الفتنة في لبنان: حاجة أميركية؟

الثبات 25 ايار 2011

ترافقت زيارة فيلتمان إلى لبنان مع خطاب للرئيس باراك أوباما، حدد فيه موقفه من التطورات الجارية في العالم العربي، فأعلن فيه التزامه بأمن إسرائيل ورغبته في مصادرة الثورات العربية من خلال الدعم المالي، واعتراف ضمني بوضع ميداني سوري استطاع فيه الأسد إثبات عجز الأميركيين عن الإطاحة به، وذلك من خلال مطالبة أوباما للأسد بقيادة الإصلاح في بلاده.. وإلا التنحي.. ثم تلاه خطاب آخر أمام لجنة العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية (ايباك)، بعد أيام على خطابه السابق، كشف فيه ما يحضّره الأميركيون للبنان، وما جاء به فيلتمان في جعبته.

أتت زيارة فيلتمان إلى لبنان هذه المرة بهدفين اثنين:

الأول: إرسال الرسائل إلى الإيرانيين والسوريين، من خلال التهديد بعقوبات إضافية وقرارات من مجلس الأمن على النظام السوري، والتلويح بشبح فتنة مذهبية، من خلال القرار الاتهامي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

والثاني: شكر وتقدير لمن التقاهم على تنفيذهم المطالب الأميركية بإطالة عمر الفراغ، وتنفيذ التعليمات بعدم تشكيل الحكومة اللبنانية إلا بعد انقشاع غبار المعارك المتجولة في المنطقة، على أن تعكس الحكومة اللبنانية العتيدة توازنات القوى الإقليمية بعد انتهاء جولات المعارك بين المعسكرين.

هكذا تثبت التجارب يوماً بعد آخر أن الأميركيين لا يعيرون لبنان أهمية، وأنه لا ينفك كونه ساحة لبعث الدخان من أجل التعمية عما يجري في المنطقة من تسويات وترتيبات، فها هم اليوم يهددون بإشعال حريق في البيت اللبناني الداخلي، من خلال إثارة فتنة بين اللبنانيين، لمجرد إرسال رسائل لمن يعنيهم الأمر في المنطقة.

والسؤال: لماذا يريد الأميركيون إشعال نار في لبنان تثير دخاناً كثيفاً في المنطقة؟

يعيش الأميركيون اليوم هاجس استحقاق كبير، وهو التحضير لبقاء جنودهم في العراق، خلافاً لما تنص عليه الاتفاقية الأمنية العراقية الموقعة بين الأميركيين والعراقيين في كانون الأول 2008. وفي التحضير لهذا البقاء تعمل الإدارة الأميركية على خطين: داخلي في الولايات المتحدة، وإقليمي في منطقة الشرق الأوسط.

ـ على الصعيد الداخلي الأميركي: تحتاج الإدارة الأميركية إلى إقناع الكونغرس والجمهور الأميركي بضرورة بقاء قواتهم في العراق إلى ما بعد الفترة المحددة في الاتفاقيات، والتي وعد باراك أوباما بتنفيذها. وعليه، فإن وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس، وفي شهادته أمام الكونغرس في شباط الماضي، اعتبر أن العراق سيواجه مشكلات أمنية بعد الانسحاب الأميركي، متنبئاً أن يعاني العراقيون في تأمين مجالهم الجوي، كما توقع أن تعاني القوات الأمنية العراقية في مجالات النقل والإمداد، وأن أي قرار لإبقاء القوات الأمريكية في العراق بعد 2011 يجب أن يُتخذ بسرعة، لأن القوات الأميركية واقعة أصلاً تحت ضغوط في أنحاء متفرقة من العالم.

بالنسبة إلى الجمهور الأميركي، وتحديداً أهالي الجنود الأميركيين العاملين في العراق، فيطلق الأميركيون اليوم حملة إعلامية تتجلى في أفلام ودعايات، ولعل أهمها وثائقي أُطلق أمس باحتفال كبير في ولاية فرجينيا، وهي الولاية التي تنتمي إليها غالبية الجنود المتبقين في العراق. ويهدف الوثائقي بحسب مخرجه ومعده إلى فهم أفضل من قبل الجمهور لما تقوم به القوات الأميركية في العراق من مهمة “عظيمة” لمساعدة الشعب العراقي وقوات الأمن العراقية، والاطلاع على كيفية معيشة الجنود وحياتهم. فيصورهم في حالة عيش شبيهة جداً بالعيش في أميركا، فهم يذهبون إلى النادي ويزورون الكنائس.. ويعزو المخرج سبب عدم إشارة الوثائقي إلى أية متفجرات أو سيارات مفخخة أو ضحايا من الجنود، بأن ذلك لم يعد يحصل في العراق.

أما على الصعيد الإقليمي، فيحتاج الأميركيون إلى سلسلة من الإجراءات في الداخل العراقي وجواره، إذ تتصاعد في الداخل العراقي الضغوط السياسية والشعبية الداخلية على رئيس الوزراء نوري المالكي لعدم تمديد بقاء قوات الاحتلال في البلاد بعد عام 2011، وعليه يحتاج المالكي إلى شرعية سياسية داخلية للطلب من الأميركيين تمديد بقائهم في العراق.

وهكذا يعمل الأميركيون على خطين: الخط الأول عودة التفجيرات التي تستهدف المدنيين، وذلك لقول إن الأمن لم يستتب بعد، ما يطرح هواجس عن قدرة الجيش والقوى الأمنية العراقية على فرض الأمن بعد رحيل الأميركيين من العراق، فتتزايد المطالبات الشعبية بتمديد بقاء القوات الأميركية  لحفظ الأمن والاستقرار، ولعدم انزلاق البلاد إلى الفوضى.

وفي الجوار الإقليمي، تتزايد الضغوط الغربية على كل من إيران وسورية كلما اقترب الاستحقاق الأميركي في العراق. يريد الأميركيون من الإيرانيين والسوريين ممارسة نفوذهم والضغط على حلفائهم في الكتل العراقية لأجل التوقيع على التمديد لبقاء القوات الأميركية في العراق. وتأتي في هذا السياق عودة الحديث عن قرار اتهامي سيصدر عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وذلك لإحراج حزب الله، وللتخويف بفتنة قد تقع في لبنان لن يسلم منها أحد، أو لإشعال حريق في منطقة تصلح ساحة لإثارة الدخان للتعمية عما يجري في المنطقة من تسويات.

إذاً، سواء كان الأميركيون يعدون فعلاً لفتنة في لبنان من خلال زيارة فيلتمان واتهام أوباما الصريح لحزب الله بالاغتيالات السياسية، أو في حال كانوا يحاولون الإيحاء بها للتهديد فقط، وللحصول على مطالبهم، من خلال انهيار الخصم معنوياً قبل حصول الفتنة، نقول إن لبنان والمنطقة قادميْن على وضع حساس وصعب جداً من الشد والجذب وليّ الأذرع بين المعسكرين، إلى أن يستقر الحال في العراق مع بدايات الصيف المقبل وتنقشع النتائج النهائية، والتي ستسفر بالنهاية عن بقاء جزء كبير من القوات الأميركية في العراق، لكن التفاوض يتم الآن على الشروط والنتائج والكلفة وما سواها.

يوماً بعد يوم يكتشف اللبنانيون أن بلدهم ما هو إلا ساحة لتمرير الرسائل الإقليمية عبرها، كما تكتشف المعارضة السابقة أن اختيارها لميقاتي بديلاً عن الحريري لم يكن موفقاً، فارتباطاته الخارجية باتت واضحة تماماً، من خلال التعطيل الذي مارسه، ومن خلال إحراج الأكثرية الجديدة، ومحاولة تشويه صورة العماد عون، ودق أسافين بينه وبين الأطراف الأخرى، وهي الخطة التي تعرّت إلى درجة تثير السخرية والقرف باستخدامها نفس الشعارات المجترة منذ زمن الحريرية حول التعطيل و”الصهر” والحصص التعجيزية.. والتي كشفها الرأي العام اللبناني منذ زمن بعيد.

*أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s