هل ينهي مقتل بن لادن “الاسلاموفوبيا” في الغرب؟

شكّلت هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 فرصة ذهبية للمشروع الإمبراطوري الأميركي للهيمنة على العالم، وجعلت المحافظين الجدد يحكمون سيطرتهم على الإدارة الأميركية، ما أدى إلى تحول ملحوظ في السياسة الأميركية، فظهرت في قاموس السياسة الخارجية واستراتيجيا الأمن القومي مصطلحات جديدة أبرزها: «الهيمنة الأميركية الحميدة»، «تغيير أنظمة الحكم بالقوة»، «شرعية استخدام القوة العسكرية في حرب استباقية»، والتي ما لبثت أن تطورت إلى مفهوم الحرب الوقائية.

لكن تعثر المشروع الأميركي بفعل المقاومة التي أبدتها شعوب المنطقة، جعل الأميركيين يتحولون إلى صياغة سياسات “أذكى”، تسمح لهم بالسير في مشروعهم الإمبراطوري للسيطرة على العالم. وهكذا، أتى الرئيس الأميركي باراك أوباما وارثاً تركة ثقيلة، وعلى عاتقه تحقيق ما يلي:

1. استعادة هيبة ومكانة الولايات المتحدة على المستوى الدولي، بإعادة ترتيب العلاقات الأميركية مع الأطراف والتكتلات الدولية الفاعلة، واحتواء حالة العنف والكراهية تجاه أميركا في العالم بشكل عام، وفي العالميْن العربي والإسلامي بشكل خاص.

2. معالجة الزلزال البنيوي الداخلي الذي أحدثته أزمة الاسواق المالية، بهدف وقف التدهور واستعادة الثقة بوضع الاقتصاد الأميركي على طريق الإنعاش.

3. تخريج عملية الانسحاب من المغامرات العسكرية المكلفة مادياً وبشرياً، والتي تورطت فيها أميركا بفعل السياسات السابقة للرئيس بوش الابن باتجاه الاحتلال العسكري الأميركي لكل من العراق وأفغانستان.

4. مواجهة تعاظم الدور الإيراني، ومنع إيران من امتلاك الطاقة النووية، وتطويق معسكر المقاومة العربي الذي تشكّل سورية ركيزة أساسية له، وتطويق إمكانية تغلغل النفوذ الروسي والصيني في الشرق الأوسط.

وتحقيقاً لهذه الأهداف، أعلن الرئيس باراك أوباما استخدامه لاستراتيجية “القوة الذكية”، أي الاستخدام المتكامل لجميع عناصر القوة الأميركية في خدمة أهداف الأمن القومي الأميركي، مشيراً إلى أنه يتوجب على أميركا أن تعيد إحياء قدرتها على “زرع الأمل والإقناع” حول العالم، بدلاً من الاعتماد على قوتها العسكرية وحدها.

استطاع أوباما أن يدير سياسة الانكفاء المرحلي التي تمهد لانسحاب من الميدان بإشعال حرائق متنقلة، وصياغة خطة هجومية مرتدة على الواقع المستجد الذي طرأ في الشرق الأوسط بعد ثورات شعوبه، من خلال سياسة حددتها كلينتون بعنوان “التعاون والانفتاح على الجميع”، وهو ما حصل في كثير من البلدان العربية.. وهكذا نرى أن الأميركيين يحاولون الالتفاف على الثورات الشعبية التي حصلت في تونس ومصر، وذلك من خلال “هندسة” وصول حكم جديد لا يختلف في نظرته إلى الأميركيين وتعاونه معهم عمن سبقه.

إذاً، في التوقيت يأتى مقتل بن لادن “ضرورة” في وقت يريد فيه الأميركيون تغيير صورة “العدو” الذي اخترعوه بعد أحداث 11 أيلول. فبعد أن اختلق الغرب عدواً وهمياً جديداً لمحاربته، وهو الإسلام، يريدون اليوم التخفيف من غلواء “الاسلاموفوبيا” في الغرب، وذلك بعد أن تبين لهم أن التعاون مع جماعات الإخوان المسلمين قد يغدو وسيلة مناسبة لتمرير المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

ولعل ما كان لافتاً للانتباه خلال المشهد الثوري المصري، ذلك التركيز الغربي السياسي والإعلامي على الإخوان المسلمين، وحجمهم، وتضخيم دورهم في الثورة، ومحاولة تسويق صورة جديدة لهذه المجموعات كمسلمين “مودرن” يرحبون بالقيم الغربية، ويتشاطرون معها القيم نفسها، وقد واكب الإخوان المسلمون في مصر هذه الصورة بمقابلات مع الإعلام الغربي، كالمقابلة التي نشرت في (الفورين بوليسي)، والتي حدد فيها مسؤول الإخوان نظرته للعلاقة مع إسرائيل، معترفاً بحقها في الوجود، ومطالباً بالاعتراف به بالتوازي مع الاعتراف بحق الفلسطينيين.

وهكذا ينظّر بعض الاستراتيجيين الأميركيين للتحالف مع القوى الإسلامية في المنطقة، مرتكزين على تجربتهم مع حزب العدالة والتنمية في تركيا، الذي أظهر قدرة فائقة على حماية المصالح الغربية، وفي نفس الوقت اللعب على الحس الإسلامي في المنطقة، وكسب ود العرب والمسلمين من خلال شعارات تدعم القضية الفلسطينية.

بات خطر “الاسلاموفوبيا” المخترع عائقاً أمام الأميركيين والأوروبيين يمنعهم من التحالف مع مجموعات جديدة في المنطقة، كما أن حلفاءهم القديمين قد استنفدت مدة صلاحياتهم، وأدوا كل ما يمكن أن يؤدوه، وباتت كلفة حماية وجودهم كبيرة، ولهذا الغرض كان عليهم أن يعلنوا “موت العدو” الإسلامي المتطرف، وانتشار “الإسلام المعتدل”، الذي من الواجب التعامل معه والانفتاح نحوه، باعتباره ممثلاً شرعياً للثورات الشعبية التي قامت في كل من مصر وتونس، وذلك في خطوة تراجعية عن كل ما ساقوه في وسائل الإعلام من تضخيم لـ”الخطر الأصولي الإسلامي”، و”كرهه” لقيم الحضارة الغربية.

لا شك أن التخلص من الإسلاموفوبيا في الغرب يبدو أمراً مريحاً للعرب والمسلمين، الذين يعيشون في أووربا وأميركا، ويؤدي إلى التراجع عن غبن لاحق بالعرب والمسلمين منذ مدة، لكن المشكلة تكمن في أن يكون ثمن هذا التراجع شروطاً يضعها الأميركيون على المجموعات الإسلامية في المنطقة، لدعمها وإيصالها إلى السلطة، خصوصاً في مصر، فتمارس نفس سياسات مبارك السابقة التطبيعية مع إسرائيل، فمن يستطيع عندئذ أن يعيّرها بعدم شرعيتها بعد أن جاءت بأصوات الجماهير وصناديق الاقتراع، بغض النظر عن التزوير الذي يمكن أن يحصل في انتخابات كهذه، ولنا في الانتخابات النيابية اللبنانية نموذج حي عن “نزاهة وشفافية” الانتخابات التي تراقبها المنظمات الغربية.

استطاع الغرب من خلال ما حصل في البحرين وليبيا، وما يحصل في سورية من محاولات تخريب، أن يوقف المد الثوري الشعبي في العالم العربي، وينهي إمكانية تشكيل دومينو “ربيع عربي” واعد في المنطقة.. فهل يمكن أن يدفع العرب ثمن صورتهم الجديدة “المعتدلة”، بعد أن دفعوا أثمان تشويهها في العالم، بأن يفقدوا ربيعهم باكراً ويدخلوا في مرحلة الخريف، أم أنهم سينتصرون مجدداً كما انتصرت مقاوماتهم على مشاريع الهيمنة خلال العقد الماضي؟

•·       أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s