المحكمة الدولية الخاصة بلبنان: نسخة مطورة عن حرب 2006

مقدمة

اعتُبر الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000 بمثابة هزيمة لاسرائيل لكونها المرة الاولى التي تنسحب من أراضٍ عربية بدون قيد أو شرط أو معاهدة سلام. ولكن مع هذه السابقة، اعتقد الاسرائيليون أن الارباح التي يمكن جنيها من خلال زوال المقاومة في جنوب لبنان قد تكون كافية لتعويض خسارتهم. لكن بعدما ظهر ان المقاومة مستمرة وفعالة وان ثقافة المقاومة تنتشر في المنطقة بعدما قُدّم لها نموذج صالح للتطبيق والتقليد، وبعدما أيقن الاسرائيليون مدى تأثير مقاومة لبنان في قيام الانتفاضة الفلسطينية الثانية في ايلول عام 2000 اي بعد أشهر فقط من انسحاب اسرائيل من لبنان في أيار 2000، أصبح القضاء على حزب الله هدفًاً استرتيجياً ملحًّاً بالنسبة للإسرائيليين. أما بالنسبة لسوريا ووجودها في لبنان، فحتى العام 2004، كان الأميركيون يردّون على المطالبات اللبنانية بإنهاء الوجود السوري العسكري في لبنان أن هذا الوجود يشكّل “عامل استقرار” في لبنان. لكن رفض الرئيس السوري التعاون لتثبيت الاحتلال الاميركي للعراق ورفضه المطالبات بالقضاء على المقاومة في لبنان، بدلا الموقف الاميركي تجاه سوريا ونظامها.

كيف تغيرت السياسة الاميركية، وما هي الوسائل التي استخدمت في الحرب الاميركية الغربية على المقاومة وسوريا؟ وكيف استخدم اغتيال الحريري والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان لمحاولة القضاء على النظام السوري أو تطويعه أو لمحاولة اجتثات المقاومة في لبنان؟ وما هي التجاوزات التي استخدمت في محكمة لا مثيل لها في تاريخ العلاقات الدولية والقانون الدولي، وكيف يتم استثمارها؟ هذا ما نبحثه في هذه الورقة، وسنجري في القسم الاول عرضًا سريعًا للخلفية التاريخية لتطور مسار المحكمة والقرارات السياسية التي أنشأتها، أما في القسم الثاني سنعرض للتسييس والعيوب التي رافقتها منذ ولادتها، وفي القسم الثالث سنفنّد بعض الادعاءات التي تساق لتعمية الرأي العام، ثم نعرض أخيرًا للسيناريوهات المحتملة.

I – الخلفية التاريخية
المرحلة الاولى: احتلال العراق وعدم التعاون السوري
سمحت أحداث 11 أيلول 2001 للولايات المتحدة بإعطاء تفسير واسع لمفهوم أمنها “القومي”، وفي تمجيد القوة العسكرية، ما أدى الى التقليل من العامل “الجيو ثقافي” لصالح العامل “الجيوستراتيجي”، بعد أن عجزت الوسائل الاقتصادية والثقافية وحتى المؤسسات الدولية، برأي الادارة الاميركية، في مواجهة التحديات الامنية الجديدة. وهكذا ابتعدت ادارة بوش عن أساليب القوة الناعمة التي لطالما اعتمد عليها الاميركيون، واتجهوا الى الافراط في استخدام القوة الصلبة التي اضرّت بهم كثيرًا وأفقدتهم المصداقية والشرعية.(1) من هنا بات بالامكان القول ان عالم التسعينات، بعد سقوط جدار برلين، لا يشبه بتاتًا العالم الذي تلا 11 أيلول2001، فقد أعطت الظروف المستجدة بوش الابن فرصة نادرة للانطلاق من خلالها في سياسة خارجية تدخلية بكل معنى الكلمة، وذلك عبر استراتيجية وعقيدة عسكرية انفرادية تعيد المنطق القائل بأن “القوة تجلب الشرعية”، وان ممارسة الولايات المتحدة الحرب “كما تريد” كافية لاضفاء شرعية الحق عليها،(2) وهكذا انطلق بوش في حرب على العراق عام 2003 بدون تفويض من الامم المتحدة ضاربًا عرض الحائط كل الاعتراضات الدولية التي قادتها فرنسا والتي قسمت العالم الى معسكرين: معسكر الحرب ومعسكر السلام.

في هذا الوقت وجدت فرنسا – شيراك نفسها قد خسرت كثيرًا بمعارضة الاميركيين، وأيقنت أن مصالحها في الشرق الاوسط ستتضرر بشكل مفرط فيما لو استمر العداء الفرنسي الاميركي على ما هو عليه، فراح شيراك يتحين الفرصة لمصالحة الاميركيين والدخول الى الساحة لاعبًا لا متفرجًا. فكانت الفرصة في العام 2004. وجد شيراك المستاء من عدم قدرته على أن يكون “وصيًا على الرئيس السوري بشار الاسد”(3) في الغيظ الاميركي من النظام السوري بسبب عدم تعاونه معهم في الملف العراقي وفي عدم القبول بالقضاء على المقاومة، الفرصة المؤاتية لمصالحة الاميركيين فاقتنصها. وهكذا كان قرار مجلس الأمن الرقم 1559 في أيلول 2004 بتوافق فرنسي أميركي، ويتضمن أهدافاً عدة منها خروج سوريا من لبنان والضغط على حلفائها ومنهم الرئيس لحود، بالاضافة الى نزع سلاح المقاومة الذي اصبح يزعج اسرائيل كثيرًا. لكن سوريا والمقاومة في العام 2004 كانت من القوة في لبنان بمكان بحيث يصعب تطبيق القرار 1559، فكان لا بد من حصول زلزال سياسي كبير يسرّع الامر، فكان اغتيال الحريري في 14 شباط 2005.

المرحلة الثانية: اغتيال الحريري وانشاء المحكمة
وقعت حادثة اغتيال الرئيس الحريري في مرحلة بالغة التوتر، عربيًا ودوليًا. وقد كان المحور العربي الثلاثي، مصر- سورية – السعودية، في أكثر أوقاته تشنجًا وخلافات حول السياسة الأميركية بعد أحداث 11 أيلول 2001، والتباينات الأكثر حدة كانت حول الغزو الأميركي للعراق، فبينما عارضت سوريا احتلال بلد عربي شقيق وانتهاك سيادته بالرغم من كل تاريخها السيء مع صدام حسين، قامت مصر والسعودية بتأييد الاحتلال مدفوعتين بولاء مطلق وتبعية للاميركيين وبخوف من تقسيم بلادهم والاطاحة بهم وهو ما كان قد سربته دوائر أميركية عدة بعد 11 أيلول. وهكذا في لحظة تاريخية مفصلية في تاريخ الشرق الاوسط، وفي حمأة الهجمة الاميركية على المنطقة، تقاطعت مصالح فرنسية- اميركية- عربية وبتواطؤ داخلي لبناني، فأنشئت لجنة تحقيق دولية في اغتيال الحريري وبعدها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ومهمتها الاساسية “غير المعلنة ” كما حددها لها شيراك “قتل النظام السوري”.(4)

منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005 وإنشاء لجنة تحقيق من قبل الأمم المتحدة في حادث الاغتيال، انصب التركيز الأساسي العلني للتحقيق على دمشق مترافقًا مع تصريحات اعلامية وسياسية تتهم دمشق مباشرة بالاغتيال وتطالب بالثأر والانتقام من قتلة الحريري. وهكذا صدر التقرير الأول لـ “لجنة التحقيق الدولية المستقلة” في تشرين الأول 2005، ويبدو من خلال الوثائق والاسرار التي نشرت فيما بعد أنه قد يكون كُتب قبل أن تشكّل تلك اللجنة من قبل الامم المتحدة، وخلص التقرير كما كان متوقعًا له وقتها، بأن «خيوطاً كثيرة تشير إشارة مباشرة إلى تورط مسؤولي أمن سوريين في حادث الإغتيال»(5). وحتى العام 2009 لم يتم ذكر حزب الله من خلال التقارير التي تصدرها “لجنة التحقيق الدولية المستقلة” كل ثلاثة أشهر، ولم يكن هناك من تداول في هذا الامر. واستطاعت سوريا الصمود بوجه الضغوط الدولية والاقليمية، وانتقلت من مرحلة الدفاع و”فك العزلة” التي حاول البعض فرضها عليها، الى سياسة خارجية قوية واثقة بعدما أثبتت التطورات صحة خياراتها الاقليمية وصحة خيارات الرئيس السوري بدعم المقاومة في لبنان واعطائها عمقًا استراتيجيًا فانتصرت في تموز 2006، واسقطت اسطورة الجيش الذي لا يقهر. وهكذا سقط الاتهام السياسي لسوريا، وتمّ إطلاق الضباط الاربعة في نيسان 2009(6) وتسارعت عجلة التوافق السوري – السعودي وتراجع الدور الأميركي في لبنان وتراجع جنبلاط والحريري بعد الانتخابات النيابية 2009 معتذرين عن اتهام سوريا بالاغتيال وطالبين من سوريا الصفح والغفران.

المرحلة الثالثة: حزب الله في دائرة الاتهام
بعد فشل “القوة الصلبة” في تحقيق أهدافها في القضاء على المقاومة عام 2006 وبعد عجز أميركي عن تحويل لبنان الى ساحة ينطلق منه “الشرق الاوسط الجديد”، وانكشاف هشاشة وكلاء وحلفاء أميركا الداخليين عام 2008، والاقتناع بعدم القدرة على عزل سوريا وتفكيك نظامها، تحوّلت المقاومة في لبنان والقضاء عليها هدفًا ملحًا. وبالفعل، تحوّل حزب الله بعد حرب تموز 2006 واحداث ايار 2008 إلى قوة عسكرية وسياسية بالغة التأثير، ليس على المستوى اللبناني وحسب، بل على المستوى الإقليمي أيضًا. فتحالفه الوثيق مع سوريا وايران، ودعمه الوثيق للمقاومة في فلسطين التي اتخذت من حزب الله في لبنان ملهمًا ونموذجًا يمكن الاقتداء به لتحرير فلسطين، بالاضافة الى تحوله الى مصدر إلهام للمقاومات الاخرى في المنطقة ولحركات التحرر في العالم، زد على ذلك نظرة التعاطف والاعجاب التي يخصّه بها معظم مسلمي العالم بسبب دوره في الحاق هزيمة باسرائيل لطالما تمنوها … كل هذا ما جعل حزب الله مصدر تهديد استراتيجي لاسرائيل، وللسياسة الأميركية في المنطقة، ولحلفاء الولايات المتحدة، مثل السعودية ومصر والسلطة الفلسطينية.

كشفت حرب تموز وهن اسرائيل وجبهتها الداخلية وافتضح عجز القوة عن تحقيق أهدافها، فأزال الاميركيون والاسرائيليون – مرحليًا(7) – من أذهانهم امكانية القضاء على المقاومة من خلال القوة العسكرية، وبدأوا بمحاولة تنفيذ هذا الهدف بوسائل “أذكى”، وذلك من خلال تمويل طائل لتشويه سمعته واضعافه سياسيًا كما أقرّ فيلتمان في شهادته أمام الكونغرس(8)، كما محاولات اغراقه في عنف داخلي ومحاول اشعال فتنة سنية شيعية، لذا كانت قرارات 5 أيار التي تبعها أحداث 7 أيار الشهيرة، وكان بالطبع الاتهام باغتيال الحريري وتسليط سيف القرار الاتهامي و “المحكمة الدولية” على رقبته لاخضاعه. وهكذا، نشرت مجلة “دير شبيجل” في أيار 2009، مقالاً ذكرت فيه بقدر كبير من التفصيل كيف شاركت عناصر من حزب الله في جريمة القتل، وكيف اكتشفت “لجنة التحقيق الدولية” ارتباط أولئك العناصر في حادث الإغتيال. وتتحدث أن أحد عناصر الحزب “ارتكب طيش لا يصدق” حيث اتصل بصديقته بواسطة هاتف خليوي تم استخدامه في عملية الإغتيال، مما أتاح للمحققين فرصة تحديد الرجل. وتوالت التسريبات، وتوالت السيناريوهات التي تربط حزب الله باغتيال الحريري، وصولاً الى ما كشفه الامين العام لحزب الله عن لقاء بينه وبين الحريري ومحاولة تسويق نظرية قيام “عناصر غير منضبطة” من حزب الله باغتيال الحريري ورفض حزب الله لهذه التسوية، ولنا على هذا الامر ملاحظات نشرحها فيما بعد.

II – العيوب التي رافقت تأسيس المحكمة من الاساس
أولاً: عيوب تأسيسية
أ‌-      نلاحظ أنه لأول مرة في تاريخ العلاقات الدولية والقانون الدولي ينشئ مجلس الأمن محكمة دولية بموجب الفصل السابع لا تنظر بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم التطهير العرقي والابادة التي تعتبر المبرر الوحيد لإقامة محاكم جنائية دولية بموجب الفصل السابع، والذي يشترط حصرًا ان يكون هناك تهديد للسلم والامن الدوليين لاعتماده. ولأول مرة في التاريخ، تتشكل محكمة خاصة بقرار من مجلس الأمن دون حرب أهلية أو حرب دولية سابقة ولمجرد وقوع حادث إرهابي، علمًا بأن أحداث أيلول 2001 الإرهابية لم تستدع قيام أي محكمة خاصة لمحاسبة الجناة. فعليًا، لقد بدأت ثقافة انشاء المحاكم الدولية تتسع وتصبح أمرًا شائعًا في العلاقات الدولية مع إنشاء المحاكم الدولية الخاصة بيوغسلافيا ورواندا، وهي محاكم عالمية أنشئت ابتداء من العام 1993 للبت في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبت في دولة ما خلال فترة محددة من الزمن، وخلال نزاع محدد. ومعظم هذه المحاكم الدولية الخاصة انشأتها قرارات مجلس الامن بموجب الفصل السابع.

تعد هذه المحاكم تطبيقًا عمليًا لمبدأ “المسؤولية” فبعد أن تبين أن الدولتين المذكورتين غير قادرتين على القيام بالتزاماتهما تجاه شعبيهما، قام المجتمع الدولي بتحمل المسؤولية فتشكلت المحكمتان بصورة مستقلة عن النظم القضائية الوطنية، وتولى العمل في المحكمتين قضاة ومحامون وموظفون دوليون، كما تولى المجتمع الدولي تمويل المحكمتين، وقد أقر أن تكون احكامهما القضائية أعلى من احكام المحاكم الوطنية. لكن الكلفة العالية جدًا التي تكبدها المجتمع الدولي، بالاضافة الى النقص في الموارد والكثير من المصاعب والاعتراضات التي واجهت هذه المحاكم، بالاضافة الى اعتبارها كوسيلة هيمنة واتهامها بالتسييس وبأنها “محاكم المنتصر” دفعت بالمجمتع الدولي الى الاستعاضة عنها باقرار مبدأ المحاكم المختلطة، أي التعاون مع البلدان المتضررة على تشكيل محاكم “ذات طابع دولي” تجمع ما بين النظم القضائية المحلية والدولية وعلى هذا النمط نشأ العديد من المحاكم ومنها محكمة سيراليون وتيمور الشرقية و”المحكمة الدولية الخاصة بلبنان”.

ب – بما أن “المحاكم ذات الطابع الدولي” تنشأ بالتعاون مع البلدان المتضررة، فاللافت أنه لأول مرة، يلجأ مجلس الأمن إلى الفصل السابع من الميثاق الأممي لإنشاء محكمة أساسها القانوني اتفاقية لم تستوفِ الشروط الدستورية لإبرامها، إن لجانب الجهة الصالحة للتفاوض بشأنها، أو لجهة موافقة السلطة التشريعية للدولة عليها التي هي الطرف الأساسي في هذه الاتفاقية، ما يطرح علامة استفهام كبرى حول قانونية المحكمة.(9) قد تكون المحكمة الخاصة بسيراليون النموذج الأقرب، من حيث البنية، إلى المحكمة الخاصة بلبنان. فمنذ البداية، عُدّت محكمة لبنان ثمرة اتفاق ثنائي بين لبنان والأمم المتحدة، وقدّمت المحكمة الخاصة بسيراليون إطاراً نموذجيًاً لاعتبار مثل هذا الاتفاق أساسًاً قانونيًا للتطبيق. لكن محكمة سييراليون قامت بالرضى المتبادل، ومثّل وضعها القانوني وقانونها الساري وتأليفها وبنيتها التنظيمية مواضيع تفاوض الطرفان بشأنها واتفقوا عليها لابرامها، لكن هذا لم يحصل بطريقة قانونية في لبنان وباعتراف كاسيزي نفسه الذي قال انه كاستاذ جامعي يعترف بأنها اقرّت بشكل مخالف للدستور اللبناني.(10) كذلك أنشئت محكمة سيراليون الخاصة لكي تشمل صلاحيتها الجرائم التي تندرج ضمن القانون الإنساني الدولي، بالاضافة الى بعض الجرائم الخاضعة لقانون سيراليون، بينما محكمة لبنان تمارس صلاحيتها حصريًاً على الجرائم التي يحددها القانون المحلي، أي القانون اللبناني.

ج- الميزة الفارقة الأخرى المتعلقة بمحكمة الحريري هي أنها أول محكمة خاصة ذات طابع دولي تنشأ تحت رعاية الأمم المتحدة لمحاكمة قتلة رئيس وزراء أسبق أو شخصية بارزة. يُذكر أن الدول الكبرى، التي أنشأت محكمة الحريري، لم تعمد الى انشاء محكمة مماثلة للتحقيق في اغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بنازير بوتو، على الرغم من طلب العديد من الباكستانيين وسواهم إنشاء محكمة دولية، أو حتى بعثة دولية، للتحقيق في جريمة اغتيالها.

د- تسمية ديتليف ميليس كانت بايعاز وتخطيط محكم من المخططين الدولين، وفي كتاب “سر الرؤساء” نرى بوضوح أن شيراك “يثابر على الاقتناع بأن بشار الأسد سيسقط كثمرة ناضجة، يكفي الانتظار فقط”. وبنظره إن التحقيق الذي يقوده ديتلف ميليس، والذي لم يستطع القيام به بحرية في دمشق، سيساهم في زعزعة النظام. «إن تقرير ميليس سيكون قاسيًا مع سوريا»، هكذا شرح شيراك لرايس قبل صدور التقرير واعلانه. وقال «حتى لو لم نعرف على أي مستوى تقع المسؤوليات، فسيظهر التقرير أن دمشق لم تتعاون مع التحقيق، وأنها متورطة في اغتيال الحريري. في هذا السياق، لا بد من التمديد لمهمة ميليس، لقد تحول القاضي الألماني إلى تجسيد للعدالة والديموقراطية في لبنان” بحسب شيراك. إذًا كان شيراك يعلم ما سيكون في تقرير ميليس قبل أن يُكتب وقبل أن يقدمه، فأي تحقيق شفاف وصادق يمكن أن يكون قد قام به ميليس وتقريره معروف التفاصيل قبل تعيينه؟ وكما كان تقرير ميليس مكتوبًا كما يبدو قبل التحقيق، فقد يكون القرار الاتهامي لبلمار أيضًا قد كتب قبل تحقيقاته، وينتظر التوقيت المناسب للاعلان عنه فقط.

ه – في سابقة في تاريخ التحقيقات الدولية، يستمر التحقيق في اغتيال الحريري أكثر من خمسة أعوام، إذ في الاطلاع على تاريخ التحقيقات والمحاكم الدولية، لم يطل أمد صدور اي قرار اتهامي كل هذه المدّة، قد يطول أمد المحاكمة عشرات السنوات ولكن ليس القرار الاتهامي، ما يفترض بأن المدعي العام بلمار أما لا يملك الأدلة الدامغة لكي يبني القرار الاتهامي على أساسها، أو أن ثمة إرادة سياسية من دول عظمى لتأجيل هذا القرار واستخدامه للوصول الى تسويات أو مكاسب إقليمية أو دولية أو محلية.

ثانيًا: ايجاد التماس كاذب لتحويل المسؤولية الى المجتمع الدولي
لقد أدت التطورات في مفاهيم العلاقات الدولية ومضامينها الى تبدل في مفهوم السيادة، فتحول مفهوم السيادة من “السيادة كسلطة الى مفهوم السيادة كمسؤولية، وفيه ان “التفكير في السيادة كمسؤولية” يعني:
أ‌-      مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها وسلامتهم وتأمين رفاهيتهم.
ب‌-    ان وكلاء الدولة يتحملون المسؤولية عن الاعمال التي يقومون بها.(11)
ت‌-    السلطات المحلية مسؤولة تجاه مواطنيها في الداخل وتجاه المجتمع الدولي من خلال الامم المتحدة.(12) وقبول هذا المفهوم “السيادة كمسؤولية” يعني انه في حال “عدم قدرة الدولة” أو “عدم نيتها” على حماية مواطنيها، فان هذه المسؤولية تتحول الى المجتمع الدولي وبالتحديد الى مجلس الامن(13). وتطبيقًا على مسار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فبالرغم من قدرة الشعب اللبناني على تعبئة أكثر من مليوني شخص في شوارع بيروت – سواء كانوا من قوى 14 آذار أو قوى 8 آذار- في مظاهرات سلمية لم يحصل خلالها تهديد للامن والاستقرار ولم يتم اعتقال أحد تعسفيًا أو تهديده أو الضغط عليه لمنعه من قول رأيه بحرية او لمجرد ترهيبه، فقد جرى الطعن في قدرة اللبناني على إدارة شؤون بلده بنفسه، القيام بتحقيق نزيه وشفاف في اغتيال الحريري، وعدم قدرة الدولة اللبنانية على الاضطلاع بمسؤولياتها، لتحويل هذه المسؤولية الى مجلس الامن. وفي أمر يمسّ الشعور الوطني اللبناني بالصميم، كتب الأمين العام للأمم المتحدة في تقريريه لعامين متتاليين عن عدم قدرة لبنان على مواجهة مشكلاته الداخلية والتدخلات الخارجية أو قيام محكمة وطنية بمحاكمة الجناة في الجريمة الإرهابية التي نالت رئيس وزرائه الأسبق.(14)

ورغم الطابع غير الدبلوماسي لمثل هذه التصريحات التي تمس المشاعر الوطنية، تداعى عدد من السياسيين اللبنانيين إلى تكرار نفس الخطاب في عمالة مفضوحة، تثبيتًا لعدم قدرة القضاء اللبناني على ملاحقة الجناة ومتحدثين عن ضغوط يمكن أن يتعرض لها القضاة، ومن هؤلاء رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة، الذي قام في 13 كانون الأول 2005 على اثر اغتيال الشهيد جبران تويني، بارسال رسالة “غب الطلب” كان يطالبه بها الفرنسيون والاميركيون،(15) ودون مشاورة أو موافقة رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، طالب فيها الأمين العام للأمم المتحدة، بإنشاء “محكمة ذات طابع دولي” لمحاكمة جميع المسؤولين المفترضين عن الاعتداء الذي وقع يوم 14 شباط 2005 في بيروت والذي أدّى إلى مقتل رئيس الوزراء اللبناني و22 آخرين. ورغم النتائج الكارثية المعروفة على عمل الحكومة والبرلمان والرئاسة اللبنانية، وضاربين عرض الحائط الدستور اللبناني والقوانين اللبنانية المرعية الاجراء، وفي سباق غير مبرر مع الوقت تمّ إصدار القرار 1757 عن مجلس الأمن بإقامة المحكمة وفق الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة يوم 30 أيار 2007، أي مع مغادرة شيراك للإليزيه. وقد تمَّ التنازل فيه عن كل ما حفظه مجلس الأمن في قراره رقم 1595 الذي أنشأ لجنة التحقيق الدولية، للسلطات اللبنانية من سيادة بالنسبة لإدارة التحقيق وتطبيق القانون في شأن الأعمال الجرمية التي رافقت اغتيال الحريري وآخرين، إذ نصَّت المادة الرابعة من النظام الأساسي للمحكمة على تنازل السلطات القضائية اللبنانية المسؤولة عن اختصاصها.(16)

وهنا يصح التساؤل، هل كانت الاوضاع في لبنان أسوأ من الاوضاع العراقية أو هل كانت الدولة اللبنانية أضعف من الدولة العراقية لكي لا تحول الأوضاع المضطربة في العراق دون محاكمة القيادة العراقية السابقة من قبل محكمة عراقية محلية بينما اغتيال رفيق الحريري يحتاج الى محكمة دولية خاصة؟ وهل امتلكت الدولة العراقية القدرة والامكانية على تحمل مسؤولياتها بينما اعتبر لبنان دولة فاشلة لا يستطيع ان تتحمل فيه الدولة مسؤولياتها بالقيام بمحاكمة قتلة رفيق الحريري؟

ثالثًا- إمكانية اختراقها اسرائيليًا
رغم معرفة معظم اللاعبين بأن سقف هذه المحكمة لا يتجاوز نسخة عن أزمة لوكربي التي لم تُسقط النظام الليبي بل نجحت في ابتزازه ماليًا وسياسيًا، فإن اسرائيل وأميركا وحلفاءهم لا يخفون اتكالهم على مواجهة المقاومة اللبنانية بسلاح المحكمة الخاصة، وان لم يكن لاجتثاثها وتحويلها للمحاكمة فعلى الاقل لتشويه صورتها واسقاط الشرعية عنها بتحويلها الى عصابة ارهابية مجرمة بدل ان تكون مقاومة بطلة. وقد اعلن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية الجنرال عاموس يدلين ان القرار الظني للمحكمة الدولية سيشكل – ما سماها – كارثة دعائية على حزب الله، وانه سيقوّض الاستقرار في لبنان.(17) وبالاضافة الى الاختراق الاسرائيلي لشبكة الاتصالات اللبنانية، وما قد يتبين من معلومات وتسجيلات هاتفية تستند اليها القرارات الاتهامية، هناك تأكيد من رئيس المحكمة أنطونيو كاسيزي في بيان نُشِر في 4 آذار 2009، يقول فيه: «تستطيع الدول تقديم معلومات إلى الادعاء أو الدفاع قد تفيد تحقيقاتهما، وذلك سرًا بدون أن يكون المتلّقي ملزمًاً بكشف هوية مانح تلك المعلومات»، ويضيف: «نظرًاً إلى أهمية المعلومات السرية أو الفائقة الحساسية المتعلقة بمحاكمات الجرائم الارهابية، توفّر القواعد للدول سبلاً مختلفة لمساعدة المحكمة في تقديم الأدلة مع الحفاظ على مصالح أمنها القومي».(18) وهكذا إذًا، وبموجب مواد عدة في الإجراءات القانونية للمحكمة، تستطيع إسرائيل أو أية دولة أخرى تزويد المدعي العام لدى المحكمة الدولية بمعلومات قد تكون مزوّرة لا يستطيع الإعلان عن مصدرها إلا إذا وافق هذا المصدر، وقد اعترف مساعد بلمار في مقابلة له مع الصحفيين اللبنانيين في لاهاي بأن اسرائيل هي احد مصادر معلومات المدعي العام.(19)

رابعًا: عدم تطابق اجراءاتها مع قانون حقوق الانسان الدولي
كان المكتب الإعلامي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد أعلن في بيان له مؤخرًا، ان “الهيئة العامة لقضاة المحكمة اجتمعت خلال الفترة الممتدة من 8 إلى 11 تشرين الثاني 2010، للنظر في مسائل متعددة تتضمن التعديلات المقترح إدخالها على قواعد الإجراءات والإثبات، أبرزها التعديلات المتعلقة بالقواعد التي ترعى عملية تبليغ قرار الاتهام، والتي تبين بالتفصيل التدابير العملية التي يجب اتخاذها بعد تصديق قرار الاتهام، ولا سيما في ما يخص مباشرة إجراءات المحاكمة غيابيًا. وإمكان قبول الإفادات الخطية للشهود الذين تحول أسباب وجيهة دون حضورهم للإدلاء بشهادتهم. وأكد البيان أن التعديلات الجديدة “تهدف إلى ضمان اضطلاع المحكمة بالمهمة المسندة إليها من خلال محاكمات عادلة وسريعة”.(20) وكان الكثير من الحقوقيين، ومنهم دراسة اصدرتها جامعة اوكسفورد في أوائل العام الجاري بعنوان “المحاكمات الغيابية في المحكمة الخاصة بلبنان: عدم تطابق مع القانون الدولي لحقوق الانسان”.(21) ويتم في هذه الدراسة تقييم مدى تطابق المادة 22 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان، مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، فيخلص الى اعتبار أن عقد محاكمة غيابية ينتهك المعايير الحد الأدنى للعدالة المعترف بها دوليًا، ويخلص الباحثون الى أن النظام الأساسي للمحكمة غير متوافق مع هذه المعايير الدنيا للمحاكمة العادلة، وبالتالي فهي غير متوافقة مع القانون الدولي لحقوق الانسان الذي يقرّ لبنان بالتزامه به في دستوره.

وإذا كانت المحكمة، وبالتعديلات المتتالية لنظام الاجراءات، قد اعطت اثباتًا حسيًا بأن تلك القواعد مطاطة وغير ثابتة وقابلة للتحريك أو التعديل او التطوير وحتى الإلغاء “عند الاقتضاء” كما يجيز لها نظامها الاساسي. فما الذي يمنع من تبديل وتعديل الاجراءات كلما احتاج معدوها لتطويق المقاومة، كذلك إن علامات استفهام كبرى تحيط بمبادرتها الى اجراء تعديل في هذا التوقيت بالذات، ولا سيما انها بدت في تعديلها الجديد، وكأنها تلاقي مناخا سياسيًا معينًا. فإذا كانت الاسباب الموجبة للتعديل السابق هي التنصل من محاكمة شهود الزور، فإن التعديلات الجديدة بدت موجهة بالدرجة الأولى الى “حزب الله في واقعة العيادة النسائية من جهة وإعلان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله وقف التعاون مع المحكمة الدولية والتحقيق الدولي.

III – مغالطات سياسية كبرى
أ‌- في مقولة ان المحكمة غير مسيسة
يتحدث كثر من اللبنانيين عن ثقتهم بالقضاء الدولي، وان المحكمة الدولية غير مسيسة، ويجب دعمها مهما كان الثمن. إن من يتحدث عن عدم تسييس المحاكم الدولية والثقة بالقضاء الدولي، فإما أنه جاهل أو متعامل. ذلك لأنه منذ تأسيس محاكم نورمبرغ وطوكيو على أثر انتهاء الحرب العالمية الثانية لمحاكمة مجرمي الحرب، منذ ذلك الوقت والمحاكم الدولية توصف بأنها “مسيسة” وأنها “محاكم المنتصر” وقد شابها الكثير من التسييس والتسويات والصفقات الدولية على حساب العدالة والحق،(22) وقد كشفت الكثير من الدراسات الاخرى كيف استغلت القوى المحلية المحاكم الدولية لزيادة نفوذها الداخلي وتصفية واحراج خصومهم الداخليين.(23) أما بالنسبة لتجارب المحاكم المختلطة المشابهة لمحكمة لبنان وعلى سبيل المثال كمبوديا وتيمور الشرقية، فحدث ولا حرج، فقد انتظرت الأولى وفاة مسؤولي الجرائم الكبار لتتحرك بلا جدوى، في حين طالب رئيس تيمور الشرقية منذ فترة وجيزة بإلغاء المحكمة الخاصة ببلده لأنها لم تفعل شيئًا وتكاليفها كبيرة دون فائدة تُرجى منها. كذلك بالنسبة للجان التحقيق وتقصي الحقائق، فقد صدرت كتب ودراسات حول العالم تفحص أعمال هذه اللجان وتسلط الاضواء على تجاربها سواء الناجحة أو الفاشلة. ففي كتاب توثيقي هام بعنوان “تقصي حقائق بدون حقائق Fact-Finding Without Facts “، تدحض الباحثة الاعتقاد السائد بأن المحاكمات الدولية تستطيع أن تحدد بنجاح “من فعل ماذا” خلال اوقات الفظائع والجرائم. وبقيامها بدراسة احصائية عالمية، وجدت الباحثة شيئًا وصفته بأنه مثير للاشمئزاز فقد اكتشفت أن “أكثر من 50 % من الشهود الذين ظهروا في تلك المحاكمات الدولية كانوا شهود زور”.(24) أما بالنسبة للتسريب والتقارير التي تنشر هنا وهناك في الاعلام، تكشف رئيسة رابطة الصحافة الأجنبية في هولندا كيرستين شويجوفير، التي تعمل في المحاكم المنتشرة في لاهاي منذ عشرين عامًاً، أنّ أحدًا من المدّعين العامين في محكمة يوغوسلافيا لم يسرّب معلومات قط قبل صدور القرار الاتهامي، بينما لم يُعرف حتى الآن من يقف وراء التسريبات حول مضمون القرار الاتهامي باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما إذا كانت هذه التكهنات صحيحة أم لا، ممّا يرسم علامات استفهام كثيرة حول هذه النقطة الجوهرية، خصوصًا أنّ هذه التسريبات لا تستخدم كاتهام سياسي في لبنان بل «كواقعة حاصلة».

ب‌- مقولة رفض أي قرار اتهامي غير مبني على أدلة قاطعة
يطالعنا سياسيون لبنانيون من قوى 14 آذار كل يوم، بالادعاء انه من المبكر الحكم على القرار الاتهامي قبل صدوره، وانهم لن يقبلوا بقرار اتهامي لا يستند الى أدلة وإثباتات قاطعة. لكن تدلّ عملية التدقيق في نصوص قرارات اتهامية صدرت سابقًا عن محاكم دولية استثنائية شبيهة بالمحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أن نصوص القرارات الاتهامية لا تتضمّن أدلّة أو قرائن أو اثباتات. بل يُنتظر إظهار الأدلّة وقياس مدى صدقيتها خلال انعقاد جلسات هيئة المحكمة. تلك الجلسات قد تستغرق سنين تبقى خلالها التهم قائمة وقد يتمّ التراجع عنها أو تعديلها بعد الإعلان عنها وعرض فريق الادعاء الدولي ما لديه وتقديم فريق الدفاع معلومات مضادّة، علماً بأن قواعد الإجراءات والإثبات تتيح عدم الإعلان عن القرار الاتهامي الا لبعض الدول.(25)

ث‌- تسوية «عناصر غبر منضبطة»
ان الاقتراح الذي حمله الرئيس سعد الحريري الى السيد حسن نصرالله بشأن قبول التسوية باتهام عناصر من حزب الله واعتبارها “عناصر غير منضبطة”، هو اقتراح مسموم. وبالرغم من أن السيد نصرالله رفض المساومة والتسوية تلك الا انه من المفيد الاضاءة على بعض الملاحظات بخصوصها. تذكر الفقرة الثالثة من نظام المحكمة الاساسي، أن “الرئيس يتحمل المسؤولية الجنائية عن الجريمة التي يرتكبها مرؤوسون يخضعون لسلطته وسيطرته الفعليتين، نتيجة لعدم سيطرته سيطرة سليمة على هؤلاء المرؤوسين، حيث يكون الرئيس قد عرف أو تجاهل عن عمد أي معلومات تبين بوضوح أن مرؤوسيه يرتكبون أو هم على وشك أن يرتكبوا تلك الجريمة، أو إذا كانت الجريمة تتعلق بأنشطة تندرج في إطار المسؤولية والسيطرة الفعليتين للرئيس أو إذا لم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب مرؤوسيه للجريمة أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والملاحقة القضائية”. على هذا الاساس فإن السيد نصرالله وقيادة حزب الله ستكون متهمة كما العناصر غير المنضبطة وبالتالي مسؤولة جنائيًا عن الافعال التي قام بها عناصر من حزب الله مهما كانت التسوية ومهما كان العنوان المقترح سواء عناصر غير منضبطة أو غيرها. وفي مقارنة مع بعض القرارات الاتهامية الصادرة في جرائم اخرى، وفي المحكمة الخاصة بيوغسلافيا السابقة، اتُهم بابيتش بأن « خطاباته خلال مناسبات عامة ومن خلال وسائل الاعلام مسّت بالإثنيات وولّدت مناخًا من الخوف والكراهية بين الصرب المقيمين في كرواتيا بهدف الحصول على دعمهم ومشاركتهم في تحقيق أهداف المجموعة الجرمية». وقياسًا على لبنان، يمكن للمدعي العام تضمين القرار الاتهامي بعض الخطب للسيد حسن نصرالله، واعتباره مذنبًا بجرم الحضّ على الكراهية أو على توفير الجو الملائم للاغتيال من خلال خطب اعلامية او تصريحات سياسيات معينة، وهو الأمر الأخطر.

ج‌- محاولة الاطلاع على البنية الهيكلية والقيادية والتنظيمية لحزب الله
«لن نترك حجرًا دون البحث عما هو موجود تحته»، قال بلمار في تصريح لصحيفة الاخبار. فأي حجارة سيبحث بلمار تحتها؟ من المعلوم أن القرارات الاتهامية في المحاكم الدولية تشير الى خلفية المتهم السياسية والتنظيمية السابقة واللاحقة لوقوع الجريمة، ويعرض الادعاء ذلك على المحكمة … وإذا أراد الدفاع تقديم معلومات مضادة عليه أن يقدّم قرائن، حتى ولو أمكن طلب عقد جلسة سرّية، فإن تفاصيل الهيكلية السياسية والتنظيمية والبنيوية ينبغي أن تُعرض. ويُتوقّع أن يطلب الادعاء التعمّق في تشريح تلك الهيكلية بحجّة تحديد علاقة المتهمين بأحزاب وتنظيمات معيّنة ومن خلال ذلك تحديد علاقة الرئيس بالمرؤوس. من هنا يمكن فهم الحاجة الملحة لاتهام حزب الله والفائدة التي سيجنيها الاسرائيليون والاميركيون من اتهام عناصر من حزب الله، وحاجة الدفاع لتقديم تفاصيل الهيكلية السياسية والتنظيمية والبنيوية للمقاومة في معرض الدفاع عن النفس من التهمة.

ح‌- تمويل مشبوه
تفاخر قوى 14 آذار بأنه ما دامت الولايات المتحدة الأميركية وتدعم المحكمة الدولية، فلا خوف على المحكمة على الإطلاق من انعدام تأمين المال اللازم للاستمرارية، ولذلك اندفعت الولايات المتحدة الأميركية وبشكل مريب، إلى دفع مبلغ عشرة ملايين دولار أميركي إضافية للمحكمة مما يجعل مساهمتها تبلغ 30 مليون دولار كما قامت بالطلب من بريطانيا بدعم المحكمة ماليًا. الأمر قد يكون طبيعيًا لكن عندما نعرف أن الولايات المتحدة نفسها تتلكأ عن تسديد الأموال الواجبة للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة في ذمّتها،(26) فهنا تثار الشكوك حول هذه الغيرة الاميركية على المحكمة اللبنانية، ويعني أنّ أولوياتها صارت منصبّة على لبنان، وهي تريد من هذه المحكمة تحقيق مكاسب سياسية قد تعجز عنها أيّة حرب، حتى ولو كانت بمستوى حرب تموز عام 2006.

أ‌- نشر وثائق مستغرب
بالرغم من أن كتاب “سر الرؤساء” وكتاب جورج بوش وطوني بلير وغيرهم من الكتب التي صدرت مؤخرًا، قد اشارت اشارات قوية الى تسييس المحكمة الدولية، إلا انه يجب الانتباه الى الوثائق التي كشفها كتاب “سر الرؤساء” بالتحديد واشارته الى انتقال شيراك بعد لقائه كوندوليزا رايس في 19 و20 اغسطس 2004 «الى سردينيا حيث يمضي رفيق الحريري اجازته الصيفية، وهناك تمت قراءة مشروع القرار 1559 بإمعان شديد على يخت الحريري الذي لم يخفِ غضبه الشديد من السوريين بسبب تعديل الدستور للسماح لحليفهم الرئيس اميل لحود بتمديد ولايته الرئاسية 3 سنوات». قال شيراك صراحة لرايس التي كان يتصل بها مرات عدة في الاسبوع الواحد أن القرار 1559 «سيجعل المتشددين في دمشق في وضع هش ويعطي الذرائع للمعتدلين للتشكيك بقدرات وتوجهات النظام، ولن تكون لنا اي مصلحة في أن نرى في الشرق الأوسط هلالاً شيعيًا من ايران الى حزب الله مرورًا بالعراق وسورية». في هذه العبارات القليلة، يمكن للقرار الاتهامي المسيّس أصلا ان يستند اليها للتأكيد على الذريعة ودافع “المجرم” لقتل الحريري، أي الاشارة الى ضلوع الحريري في مؤامرة 1559، ووقوفه سدًا في وجه التمدد الشيعي الذي سيقيم هلالاً شيعيًا مما قد يربط ايران أيضًا او الحرس الثوري الايراني بالتحديد كمحرضين على الجريمة!

وهنا يمكن أن نطرح علامات استفهام كبرى: كيف يمكن أن يحصل مؤلف الكتاب على اذن خاص للدخول الى أرشيف الرئاسة الفرنسية، ومحاضر اللقاءات الأميركية الفرنسية، والملاحظات على المفكرات الخاصة للرئيس شيراك، وهي رزمة من المعلومات السرية والقيّمة التي حصل عليها، في سياق الفصول التي خصصها للبنان، من موريس غوردو مونتاني، المستشار الدبلوماسي للرئيس جاك شيراك … ان الوصول الى هذه المعلومات وكشفها يثير الريبة، لأن القانون الفرنسي لا يسمح بفتح هكذا أرشيف الا بعد مرور 60 عامًا على مرور تلك الاحداث. وهنا يكمن السر الخطير.

خاتمة
في بلد ومنطقة لا تتمتع بثقافة العدالة، وحيث يصدر الاتهام في وسائل الاعلام ويصدر الحكم وتشوه سمعة الانسان، حتى لو كان بريئًا، لا يمكن اعتبار صدور القرار الاتهامي بإدانة عناصر من حزب الله أمرًا عابرًا، ولا يمكن القول أن الامر منفصل عن الحرب الدائرة بدون نار منذ انتهاء حرب العام 2006. ان ما يُحكى اليوم عن قرار اتهامي هو باختصار نسخة مكررة عن حرب 2006 بأهدافها نفسها ولكن بآليات مختلفة. فكما تحول حزب الله يومها من مقاومة مشروعة الى “مغامرين” ومتهورين، واسرائيل تؤدبهم دفاعًا عن نفسها، يراد اليوم من خلال القرار الاتهامي أن يتحول المقاومة الى مجموعة مجرمين وقتلة وارهابيين، وعلى اسرائيل مساعدة لبنان وقواه العاجزة على اجثتاث الارهاب، باسم المجتمع الدولي الحريص على العدالة وعدم الافلات من العقاب. وتبقى المعركة اليوم هي معركة رأي عام على المقاومة وحلفائها كسبه الى جانبهم من خلال حملة علاقات عامة وإعلام لحسن إدارة المعركة ضد القرار الاتهامي الجائر، وكسبه الى جانبه في المراحل الصعبة المقبلة.

 

استاذة العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدولية

 

هوامش

(1) Joseph S. Nye Jr., Soft Power: The Means to Success In World Politics, Public Affairs, 2005.

(2) Thomas Donnelly, the Democrats and Defense, in National Security Outlook, American Enterprise Institute for Public Policy Research, July 2005. http://www.aei.org.

(3)  انظر كتاب: فانسان نوزيل، “في سر الرؤساء”- مقتطفات من هذا الكتاب منشورة في صحيفة السفير في 8 تشرين الثاني 2010.

(4)  هي عبارة حرفية أوردها فرنسوا نوزيل في كتابه- انظر الوثائق التي كشفها كتاب “سر الرؤساء” والتي نشرت السفير مقتطفات منه في 8 و9 تشرين الثاني 2010.

(5) انظر النص الكامل على المدونة التوثيقية للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بعنوان: special tribunal for Lebanon monitor

على الرابط التالي http://cldh-tribunal-liban.blogspot.com

(6) بدل الاعتراف بالخطأ والاعتذار، اعتبرت قوى 14 آذار أن هذا الاطلاق يؤكد عدم تسييس المحكمة، وان على اللبنانيين منحهم ثقتها.

(7)  نحن نعتبر ان الاسرائيليون يعدون لحرب في المنطقة ولكنهم لن يقوموا بها الا بعد التأكد والوثوق من انتصارهم بها، وخاصة بعد القمة الثلاثية التي حصلت في دمشق والتي جمعت الرئيس السوري بشار الاسد والرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد والسيد حسن نصرالله، وبعد اعلان اعتماد استراتيجية الحرب الشاملة في تلك القمة، فان الاسرائيلي سوف يفكر مئة مرة قبل الاقدام على حرب في المنطقة أو شن هجوم على لبنان او سوريا أو ايران.

(8) شهادة فيلتمان في الكونغرس الاميركي في 8 حزيران 2010.

(9) عملا بقرار مجلس الأمن 1664 الصادر عام 2006 أجرت الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية مفاوضات لإبرام اتفاق بشأن إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان لكن الاتفاقية لم تسر المسار القانوني والدستوري المنصوص عليه في القوانين اللبنانية.

(10)  في تصريح له لجريدة الاخبار اللبنانية، في 34 تشرين الثاني 2010:

http://www.al-akhbar.com/ar/node/213310

(11) هو ما تم التوصل اليه في اطار تطور المسؤولية الجنائية الفردية من خلال المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من المحاكم الخاصة والمختلطة ومنها محكمة لبنان.

(12) The Responsibility to Protect,” Report of the International Commission on Intervention and State Sovereignty, December 2001, p.13, paragraph 2.15

(13) ibid, p. 17, paragraph 2.29.

(14) انظر تقارير الامين العام للامم المتحدة بشأن الوضع في لبنان على موقع الامم المتحدة الرسمي: www.un.org

(15) وقد ذكر جون بولتون في كتابه كيفية مطالبتهم للسنيورة بارسال هذه الرسالة، ويقول ان اغتيال جبران تويني هو “الجريمة الثانية” في سلسلة من الجرائم ابرزها اغتيال الحريري… ووصلت رسالةالسنيورةعلى وقع الدماء والصدمة في بيروت فتم تمرير المحكمة.

انظر: جون بولتون، الاستسلام ليس خيارنا، دار الكتاب العربي، بيروت، 2008، ص 474.

(16) وقد جاء في المادة الرابعة ما يلي:

المادة 4: الاختصاص المشترك

1- للمحكمة الخاصة والمحاكم الوطنية في لبنان اختصاص مشترك. وتكون للمحكمة الخاصة ضمن اختصاصها أسبقية على المحاكم الوطنية في لبنان.

2 – في موعد يحدده الأمين العام، على ألا يتجاوز شهرين بعد تسلم المدعـي العام مهامـه، تطلب المحكمة الخاصة من السلطة القضائية الوطنية المعروضة عليها = = قضية الهجوم على رئيس الوزراء رفيق الحريري وآخرين، أن تتنازل عن اختصاصها. وتحيل السلطة القضائية اللبنانية إلى المحكمة الخاصة نتائج التحقيق ونسخة من سجلات المحكمة إن وُجدت، ويُنقل الأشخاص المحتجزون رهن التحقيق إلى عُهدة المحكمة.

3 – أ) بناء على طلب المحكمة الخاصة، فإن السلطة القضائية الوطنية المعروض عليها أي من الجرائم الأخرى المرتكبة في الفترة من 1 تشرين الأول/أكتوبر 2004 إلى 12 كانون الأول/ديسمبر 2005، أو في تاريخ لاحق يحدد عملا بالمادة 1، تحيل إلى المحكمة نتائج التحقيق ونسخة من سجلات المحكمة إن وُجدت، إلى المدعي العام لمراجعتها.

ب) بناء على طلب إضافي من المحكمة، تتنازل السلطة الوطنية المعنية عن اختصاصها لصالح المحكمة. وتحيل إلى المحكمة الخاصة نتائج التحقيق ونسخة من سجلات المحكمة، إن وُجدت، كما يُحال الأشخاص المحتجزون رهن التحقيق في أي من هذه القضايا إلى عُهدة المحكمة.

(ج) تُطلع السلطات القضائية الوطنية المحكمة بانتظام على التقدم المحرز في تحقيقاتها، في أي مرحلة من مراحل الإجراءات، أن تطلب رسميا من السلطة القضائية الوطنية التنازل عن اختصاصها.

(17) http://almanar.com.lb/NewsSite/NewsDetails.aspx?id=160838&language=ar

(18) انظر: عمر نشابة، المحكمة الدولية: حلبة مصارعة بين السياسة والعدل، صحيفة الاخبار، 30 آذار 2009.

(19) حسن عليق، مساعد بلمار: اسرائيل احد مصادرنا، جريدة الاخبار، الخميس 4 تشرين الثاني 2010. على الرابط التالي:

http://al-akhbar.com/ar/node/213310

(20) وذلك في بيان رسمي صادر في 19 تشرين الثاني 2010.

(21) Wayne Jordash and Tim Parker, Trials in Absentia at the Special Tribunal for Lebanon: Incompatibility with International Human Rights Law, Oxford University Press, 2010. Available at:

http://jicj.oxfordjournals.org/content/early/2010/05/05/jicj.mqq020.abstract

(22) RANDALL T. COYNE, ESCAPING VICTOR’S JUSTICE BY THE USE OFTRUTH AND RECONCILIATION COMMISSIONS, Georgetown University, 1986.

(23) Jelena Subotić, Domestic Political Use of Transitional Justice:Evidence from the Former Yugoslavia, paper Prepared for the 2007 International Studies Association Convention, February 28-March 3, 2007, Chicago, IL

(24) Nancy A. Combs, Fact-Finding Without Facts: The Uncertain Evidentiary Foundations of International Criminal Convictions, Cambridge university press, New York, 2010.

(25) عمر نشابة، المحكمة الدولية: القرار الاتهامي لا يتضمّن أدلّة أو قرائن، الاخبار، 20 أب 2010

(16) وهذا ما أشار إليه بوضوح أحد المسؤولين في قلم المحكمة الخاصة بيوغسلافيا، حيث قال خلال قيامه بشرح طريقة تمويل المحكمة: المحكمة مموّلة من الأمم المتحدة وأيّ دولة تشارك في الأمم المتحدة تساهم في التمويل، ولكنّ الولايات المتحدة الأميركية في طليعة المتأخّرين عن تسديد التزاماتها ومساهماتها المادية.

فكرتان اثنتان على ”المحكمة الدولية الخاصة بلبنان: نسخة مطورة عن حرب 2006

  1. شكرا لك سيدتي الكريمة على هذا التوضيح ممكن ابراز الجوانب القانونية للمحكمة الجنائية الخاصة بلبنان

  2. يسعدني ويشرفني وانا اتطلع على هذا البحث القيم الذي الم جوانبة المختلفة
    وبالخصوص من قلب الحدث شكرا لك سيدتي هذا الجهد الذي اتحفت المكتبات
    التي تفتقرة اللهم اجعلة في ميزان حسنات ومن اللة التوفيق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s