الانسان في الاديان

قليلة بل نادرة هي دراسات الأديان المقارنة في اللغة العربية، هنا تقدم (الكلمة) دراسة في هذا المجال للباحثة اللبنانية المرموقة ليلى نقولا الرحباني تتناول فيها نظرتي الإسلام والمسيحية للإنسان بصورة تكشف عن مركزية الكرامة وارتباط الحرية بالمسؤولية، والمساواة الكاملة بين البشر والحض على السلوك الإنساني الراقي.

بهذه العبارات قدمت مجلة الكلمة اللندنية، هذه الدراسة التي نشرتها للباحثة في عددها الصادر في أيلول 2010.

وفي ما يلي نص الدراسة التي أقامت مقاربة مقارنة بين نظرتي كل من المسيحية والاسلامية للانسان، وتباينهما واتفاقهما، وخاصة اتفاقهما على التمييز ضد المرأة.

مقاربة في نظرتي الاسلام والمسيحية للانسان

ليلى نقولا – الرحباني

الفهرس

مقدمة

تمهيد – القرآن والانجيل: أسس الحوار المطلوب

أولاً- الإنسان: القيمة المخاطَبة الاسمى

ثانيًا- الكرامة الانسانية: كرامة كيانية لا يجوز التفريط بها

ثالثًا- العبودية الشاكرة ضرورة

رابعًا- الحرية الانسانية: مرتبطة بالمسؤولية

خامسًا- المساواة بين البشر: مطلقة وناقصة في آن

سادسًا- وصايا للسلوك الإنساني

سابعًا- رجاءات الانسان من الدين

خاتمة

———————————————

مقدمة

لطالما كان الاختلاف بين البشر، حقيقة تاريخية، اختلفت باختلاف مراحل الزمن وتطوره والبيئة الحاضنة له. والاختلاف يعني أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله، وبهذا المعنى، يكون الاختلاف أشمل وأعمّ من الضد؛ لأن كل ضدّين مختلفان، ولكن ليس كل مختلفين ضدّين. عليه، يمكن القول ان الاختلاف في القول والتفكير لا يعني “الضد” دائماً، الا أن الثقافة السائدة، والصور النمطية المتبادلة جعلت “الاختلاف” يُعطى معنى التباين والصراع الذي يدفع الى محاولة الغلبة.

وفي مقاربة لموضوع الاختلاف الطبيعي بين البشر، كان لا بد من نظرة تقييمية لمسار الاختلاف الديني الذي بات سمة القرن الواحد والعشرين، وإدراك حقيقته وجوهره، وحيث يلبس الصراع اليوم طابعًا ثقافيًا، يعيد الى الأذهان، عصورًا غابرة طبعتها الحروب الدينية وغلب عليها صفات حروب الجهاد المقدس، والحروب العادلة، التي أساءت الى الانسانية وأعاقت تطورها، وأدخلت الانسان في جدليات “التأليه” والحقيقة المطلقة، حيث لا حقيقة إلا واحدة، وكل ما عداها هو ضرب من “أعمال الشيطان”، يقوم بها “الكافرون” و”الفاسقون” و”المجرمون”…

وعلى هذا الأساس، وبعد أن بدأت الصراعات بين الأمم والشعوب، تأخذ طابعًا الاختلاف حول النظرة الى الله، وتصورها للعلاقة معه، تأتي هذه الدراسة المتواضعة، لتساهم في مسيرة طويلة لمحاولة إعادة الامور الى نصابها، من خلال التأكيد على القيم الانسانية المشتركة بين الإسلام والمسيحية، بما يجعل قبول حق الاختلاف بين الأديان طريق لبلوغ الوحدة الانسانية، التي تتأصل فيها كل الفضائل والقيم الإنسانية التي تعتبر أن الإنسان قيمة بذاته، وأنه يستمد وجوده وقيمته وكرامته من كونه إنساناً وبإعتباره القيمة الأسمى على الارض.

سنعتمد في بحثنا المقاربة الفلسفية السقراطية التي تحثّ على معرفة الانسان، باعتبار أن لازمها البيّن معرفة الرب، من خلال توأمة المعيارين، الاول وهو “اعرف نفسك” التي يضيف اليها بعض الفقهاء “من عرف نفسه، فقد عرف ربّه”، أما الثاني فهو اعتماد “الحكمة” باعتبار ان الحكيم هو الله، وما على الانسان الا السعي، نحو قمة الحكمة؛ نحو الله.

 وتأسيسًا على ماسبق، تغدو معرفة الانسان من خلال نظرة كل من الرسالتين المسيحية والاسلامية إليه الأساس لمعرفة القيم المشتركة بينهما، فإن اختلفا على جوهر الله وطبيعته، كيف تتجلى نظرتهما الى المخاطب، الى الانسان؟

تمهيد- القرآن والانجيل: أسس الحوار المطلوب

يظهر خطُّ الرسالات السماوية على أنّه خطّ الإنسانيّة السائرة نحو تحقيق أهدافها القيمية، وبالتالي بإدراك هذه الحقيقة، لا تعود النصوص الدينيّة مبرّراً للصراع، بل مجالاً للتلاقي حول هدف الأديان ورسالتها ألا وهو الإنسان.

إذا انطلقنا من أسس تعاليم يسوع المسيح والقيم العامة للإنجيل المقدس، سنجد أنّ القيم المعيارية لا تختلف كثيراً عمّا بشّر به النبي محمد، وعما جاء  في القرآن الكريم من أخلاق التسامح والعفو والرحمة والصبر والمحبّة والانفتاح على الناس والتحرّك من مواقع الخير والدعوة إليه، والوقوف مع المساكين والضعفاء ضد المتكبرين والظالمين… لا بل إن سبر الإنجيل والقرآن في هذه القيم، تجعلنا ندرك أن لا فرق بينهما، إون كان فرق، فقد يكون في الفهم أو التفسير لا فرقاً في العمق والمعنى.

بداية، إن اي حوار مفترض انطلاقه  بين الاثنين يمكن أن يُبنى على ما جاء في القرآن الكريم، الذي عندما أراد أن يفتح الحوار مع أهل الكتاب، فإنطلق في محاولة الحوار من نقطتين تتعلّقان بالعقيدة:

–         النقطة الأولى وحدانيّة الله، التي تنفتح على التوحيد في العقيدة والعبادة والطاعة من خلال كلّ مفردات الحياة، على أن ينخرط الجميع في الحوار في كلّ الأمور انطلاقًا من مسلّمة “التوحيد”. وهو ما عكسته الآية: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً}[1]

–         النقطة الثانية وهي تكملة الآية السابقة: {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله{[2]. أي أن ينطلق الاثنان من أنّ الإنسان واحد يعيش في موقع إنسانيّته، لا يختلف واحد عن آخر، ولا يتميّز إنسان عن إنسان من خلال اللون والجنس والعرق والأرض والمال والنسب… فالخصائص الإنسانيّة التي خصّ الله بها الناس، لا تمثّل إمتيازات تتصاعد في حجم الانفتاح الإنسانّي، لتجعل إنساناً ربّاً لإنسان، بل من خلال الادراك أن للجميع حقوقهم وواجباتهم ومسؤوليّاتهم، وهم سواسية أمام الله والقانون الإلهيّ.

 وبما أن النقطة الاولى أي “التوحيد” هي من المسلمات الاساسية، سنركّز في هذه الدراسة على الاقنوم الثاني وهو الانسان، لنحدد نظرة كل دين من الأديان السماوية المسيحية والاسلام الى الإنسان المخاطب، ومعرفة مدى التلاقي أو التباين بينهما في النظرة اليه.

وفي محاولة لتأطير وترسيخ أسس الحوار المطلوب، لا بد من التركيز على “معرفة الانسان” أو بالعبارة السقراطية “اعرف نفسك”، إذ لا يمكن التأسيس لبناء جسر تواصل مع الآخر إلاّ بفهم الذات في عمليّة ولوج الداخل الروحيّ، حتّى لا يُملي الآخرون على الذات فهماً لذاتها لا تتعرّف عليه إلاّ إذا عادت إلى تأمّل ذاتها تأمّلاً صافياً. ففي أجواء الضوضاء والدعوات الى التعصب والتكفير يكفّ الانسان عن أن يفهم نفسه، فكيف يمكن أن يفهم غيره؟. وفي الأجواء التي يكفّ فيها كل فريق عن أن يفهم نفسه، بالتأكيد يستطيع الآخرون أن يدخلوا عليه، الى فكره وشعوره وواقعه، وبالتالي الى الكثير ممّا لا يلتزمه لو تأمّله، والكثير ممّا قد لا يعيش في عمقه لو فكّر فيه.

عندما ينطلق الإنسان ليفهم نفسه وليمتلك حرّيته في ما يقرّر ما يريد أو ما لا يريد، سيّما وأنّه يستطيع أن يحاور ذاته، عندئذٍ فقط يمكنه أن يحاور الآخرين، فيكفّ الانسان عن أن يكون ذاتاً تصارع ذاتاً، ليصبح فكراً يصارع فكراً، وينطلق الحوار في الحياة تيّاراً يهدر وينبوعاً يتفجّر وحركة تحرّك الفكر والعاطفة والوجدان، ومنهجاً للسير بالحياة إلى أهدافه الكبيرة.

انطلاقًا من كل هذا، كان لا بد من دراسة ومعرفة كيف يحدد الانسان نفسه من خلال دينه، أو، بالاحرى، كيف يحدد الدين نظرته الى هذا الانسان، عندها يستطيع الانسان أن يكون هو ولا يكون غيره، من دون أن يشعر ومن دون أن يريد، وعندها يصبح الالتزام الديني جسرًا للوصول الى الآخر وليس فقط للإطلالة عليه، أو الاختلاف معه وتكفيره.

أولاً – الإنسان: القيمة المخاطَبة الاسمى

في قراءة معقمة لنصوص الكتاب المقدس نرى أن العهد الجديد هو عبارة عن متابعة وسيرة لإله متجسد يخاطب الأب ويتوجه اليه، ثم يتوجه الى الناس ويدعوهم الى نفسه، وبالتالي نجد إذاً أن العهد الجديد يتضمن مزيجًا من خطابين:

–       يخاطب الابن المسيح الله الأب، من موقعه كإنسان.

–       وحينما يخاطب الناس، فإنما يخاطبهم من موقعه كإله.

وهكذا نجد حضورًا قويًا للإنسان في العهد الجديد، فالله هو الذي خلق الانسان في الأساس، ثم تجسّد وصار إنسانًا من أجل أن يفتديه ويخلصه من الخطيئة… وهكذا يصبح علم الانسان المرتبط أصلاً بعلم اللاهوت غير قابل للانفصال عن العلم الخاص بيسوع المسيح “ابن الانسان”.

أ- الانسان في مستهل الخليقة

تتباين المسيحية والاسلام في تصورهما للإنسان في مستهل الخليقة، فبينما تتصوره المسيحية تصوّرها لكائن أبدعه الحب الالهي من فيض ذاته[3]، يتصوره الاسلام الانسان كائنًا أنشأته المشيئة الالهية خارج دائرة السمو الالهي، ثم ينكر الاسلام كل اتصال بين التسامي الالهي والوجود الانساني، بالمقابل تبني المسيحية عقيدتها على قاعدة الاعتراف بالطبيعية الدينية للانسان، من خلال “تجسد الله” وحلوله بين البشر[4].

ب- شراكة مقابل قربى

في حين تبني المسيحية مفاهيمها على مبدأ “الشراكة” بين الله والانسان، يشدد الاسلام على تعابير القربى[5] بينهما، لكن ايمان الكنيسة بأن الانسان لديه طبيعية دينية، هي نقطة نجد ما يماثلها عند المسلمين في الحديث عن الفطرة[6]، وإن كانوا يتباينون مع المسيحيين في الحديث عن “الشراكة” لما تنطوي عليه هذه العبارة من مخاطر الاشراك[7].

ج- جذور المشكلة الانسانية

اختلف الاسلام عن المسيحية في توصيف المشكلة الانسانية، فالخطيئة الاصلية التي تقول بها المسيحية[8]، قابلها “الابتلاء” عند المسلمين، والابتلاء يعني بالنسبة لهم ليس الامور السلبية والمكاره فقط، بل إن الصبر على النعم أيضًا فيه ابتلاء[9]. وبحسب بعض الفقهاء المسلمين، إن الفقر كما الغنى ابتلاء، والصحة كما السقم ابتلاء[10].

د- الصفات الانسانية

 اتفقت المسيحية والاسلام على صفات الإنسان الأساسية، فقدمت المسيحية الانسان باعتباره على صورة الله ومثاله، وتتنازعه صفتان، صفته الانسانية البشرية وصفته الانسانية الالهية المستمدة من المسيح، وقام الاسلام بالتأكيد على هذا الامر في الآية التي تحدثت عن قرار الله بخلق الانسان[11] والتي قسّمت خلق الانسان الى قسمين[12]: خلقه كبشر من جهة أولى، ونفخ الروح الالهية فيه من جهة ثانية ، والذي بها كان الانسان إنسانًا، يستحق أن يكون مستودع أسرار علم الأسماء[13] ومهبط الوحي[14].

وكما المسيحية التي تعدد الصفات الانسانية بانها تتراوح بين الخير والشر، وإن شخصية كل انسان هي مزيج من الصفات السلبية والايجابية فهو من ناحية كائن حر أخلاقي ذو ضمير وفضيلة وفي نفس الوقت مجبول بالخطيئة والهوى والضعف، وبنفس النظرة أتى توصيف الانسان في القرآن الكريم بأنه مخلوق ضعيف[15] وييأس بسرعة[16] وإنه عجول[17] كفور وحريص[18]، لكن بالرغم من كل هذه الصفات السلبية، فالانسان كما ينظر اليه الاسلام، هو في نفس الوقت، لديه القابلية لحمل أعظم الامانات[19]ولا يسأم من دعاء الخير.

ثم تعود المسيحية والاسلام لتؤكدا إن الارادة الانسانية الخيّرة تستطيع التغلب على قيم الشرّ كما استطاع المسيح أن يتغلب على قيم الشر بعدم الوقوع في التجربة والاغراء الشيطاني[20] ومثلها أشار القرآن في آيات عدة الى عدم قدرة الشيطان على التغلب على الانسان[21] لأنه يتمتع بإرادة صلبة.[22]

ثانيًا – الكرامة الانسانية: كرامة كيانية لا يجوز التفريط بها

أكدت الرسالتان أن للانسان كرامة كيانية لا يجوز التفريط بها على الاطلاق، فبحسب التصورات الايمانية، يقوم الانسان في منزلة القطب الأساس والمركز ومحور الكون كلّه، وكرامة الانسان مستلّة من كرامة الله، لأن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله[23]كما تقول المسيحية، ويجاريها الاسلام بالقول ان الله يكرّم بني آدم[24] ويأمر الملائكة بالسجود له[25] ثم اضاف بإن الله خلق الانسان في أحسن تقويم[26] وهو بالضبط ما قاله المسيحيون[27].

 وما الحديث عن استخلاف الله للانسان على الارض الا دليل واضح عن درجة الكرامة الانسانية التي يتمتع بها الانسان في النصوص القرآنية: (اني جاعل في الارض خليفة)[28] فما ينطوي عليه التصور الاسلامي والمسيحي للخلق هو ان الله قد خلق الإنسان من العدم وفوّض اليه إدارة شؤون الكون وأقامه مسؤولاً عن رعاية الارض وما حولها.

ثالثًا- العبودية الشاكرة ضرورة ومصلحة

تؤكد المسيحية والاسلام أن أصل الكرامة الانسانية – التي تحدثنا عنها- هو في عطية الخلق الالهي، فالله هو الذي أبدع الانسان أفضل إبداع وصوّره أبهى تصوير، وهو الذي زرع فيه بذار الكرامة التي تليق به كصنيعة الله لا مثيل لها. وهكذا نجد أن الاسلام يؤمن أن الله هو الذي يغني الانسان من فيض افضاله[29] وبنفس المنظور تعتقد المسيحية أن الخلاص هو عطية من الله.[30]

وبما أن الكرامة الانسانية تنبع في الاسلام والمسيحية من المنحة الالهية، لذا على الانسان أن ينحت وجوده كله ليطابق هذه المنحة الالهية، وبالتالي يجسد “عبوديته الشاكرة”، ومعناها أن كرامة الانسان لا تتجلى كاملة القوام الا بفعل العبادة التي تعترف بصدارة الهبة الالهية، وبفعل الشكر الذي يلزم الكيان الانساني بأسره.

لكن العبودية التي يحددها الدين، ليست تلك العبودية بمفهوم الذلّ. أوإن كان أنحراف في هذه الرؤية فمرده الى البشر الذين جعلوا من الدين قيودًا لمنع الانطلاق وتقييد الفرد ليصبح الانسان عبدًا للانسان بدل أن يكون حرّا في ذاته وعبدًا لله.

 المؤكد أن الدين أتى ليرسم طريقًا لتخليص الانسان من القيود الثقلية التي تمنعه من الحركة أو ترديه في التهلكة من خلال رسم مسيرة خلاصية واعتماد ضوابط السلوك، فهو قد دعاه الى الشعور بعظمته وكبره وان “لا أكبر منه الا الله”.[31]

ولا ينسى القرآن التنبيه من ان ندرة الشاكرين[32]، لا تعفي الانسان المسلم من فعل الشكر[33]. بل إنه ملزم دائمًا بتقديم العبادة والشكر لله، وذلك لمصلحته الخاصة، فطالما يكون الانسان عبد الله، فإن الله يقدم له كل احتياجاته وكفايته[34].

وبنفس الروحية ولمصلحة الانسان الخاصة، يدعو الكتاب المقدس ايضًا، المؤمنين الى شكر الله لتفيض عليهم النعمة الالهية. [35] 

رابعًا- الحرية الانسانية: مرتبطة بالمسؤولية

ان التصور المسيحي والاسلامي السابق للكرامة الانسانية المرتبطة بالعبادة، لا يحرم الانسان المؤمن من الحرية الجوهرية المرتبطة بالمسؤولية، فهي تضمن له حرية القول والفكر والفعل، وتحمّله مسؤولية هذه الافعال طالما وهب الله له عقلاً وحدد له الضوابط والقيم، وترك له مساحة الاختيار.

وهذه الحرية التي هي من الله، هي مُطْلَقة فيما يرى الإنسان ويعتقد، وفيما يأخذ وفيما يَدَع، فقد خلقه الله حرَّ التفكير والإرادة والممارسة لتتحوّل الحرّيّة في حياته إلى عقيدة وإيمان وتصميم وعمل، فليس له أن يتنازل عن حرّيّته للآخرين بحجّة ضغط الآخرين عليه.

تفرد النصوص الدينية المسيحية والاسلامية مساحة واسعة للآيات التي تتحدث عن مسؤولية الانسان وحريته في تدبير أمور حياته، ففي القرآن الكريم، يبدو الله هو الذي يكتب لكل انسان ما يصيبه[36] ويضلّ من يشاء ويهدي من يشاء[37] وهو يعلم أسرار القلوب ونوايا النفوس[38] غير ان الانسان الذي يستنهضه الحق الالهي يظل حراً في اختيار الايمان أو الكفر[39].

أما الحرية في الدين المسيحي فهي نابعة من صورة الله المرتسمة في أعماق كيانه، بيد أن هذه الحرية ترتبط بفعل “الحب” الذي حرر به المسيح الانسان من عبودية الخطيئة[40]، وفي نفس الوقت ان روحية النص الانجيلي تعطي الانسان الحرية الكاملة في الاضطلاع بمسؤوليات حياته كاملة، فالانسان المسيحي مدعو الى الاقتداء بالمسيح إقتداء الاختيار الحر.[41]

خامسًا- المساواة بين البشر: مطلقة وناقصة في آن

تدعو الديانتان الى المساواة المطلقة بين البشر، وتقول أن هذا الأمر ينبع بالأساس من “الخَلق”، إذ أن الله خلق الانسان في الأصل من نفس واحدة كما جاء في القرآن[42] ، وكما أشار الانجيل الى رمزية آدم بأنه الاصل الواحد للبشرية[43].

وبالرغم من أن الديانتان أقرتا المساواة التامة بين البشر، إلا انهما عادا وخرقا هذه المساواة من خلال تمييزين:

 

1-   التمييز بين المؤمن وغير المؤمن:

إن المساواة بين البشر التي ركّز عليها القرآن من خلال تأكيده على أن “ابناء البشر في مستوى الخلق متساوون في الكرامة عينها”، عاد في آيات التشريع الى المفاضلة بين المسلم وغير المسلم: “كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”[44].

وهو ما نجده أيضاً في المسيحية التي أعلنت المساواة المطلقة بين البشر، في القول “فليس بعدُ يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح”[45]، ثم عادت في مستوى التشريع والتدبير الرعائي، وفي نصوص عدة من الكتاب المقدس لتفاضل بين المسيحي وغير المسيحي:”وأما أعدائي أولئك الذين لم يردوا أن أملك عليهم، فاتوا بهم الى هنا، واذبحوهم أمامي”[46] ومن خلال الآية الواضحة التي تجعل الايمان بالمسيح هو الممر الوحيد للوصول الى الله: “أنا هو الطريق والحق والحياة لا أحد يأتي الى الله الا بي”، وكذلك في الآية: “أنا الكرمة وأنتم الاغصان، من يثبت فيّ وأنا فيه، فهو يأتي بثمر كثير… إن كان أحد لا يثبت فيّ، يُطرح خارجًا كالغصن فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار فيحترق”[47].

2– التمييز بين الرجل والمرأة

اتفقت الديانتان السماويتان على التمييز الفاضح بين الرجل والمرأة، فقد أعطى الاسلام الرجل والمرأة قيمة متساوية في آيات الخلق، “يا أيها الناس إنّا خلقناكم شعوبًا وقبائل لتتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم”[48] وفي الآية التي تقول “من يعمل الصلحات من ذكر وأنثى وهو مؤمن، فاولئك يدخلون الجنة”[49]

لكنه، بالرغم من أهمية هذه الآيات، عاد وفاضل بين الرجل والمرأة في التشريع، فمنح الرجل امتيازاً على المرأة “وللرجال عليهن درجة”[50] وليس الذكر كالأنثى[51] وللذكر مثل حظ الانثيين[52] ، وكما الاسلام كذلك فاضلت المسيحية بين الرجل والمرأة، وخاصة في تعاليم ورسائل بولس الرسول “أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح، أما رأس المرأة فهو الرجل”…” لا ينبغي للرجل أن يغطي رأسه لكونه صورة الله ومجده، وأما المرأة فهي مجد الرجل”.. ” ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل”[53]

وفي رسائل عدة، يصرّ بولس الرسول على التأكيد على دونية المرأة بالنسبة للرجل، “اني لا ابيح للمرأة أن تعلّم”[54]… “كما في جميع كنائس القديسين، فلتصمت النساء في الجماعات، فإنه غير مباح لهن أن يتكلمن، بل عليهن أن يخضعن، على حسب ما يقوله الناموس. فإن شئن أن يتعلمن شيئاً فليسألن رجالهن في البيت، إذ لا يليق بالمرأة أن تتكلم في الجماعة”[55]

سادسًا- وصايا للسلوك الإنساني

ذكر العهد القديم الوصايا العشرة، ثم عاد العهد الجديد ليحدّث فيها[56] ويضيف اليها الكثير من الشرح والتفسير، ولعل أهم ما جاء في العهد الجديد بخصوص الوصايا العشر هي عظة الجبل التي ألقاها السيد المسيح، والتي قال انه لم يأتِ لينقض الشريعة بل ليكملها ، ولكنه من خلال الشرح أعطى مفهومًا جديدًا للوصايا العشرة أن الالتزام بالوصايا يجب ان ينبع من القيم الخيرة للانسان وليس من خوفه من العقاب[57]، ويؤكد أن الانسان أهم من القانون، وإن القانون الذي أتى في الوصايا في خدمة الانسان وليس الانسان في خدمة القانون، ونذكر من وصايا العهد القديم ما يلي:

1- “لا يكن آلهة أخرى أمامي”. أضاف اليها السيد المسيح “أن نحب الرب إلهنا من كل قلوبنا ومن كل أنفسنا ومن كل أفكارنا”[58].

2-   “لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً”. وقد أكد عليها العهد الجديد وأضاف “لا ينفعنا شيئاً أن نكرّم الله بشفاهنا إذا كانت قلوبنا مبتعدة عنه”[59].

3-   لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً”. وأضاف اليها المسيح عبارة ” أما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة… بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير”.

4-    “اذكر يوم السبت لتقدسه”. فيأتي العهد الجديد ليقول “الله جعل السبت لأجل الإنسان، وليس العكس”[60]

5-    “أكرم أباك وأمك”. ويضيف اليها بولس الرسول التحذير من أنه في الايام الاخيرة ستأتي أزمنة صعبة للناس المحبين للمال والمتعظمين والمستكبرين والمجدفين وغير الطائعين لوالديهم..[61]

6-    “لا تقتل”. يأتي العهد الجديد ليشرح أن هذه الوصية ليست مجرد نهي عن ارتكاب جريمة القتل بل إن من يغضب على أخيه باطلاً أو يهين أخاه، فإنه يرتكب خطيئة القتل”[62]، ويصل الرسول يوحنا إلى القول: “كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس”[63].

7-    “لا تزنِ”. أضاف اليها المسيح “كل من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه”[64]

8-    “لا تسرق”. ولم يقتنع بولس الرسول بالقول إن اللص يجب أن يمتنع عن السرقة فحسب، بل عليه أن يشتغل وأن يعمل لكي يتحول من سارق الى إنسان محسن “فلا يسرق السارق فيما بعد، بل بالحري يتعب عاملاً الصالح بيديه ليكون له أن يعطي من له احتياج”[65]

9-   “لا تشته”. ويضيف بولس الرسول “الطمع هو عبادة، عبادة الأوثان”[66]

أما الاسلام فقد جاء في القرآن الكريم سورتان أطلق عليها بعض العلماء آيات الوصايا العشر، وهذه الآيات في موضعين:

        1- سورة الأنعام

( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 153)

2-  سورة الإسراء

( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا (28) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً(32) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنة كان منصورا(33)

 سابعًا – رجاءات الانسان من الدين

قد يقول قائل ان رجاءات الانسان تختلف باختلاف البيئة الثقافية والانسانية والاجتماعية التي يعيش فيها، ولكن بغض النظر عن هذا الاختلاف هناك قواسم مشتركة في رجاءات الانسان المؤمن من الدين سواء كان مسيحيًا أو مسلمًا، إذ ان الانسان بما هو إنسان – يحيا مع مشاعره وهواجسه وقلقه وأفكاره- يشكّل منطلقًا لجملة من القيم البانية أو المبنية من الدين، بغض النظر عن التزامه بأي دين من الاديان.

 أهم رجاءات الانسان من الدين:

–       تحقيق السعادة الانسانية؛ سواءً في الدنيا أو في الآخرة، لأن الدين يشكّل للبعض حالة من اللجوء الى السكينة أمام القلق والاضطراب الذي تمليه مشاكل الحياة وأزماتها.

–       سيادة قوانين ومُثُل عليا تفتح عيون الحياة على عالم من الرقابة الالهية تأخذ بيد المحتاج، وتدفع بتثبيت أسس الحق والقسط والعدل بمساواة في النظرة والموقف من كل الناس. ففي بعض الاحيان، تبدو القوانين عاجزة عن تأمين العدالة والانصاف للمظلومين، وأحيانًا يُظلم المقتول الضحية ويُكافأ القاتل والمعتدي…. لذلك، فإن الرجاء الانساني يبقى أن الله لا يغيب عنه شيء وهو أقرب للإنسان من نفسه، وسيحاسب الله الظالمين ويسترد حقوق المظلومين ولو بعد حين.

–       إضاءة طريق الهداية التي تعطي الانسان القدرة على مواجهة القلق والألم والحزن والموت… فالدين في هذه النظرة هو بالنسبة للانسان قوة انتصار على عناصر الضعف الموجودة وأهمها الموت والمرض والشيخوخة.

–       الخلاص من شعور ملاقاة المجهول الذي يتربص كل انسان بعد موته، من خلال الإيمان بأن هناك حياة بعد الموت يعمل الانسان من أجلها في حياته.

–       التوازن في بناء الإنسان النفسي وشخصيته العملية؛ بحيث إنه يعرف مصدر وجوده ويعيش حياته منتميًا الى ذاك المصدر الذي هو مآله ومصيره.

لكن الملاحظ أن هذه النقاط الخمس[67] المشتركة بين المؤمنين من كلا الطرفين، هي التي تصيغ نظرته القيّمية الى دينه والى الاديان الاخرى، فتشكّل في نفس الوقت مفترق التمييز والتمايز بين المؤمنين الذي قد يفضي أحيانًا الى توهين صورة الآخر في الوقت الذي يضفي على دينه كل مقامات السمو والاطلاق، بل ويحصر كل درجات الكمال في دينه بحيث لا يتصور وجه الرحمة الالهية خارج خصوصية دينه، ويجتهد كل واحد في تصوير مذهبه بأنه “الطريق الوحيد للخلاص”، و”الممر الاجباري” نحو الله.. ولا يرى في الآخر الا عدواً لله.

وهكذا، يظهر أن قيم الرجاء الانسانية التي تقدم بصورة حصرية، وبالرغم من اشتراك الاديان فيها، قد تكون هي المسبب للنزعة الالغائية والحروب الدينية، والصراع على المقدس.

خاتمة واستنتاجات

إن القراءة المعمقة للتصورات القيمية والقيم الانسانية المشتركة بين الاسلام والمسيحية ومقارنتها، والاستدلال بالشواهد من الانجيل المقدس والقرآن الكريم والاحاديث النبوية الشريفة، تؤدي الى الاستنتاج التالي:

أولاً: إن أصل الاجتماع والصراع الانساني هو أمر فطري، وجد مترافقاً للطبيعة الانسانية، وقد عاش الناس هاتين الصفتين في حياتهم اليومية، ثم أتى الدين بقيمه الاخلاقية السامية وضوابطه لإقامة التوازن بين هاتين الخاصتين في الحياة الانسانية.

ثانياً: إن الاصل في الدين هو جذب موارد الخلاف نحو مدار الائتلاف. ففي الوقت الذي يعترف الدين بأحقية الاختلاف بين البشر، فانه يسعى الى ضبط هذا الاختلاف وتحديد أطره بحيث لا يتحول الى خلاف وصراع دامي، وذلك بربطه مسار الاختلاف، بوحدة الانتماء الى المصدر والمبدأ الاساس وهو الله.

ثالثاً: كما ان الاختلاف في الامور الدنيوية أمر طبيعي، والصراع في المجتمع الانساني قد تمّ تنظيمه وضبطه من خلال القانون الوضعي، الذي أقيم خصيصاً لهذه الغاية، تأتي الشرائع السماوية عبارة عن قوانين لضبط الصراعات، سواء كانت في صراع الانسان مع نفسه، أو صراعه مع الآخر، أي ذلك الصراع الابدي بين الخير والشر.

وهكذا تكون النتيجة المنطقية، ان الصراع والاختلاف في الدين، ليس من طبيعة الدين نفسه، بل يعود الى عوامل نفسية وصور نمطية، وبالاخص الى سلطات دينية تنصّب نفسها وصية على الدين، وعلى النص الديني، وعلى الجماعة المنتمية.

لذا ندعو الى استبدال التعليم الديني في المدارس، بمناهج تركّز على الثقافة الدينية التي تقوم على تعليم الطلاب مبادئ الأديان كافة لجميع الطلاب لأي دينٍ انتموا.

وفي النهاية، لا بد لنا من موقف ما، ففي ظل عودة “المقدس” الى حلبة الصراعات السياسية الدولية والوطنية، تسكننا الخشية من أن تكون هذه العودة المستعجلة “غير الواعية”، مساراًً لعودة التاريخ الى الوراء، فيتكرر الخطأ القديم الذي مثّلت فيه السلطات الرسمية للأديان سيادة إلهية باسم الله، ونسبت كل رؤيتها ومعتقداتها وانحرافاتها الى الله.

لذا، الجميع مدعو الى وقفة ضمير وتحمّل المسؤولية التاريخية بالمراجعة النقدية للدين والحياة وموقع الاله والانسان والمؤسسات الدينية من ذلك، فلا يكون البشر مرتهنين لواحد من خيارين: إما الانغلاق على الذات وانتهاج النهج التكفيري للآخر، وإما الاندفاع نحو فقدان الخصوصية الذاتية والاستقرار… 

لا يمكن الاستمرار في الخلط بين المتحول والثابت، والعابر والدائم، فادراك الثابت في منظومة القيم الدينية الضاربة في قعر الذات الانسانية، والتي تطال عمق الوجدان الانساني في جوهره ووجوده وخلقه، وفي صفاته التي منحه اياها الله، يؤدي الى التركيز على معايير الحق والعدل والتسامح بما هي أسس هذه المنظومة القيمية الراسخة، واستخدامها في ملاقاة الآخر في المسير نحو السلام واحقاق الحق، فالسلام هو قبل كل شيء ثقافة وخيار وإرادة، ثم عمل وممارسة، ممارسة يمكن ان تنبع من قول السيد المسيح: ” كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، فافعلوه أنتم أيضًا لهم”.


[1] آل عمران/64.

[2] المرجع نفسه.

[3] معجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق، بيروت، 1983، ص 11.

[4] رسالة بطرس الثانية 1:3-4

[5] البقرة، 186.

[6] سورة الروم، آية 30

[7] الاب الدكتور مشير عون، هوية الانسان في المسيحية والاسلام والعلمانية، ورقة عمل مقدمة الى مؤتمر الاسلام والمسيحية بحوث في نظام القيم المعاصر، لبنان، 2003.

[8] الخطيئة الاصلية هي خطيئة آدم والتي دفع الناس ضريبتها، الى أن تجسد يسوع المسيح من أجل خلاص الانسان وفداء البشرية.

[9] تتحدد الابتلاءات في القرآن الكريم بستة: الشيطان، النفس(الامارة بالسوء)، الطاغوت(المجتمعات المنصاعة لإرادة الشر)، الانحرافات التي تحصل في مواقع الحق، الالفة الاجتماعية الناتجة عن إرث السلف وتبنيها دون تمحيص وتدقيق، إسكات صوت العقل والاعتماد على المؤسسات الدينية كممثل وحيد لمشروعية أحقية أي فكرة.

انظر في هذا المجال: الشيخ شفيق جرادي، إلهيات المعرفة، معهد المعارف الحكمية، 2006، ص14.

[10] المرجع نفسه، ص 17.

[11] ( وإذ قال ربّك للملائكة إني خالق بشرًا من طين* فإذا سويّته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) سورة ص، آيتان 71 و72.

[12] الراغب الاصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن الكريم، تحقيق عدنان الداوودي، دار القم، دمشق، 1996، ص 124.

[13] سورة البقرة، آية 31.

[14] سورة الكهف، آية 110.

[15] وخُلق الانسان ضعيفًا – سورة النساء، آية 28.

[16] ( ولئن أذقنا الانسان رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور) – سورة هود، آية 9.

[17] سورة الاسراء آية 11

[18] سورة الاسراء، آية 67.

[19]: (إنّا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فأبَينَ أن يحملنها، وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلومًا جهولا)- سورة الاحزاب، آية 72.

[20] انجيل لوقا (( 4: 1-13

[21] تحدث الانجيل المقدس عن التجارب التي حاول الشيطان ادخال يسوع المسيح فيها، والتي نجح في أن يتخطاها جميعها، اما في القرآن فيرد ايمان القرآن بقدرة الانسان من خلال آيات عدة ومنها: ان عبادي ليس لك عليهم سلطان) – سورة الأسراء، آية 65 وسورة الحجر، آية 42

[22] سورة النحل آية 4.

[23] الانجيل المقدس ، التكوين 27.

[24] سورة الاسراء، آية 70.

[25] سورة البقرة، آية 34.

[26] سورة التين، 4 .

[27] المزمور: 8: 4-8

[28] البقرة ،30 .

[29] سورة النور ، آية 32.

[30] رسالة بولس الى أهل افسس، 2:8.

[31] العميد أمين حطيط، محاضرة غير منشورة القيت في الجامعة اللبناينة في صيدا– الفرع الرابع، آذار 2009.

[32]: “إن الله لذو فضل على الناس ولكن اكثرهم لا يشكرون”- سورة يونس 60.

[33] (فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له)- العنكبوت 17.

[34] (أليس الله بكافٍ عبده)- سورة النمل، آية 69.

[35] “وفي كل وقت على كل حال ، اشكروا الله الآب باسم ربنا يسوع المسيح”- رسالة بولس الى أهل أفسس(20:5)

[36] التوبة51

[37] الانعام 39

[38] الانفال 70.

[39] الكهف 28.

[40] رسالة بولس الى أهل غلاطية 15: ورسالة يعقوب 251:

[41] انجيل لوقا 23:9

[42] الرمز 6.

[43] رسالة بولس الى أهل روميه 14-12:5

[44] آل عمران110 ، النحل 76.

[45] رسالة بولس الى أهل غلاطية 28:3

[46] لوقا 19:27

[47] انجيل يوحنا 15: 5-6

[48] الحجرات 13، القيامة 38

[49] النساء 124

[50] البقرة 228

[51] آل عمران 36

[52] النساء 176- 11

[53] رسالة بولس الاولى الى أهل كورنثوس، 11:3-11

[54] رسالة بولس الى تيموثاوس 12:2

[55] رسالة بولس الاولى الى أهل كورنثوس 14: 33-35

[56] انظر انجيل متى 5: 17-48

[57] وقد جاء حرفيًا في انجيل متى، ان المسيح وعظ تلاميذه على الجبل، فقال:

 قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. 22 وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلًا يكون مستوجب الحكم. ومن قال لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع. ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم. 23 فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لاخيك شيئا عليك 24 فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولا اصطلح مع أخيك. وحينئذ تعال وقدم قربانك. 25 كن مراضيًا لخصمك سريعًا ما دمت معه في الطريق. لئلا يسلمك الخصم إلى القاضي ويسلمك القاضي إلى الشرطي فتلقى في السجن. 26 الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الاخير. قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن. 28 وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه. 29 فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك. لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم. 30 وإن كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها وألقها عنك. لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم. وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. 32 وأما أنا فأقول لكم إن من طلّق امرأته إلا لعلّة الزنى يجعلها تزني. ومن يتزوج مطلّقة فإنه يزني.3 أيضا سمعتم أنه قيل للقدماء لا تحنث بل أوف للرب أقسامك. 34 وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة. لا بالسماء لأنها كرسي الله. 35 ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه. ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك العظيم. 36 ولا تحلف برأسك لانك لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء. 37 بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير. سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن. 39 وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضاً. 40 ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا. 41 ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين. 42 من سألك فأعطه.ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده. سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. 44 وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم. 45 لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات. فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين. 46 لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم.أليس العشارون أيضا يفعلون ذلك. 47 وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون. أليس العشارون أيضًا يفعلون هكذا. 48 فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل.

[58] متى: 37/ 22

[59] أشعيا:13/29، مرقس:6/7

[60] مرقس:27/2.

[61] رسالة بولس الثانية الى تيموثاوس 3:1-3

[62] عظة الجبل، انجيل متى، الاصحاحات الخامس والسادس والسابع.

[63] رسالة يوحنا الاولى.

[64] متى:28/50. – عظة الجبل.

[65] رسالة بولس الى أهل أفسس:28/4

[66] المرجع نفسه.

[67] الشيخ شفيق جرادي، المرجع السابق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s