المعارضة : صراخ لا يتجاوز الحدود

لم يكد يصدر القرار الاتهامي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حتى ارتفعت أصوات المعارضة تارة متهمة حزب الله، وطوراً متحدثة عن تمثيل المتهمين لأنفسهم، مع إشارة واضحة، في نفس الخطاب، إلى الطلب من حزب الله التنحي في عبارة، وعكسها، وفي اجتهاد ونقيضه، وفي تصويب صريح على السلاح المقاوم ما يؤكد أن المعارضة الجديدة قد فتحت صفحة جديدة من صفحات التحريض المذهبي الفتنوي عنوانها اتهام حزب الله بالاغتيال، والادعاء بأن السلاح موجود لحماية المتهمين، لذلك يجب إزالته، ما يؤدي طبعاً إلى كشف لبنان أمام التهديدات الإسرائيلية المستمرة، وآخرها ما كان إعلام المعارضة قد تحدث عنه، وهو التحضير لحرب إسرائيلية مقبلة على لبنان.

وفي وقت سادت الأجواء الخطابية التحريضية جلسات الثقة في البرلمان اللبناني، استعاد جمهور المستقبل وحلفاؤه مفردات غابت عن اللبنانيين منذ زمن بعيد، تتحدث عن أخطار جمة، وأساطيل وسفن، في محاولة يائسة لإشاعة أجواء تخويفية للمواطنيين حول ما يسمونه “عواقب دولية وخيمة” جراء رفض الحكومة اللبنانية التعاون مع المحكمة أو التملص منها، مهولين على اللبنانيين بأن المحكمة وجدت تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وأن هذا الفصل يعطي مجلس الأمن الحق في اتخاذ تدابير من نوع العقوبات الاقتصادية والسياسية، وحتى العسكرية، في حال امتناع أي دولة عن تنفيذ قراراته، وهكذا ستجد الحكومة اللبنانية نفسها محاصرة بالأساطيل الأطلسية إذا لم تمتثل وتسلم المتهمين وتتعاون مع المحكمة!

وبالرغم من أن في هذه الأجواء ما يثير الاستغراب، فقد جرب هؤلاء التهديد سابقاً بـ(يو أس أس كول) الأميركية، التي قالوا إنها ستأتي لتنقذ السنيورة، وغيرها من أحلام التدخلات الخارجية التي لطالما وعدوا بأنها ستأتي لتخلصهم من حزب الله، ولم يحصل شيء، وبالرغم من هذا، سنحاول علمياً تفنيد هذه التهديدات مستندين إلى مضامين العلاقات الدولية الجديدة، وإلى تجارب مجلس الأمن الفعلية لمعرفة إلى أي مدى يمكن فعلاً لمجلس الأمن تهديد لبنان بسبب عدم التعاون مع المحكمة.

بالنسبة إلى التدخل العسكري الموعود أنه سيحصل لاعتقال المتهمين، يتحدث المعارضون عن سيناريوهات تدخل عسكري مباشر أو تعديل مهام اليونيفيل لتقوم بهذه المهمة، وفي دراسة هذا الخيار وإمكانياته سنعتمد المنطق الدولي، والواقع الفعلي على الأرض، وهما بطبيعة الحال لا ينفصلان.

تدل تجارب مجلس الأمن الدولي، على أن إقرار التدخل العسكري في بلد من البلدان يحتاج إلى شروط صعبة جداً لإقراره، ويرتبط بشكل رئيسي بتوازن القوى داخل مجلس الأمن ومصالح الدول الكبرى في التدخل، على أن يكون هناك اتفاق بين الدول الأعضاء على خطورة الوضع وتهديده للسلم والأمن الدوليين، وعلى القصة السببية التي ستثيرها الدولة – القائد الدافعة نحو التدخل، أو أن يكون هناك انتهاك كبير لحقوق الإنسان وأعمال إجرامية تقوم بها دولة ضد مواطنيها، وأن تكون السلطة القائمة في البلد المتدخل فيه فاقدة الشرعية وغير فاعلة، هذا بالإضافة إلى أن مجلس الأمن لن يقوم بتفويض شن حرب أو تدخل عسكري في دولة ما من أجل اعتقال متهمين بجريمة قتل، ولنا في اعتقال (ملاديتش) الأخير بعد 16 سنة من صدور قرار اتهامه من قبل المحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا مثال واضح.

هذا في المنطق العام، أما بالنسبة إلى موازين القوى على الأرض، وبما أنه ليس لدى الأمم المتحدة قواتها العسكرية الخاصة بعد، فالسؤال البديهي: من هي الدول التي ستقبل بإرسال جنودها للغرق في المستنقع اللبناني لسحب سلاح حزب الله، والتجارب التاريخية ماثلة أمام أعينهم، وتجربة إسرائيل في حرب تموز 2006 لم تنسَ بعد؟ وهل يمكن للأطلسي أن يقحم قواته في حارات الضاحية الجنوبية لبيروت بحثاً عن متهمين مفترضين في اغتيال الحريري؟ وهل هناك من يعتقد أن اليونيفيل التي تحتاج إلى الجيش اللبناني لحمايتها في جولاتها الجنوبية، ستكون جاهزة ومستعدة لإقحام نفسها في أمر كهذا، من أجل عيون جماعة المستقبل وحلفائهم، لإعادتهم إلى السلطة؟ وما هو الثمن الذي يمكن لليونيفيل أن تدفعه؟

أما التهديد بالعقوبات الاقتصادية على لبنان، والتهويل على اللبنانيين بخطر انهيار اقتصادي كبير، فلا بد من الإشارة إلى أنه بعد تجربة العقوبات الاقتصادية على العراق، وما نتج عنها من مآسٍ كبيرة أضرّت بالشعب العراقي ولم تؤثر على صدام حسين، لم تعد المضامين الدولية الجديدة تسمح بعقوبات اقتصادية دولية على دول أو شعوب بأكملها، بل باتت العقوبات تفرض على أشخاص أو منظمات أو شركات، وهو ما تم ملاحظته في التجربة السورية الحديثة، فقد حاذر الأوروبيون والأميركيون فرض عقوبات اقتصادية تؤثر تأثيراً مباشراً على الشعب السوري، بل طالت العقوبات أفراداً ومؤسسات ارتبطت بالنظام بشكل مباشر، وتطبيقاً على الحالة اللبنانية، أقصى ما يستطيع أن يفعله الأوروبيون والأميركيون هو فرض عقوبات اقتصادية على أفراد من حزب الله، أو مؤسسات تابعة بشكل مباشر له للضغط لضرورة التعاون مع المحكمة.

لا شيء في الواقع الداخلي وموازين القوى المحلية والدولية يؤشر إلى إمكانية تحقيق الأحلام التي تراود جمهور المستقبل وحلفائه، فموازين القوى في مجلس الأمن، وكما دلت التجربة السورية الحديثة، تؤكد أنها مختلفة تماماً عما كانت عليه عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث استغلت الولايات المتحدة الواقع الجديد لتشرع تدخل الأطلسي في مناطق عدة تارة بذريعة التدخل الإنساني، وطوراً بحجة فرض الديمقراطية وغيرها، كما أن موازين القوى الداخلية والإقليمية والدولية، عادة ما تفرض نفسها على إيقاع القانون الدولي والمحاكم الدولية، فما نلاحظه من تجربة المحاكم الدولية التي سبقت محكمة لبنان، أنها محاكم المنتصر التي تنشأ لمحاكمة المهزومين وهو ما حصل منذ نورمبرغ وطوكيو وحتى الآن، وهكذا نجد أن محكمة لبنان وداعميها يحاولون السير عكس حركة تاريخ العلاقات الدولية، الذي يفيد بما لا يقبل الشك أن المنتصر هو الذي يكتب التاريخ، ويسن القوانين، ويقيم المحاكمات للمهزومين.

* استاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s