتمع.

4- اطلاق عملية إعادة بناء أخلاقية وقانونية وسياسية، تسمح بتخطي العصبيات الطائفية والمذهبية على مستوى المجتمع المدني ومستوى السلطة معاً، والتأسيس لمقاومة متكاملة، ينخرط فيها الجميع كل بحسب قدرته وامكاناته.

5- التأسيس لمشروع متكامل يوطد الثقة والتكامل بين المقاومات وحركات التحرر في العالم، وذلك من اجل بناء  “المقاومة التكاملية” بحيث يصبح نجاح أي مشروع مقاوم هنا، يؤدي الى استفادة هناك، وهكذا يتكامل العمل المقاوم مما يؤدي الى انهيار مشروع السيطرة والهيمنة على المنطقة.


[1]  قال السيد المسيح: “انما جئت أشهد للحق”

1   الاب الدكتور جورج مسوح، معنى الحياة في الرؤية المسيحية،مجلة تحولات، العدد السادس والعشرون، ايلول 2007               

  رئيس محكمة الاستئناف الشرعية في فلسطين.2

1  http://www.islamonline.net

1 www.islam21.net

 

أي لبنان نريد؟

 قدمت في حلقة الحوار الثقافي ضمن محور الوطن في فكر مؤسسي الأحزاب تشرين الثاني 2008

ليلى نقولا الرحباني

 عمر الاحزاب السياسية اللبنانية في لبنان من عمر الدولة التي نشأت في مطلع عشرينيات القرن الماضي. وقد واكبت الاحزاب في تكونها وتطورها الحقبات التي مرت الدولة بها، بدءاً بمرحلة الانتداب الفرنسي مروراً بالمرحلة الممتدة من الاستقلال حتى اندلاع الحرب ثم مرحلة ما بعد اتفاق الطائف وما نتج عنه من تطورات صبغت الحالة اللبنانية الحزبية والسياسية برمتها وصولاً الى ما نحن فيه اليوم من أزمة سياسية مفتوحة.

الجيل الاول من هذه الاحزاب أي جيل مرحلة الانتداب عكس في اهتماماته وتوجهاته ومضامينه الفكرية ونظرته الى الوطن والدولة والانسان أجزاء ومضامين تلك الحقبة من الزمن، فجاءت الاحزاب متنوعة في تنظيمها وأهدافها، فمنها من كان أشبه بالكتل السياسية ومنها من اعتنق عقائد طموحة تجاوزت ليس حدود الدولة الطرية العود فقط بل حدود عدد من دول المنطقة أيضاً.

وظهر الجيل الثاني في دولة الاستقلال وما بعدها وكان أكثر تنوعاً من الجيل الاول وأفضل تنظيماً وأوضح تعبيراً عن واقع الحال السياسي والاجتماعي والايديولوجي في لبنان وبلدان الجوار العربي. فما من عقيدة قومية أو أممية وما من تيار سياسي إلا وكان له تمثيل حزبي في لبنان.

اما جيل الحرب فتجربة غير مشرفة في تاريخ معظم الاحزاب اللبنانية التي تحولت ميليشيات تمارس القتل على الهوية والترهيب وفرض الخوات، وبالتأكيد لم يكن امامها مجال لطرح أفكار ومبادئ ومعتقدات فلسفية فأمام لغة الدم لا مكان للفكر والعقل.وباتت تنظر الى الوطن والدولة في تلك المرحلة من خلال مصالحها الآنية الضيقة ، فحلم البعض بمشاريع التقسيم والبعض الآخر بالوحدة العربية وضاع كل شيء على مذبح المصالح الفئوية الضيقة.

وانتهت الحرب بقرار دولي واقليمي، فخرجت الاحزاب الخاسر الاكبر من انتهاء الحرب فاقدة مصداقيتها وثقة الرأي العام بها وبطروحاتها وشعاراتها.

 لقد تناقضت مفاهيم الاحزاب وطروحاتها ونظرتها الى الوطن والانسان، واختلفت باختلاف البيئة الاجتماعية والتاريخية التي انطلقت خلالها. فمنهم من تأثر بالاممية أو بطروحات القومية العربية فاعتبر الوطن محطة لبلوغ هدف أسمى، والبعض الآخر خاف على المصير في ظل أكثرية من لون واحد، فطالب بجزء من الوطن يقيم فيه دولته الطائفية، القلة من هؤلاء من نادى بلبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه بطوائفهم المتنوعة كافة

إن الخلاف في نظرة أي وطن نريد، أدت الى التجاذب حول السيادة والحدود وأي سلطة شرعية نريد وكيف تمثلنا، وبأية معايير؟.

والآن بعد استكمال مرحلة التحرير واستعادة السيادة لا بد للأحزاب اللبنانية القديمة والجديدة أن تعبر الى مرحلة جديدة تقوم فيها بعملية نقد ذاتي، تنطلق في مصالحة مع المجتمع فتتحول الى أحزاب ديمقراطية غير طائفية… أحزاب تقوم بتنشئة الجيل الجديد على مبادئ انسانية سامية قوامها حق الاختلاف والاعتراف بالآخر المختلف، والخروج من الذهنية الاقطاعية التي تعتبر المحازبين “زلم”، ولتنطلق في اعتبار الانسان قيمة بحد ذاته، القيمة الاساسية والاولى على الارض.

هذا ما يقوم عليه فكرنا السياسي، وعليه فإننا نعتبر أن لبنان وطن نهائي كامل، قائم بحدوده المعترف بها دوليا، ودائم لأبنائه الذين يحملون الجنسية اللبنانية جميعاً.

لكن يتميّز هذا الوطن الذي نريد بانتماء عربي خصوصي حضاري، وقد تميزت العروبة اللبنانية بالانفتاح على معظم الحضارات الشرقية والغربية ذات العقائد الدينية والتقاليد المتنوعة، فتفاعلت معها تفاعلاً إنسانياً ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً واسعاً.

وقد تمسّك لبنان تمسكاً رسولياً عميقاً بلسانه العربي، ودافع دفاع المؤمن الواثق عن اللغة العربية والتراث العربي، ولا حاجة في هذا المجال الى إبراز إنجازاته الظاهرة أو تقويم رسالته القائمة، التي قهرت أساليب التتريك والسلجقة والمملوكية أكثر من سبعة قرون، وهي لا تزال الى اليوم تواجه أي افتراء يأتي من الشرق او من الغرب لتقويض معالم هذه اللغة وهذا التراث.

يضاف الى ذلك أن لبنان كان أول بلد في آسيا وأفريقيا، حقق الاندماج المثالي بين مبدأ الشورى العربي الذي أوصى به الإسلام، والمبادئ الديموقراطية الإغريقية الجذور التي انتصرت في العالم المسيحي حتى في صلب الأنظمة الملكية، فكان نظامه مزيجاً من الشورى والديموقراطية منذ عهد الإمارة المعنية والشهابية، ونظام برلماني لا يجاريه، بالرغم من علله وشوائبه العديدة، أي نظام سياسي آخر في المنطقة.

وانطلاقاً من هذا الواقع الذي تدعمه الحقيقة التاريخية، نرى ان للبنان دوراً تاريخياً وسائطياً رائداً على الصعد الثقافية والعلمية والاقتصادية الرائدة كافة، وفي مختلف ميادين الأدب والفن والفكر والقانون، بين الحضارة الأوروبية الإغريقية اللاّتينية والعالمين العربي والإسلامي.

 وفي إطار هذه الرسالة، كان لبنان في الاربعينيات من القرن الماضي، وعضواً رئيسياً فاعلاً ومؤسساً لجامعة الدول العربية وصانعاً لميثاقها، ونريده دائماً ان يعمل بكل نشاط وقوّة لإنشاء البرلمان العربي المشترك، وتوحيد المؤسّسات الثقافية العربية والمصطلحات اللغوية العربية المشتركة، وإرساء التعاون العربي في مختلف المجالات والميادين.

نريد لبنان الكيان السياسي والجغرافي والنظامي والحياتي، أن يحرص على هويته دائماً، ويحافظ على خصوصيته الوطنية وعلى رسالته الإنسانية والحضارية ، وتنوع ثقافاته التعدّدية المتطورة وحياته الديموقراطية العريقة المتسامحة.

        وفي خط مواز لانتمائه العربي المشرقي نرى ضرورة تفعيل دور لبنان في مجموعة البحر الأبيض المتوسط الذي ينتمي اليه انتماءً جغرافياً، بيئياً، تاريخياً واقتصادياً، كما نراه شريكاً حقيقياً وفاعلاً مع دول جنوب المتوسط الإسلامية وامتداداتها الأفريقية في مصر ودول المغرب العربي. وبهذه الانتماءات جميعها، نرى ان الحضارة اللبنانية تشكل عصارة الحضارات المتوسطية، وتجعل منه ملتقى الحضارات ونقطة التواصل بين الشرق والغرب.

وبالنظر لطبيعة لبنان الجبلية المترامية على الوجه البحري لآسيا الغربية، وموقعه الفاصل بين بوادي الشام والعراق والجزيرة العربية من جهة، وآفاق الأبيض المتوسط القريبة والبعيدة من جهة ثانية، نراه ذا شخصية مميّزة فريدة منذ فجر التاريخ.

وهكذا نرى لبنان منارة وجسر عبور ينقل السلام والخير والتفاعل بين الحضارات والديانات المختلفة. هذا هو دورنا، فلنحافظ عليه.

هذه نظرتنا الى لبنان ونحن من الجيل الجديد للأحزاب الهادفة الى التغيير والاصلاح.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s