تدخل الاطلسي عسكرياً في سوريا..هل يبدو واقعياً؟

الثبات- الخميس 11 آب 2011

كما كان متوقعاً، طغت الأحداث الدموية على الوضع السوري خلال شهر رمضان، وقد أتت المآسي والأحزان وازدياد العنف والخيارات الأمنية، لترسم معالم الشهر الفضيل فتحوله عما يفترض أن يكون شهر الخير والبركات، فيعطي مجالاً للشعب السوري في هذا الشهر لالتقاط الأنفاس بعد أشهر صعبة من الضغوط السياسية وعدم الاستقرار الأمني والضغوط الاقتصادية التي تهدد بإفقار الشعب السوري بأكمله.

ومع تزايد الضغوط وحدة البيانات الشاجبة، يتحدث كثر في لبنان والعالم عن توجه لتدخل عسكري أطلسي أو تركي مباشر في سوريا، وذلك بعدما تيقن الجميع عدم إمكانية “المعارضة السورية” من الإطاحة بنظام الأسد من الداخل، كما صرحت كلينتون في وقت سابق. فقد أظهر الشعب السوري وحدة وتضامناً واستمراراً في تأييده للرئيس الأسد، كما فاجأ تماسك الجيش السوري الجميع أيضاً، وقد كشف عن محاولات لشق صفوف الجيش السوري أو تدبير انقلاب على الرئيس ولكنها باءت جميعها بالفشل، يضاف إلى هذه الأسباب البنيوية لقوة النظام، أن “المعارضين” أنفسهم لم يقدموا بديلاً مقبولاً للشعب السوري، وظهروا معارضات ضمن المعارضة، ولعل تخطي البعض منهم الخطوط الحمراء، قد خدم النظام السوري وأضر بالحركة “الإصلاحية” وضربها في الصميم.

وهكذا، وبعدما فشلت مراهنات التغيير من الداخل، تظهر مراهنات على سقوط النظام السوري من خلال تدخل عسكري خارجي يقال إنه سيمد الدعم للحركات المسلحة في الداخل، ويساعدها على فرض موازين قوى جديدة تجعل من إمكانية انقلاب العسكر أو السياسيين على نظامهم أمراً أسهل فتكر السبحة ويتهاوى النظام السوري كما تهاوت قبله أنظمة عربية، لكن من خلال دراسة موازين القوى على الأرض، وظهور قدرة الجيش السوري على الحسم في مناطق اعتبرت القلاع الأساسية لحركات المعارضة، فإن خيار التدخل العسكري الخارجي المباشر في سوريا، يبدو صعباً للغاية، فبالرغم من كل ما يقال ويشاع، عن احتمالات تدخل عسكري أطلسي أو سواه في سوريا، إننا نرى أن هذا الخيار مستبعد – أقله في الفترة الحالية، وذلك لأسباب عدة أهمها:

–         التجربة الليبية: لقد تحولت ليبيا – كما عبر أحد الباحثين الأوروبيين- إلى العاصفة المثالية للإطاحة بأوروبا الاتحادية، فقد أظهرت التجربة أن كل الآليات الأوروبية الاتحادية ما زالت غير ناضجة، لقد ظهر من التجربة الليبية والخلافات التي سادت في أوروبا خلال التحضير للحرب وما بعدها والانقسامات التي سادت حول الأسلوب الأنجع للتعامل مع ليبيا، وتهافت كل دولة أوروبية على تحقيق مصالحها الوطنية القومية على حساب وحدة الاتحاد الأوروبي، ظهر أن آليات لشبونة أضافت تعقيدات إلى سياسة الاتحاد الخارجية ولم تسهلها، وأن الأحلام بتحول أوروبا إلى قوة عسكرية ضخمة تفرض نفسها على الواقع الدولي كاتحاد قد تبخرت، كما تبين أن الأوروبيين كـ”اتحاد” لا يصلحون إلا للأعمال الإنسانية، بدليل فشلهم – حتى الآن- في تحقيق الأهداف التي وضعوها لتدخلهم في ليبيا.

–         وضع حلف شمالي الأطلسي، الذي تسيطر عليه الولايات الأميركية، وقد تأثرت موازنة الأطلسي بالأزمات الاقتصادية التي تعيشها دوله، وقد أتهم روبرت غيتس الحلفاء الأوروبيين في الأطلسي، بأنهم فقراء في الإنفاق الدفاعي والقدرات العسكرية، وحذر من مستقبل قاتم إن لم يكن كئيباً لمستقبل حلف شمالي الأطلسي إن استمر الوضع على ما هو عليه.

–         الأزمات الاقتصادية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية والتي تدفع الأطراف جميعاً إلى تخفيض موازنات الدفاع بالإضافة إلى اقتطاع أجزاء مهمة من الخدمات الاجتماعية، فكيف سيبرر الأوروبيون والأميركيون خياراتهم الحربية أمام شعوبهم مهما عظمت الذرائع الإنسانية، وهي خيارات ستؤدي إلى إنفاق ضخم وإرهاق الخزينة واستهلاك أموال دافعي الضرائب، في وقت يطلب من مواطني هذه الدول “شد الأحزمة” والتكيف مع تناقص التقديمات الاجتماعية بسبب الإفلاس.

–          خشية الدول من دخول إيراني إلى الجبهة في حال نشوب حرب على الحليف الاستراتيجي السوري بموجب استراتيجية “وحدة الجبهة” التي أعلنت من دمشق في شباط 2010، ويدرك حلف شمال الأطلسي أن لدى الإيرانيين القدرة على استهداف الأميركيين في العراق، وقوات الحلف الأطلسي في أفغانستان وغيرها من المناطق، كما يملك القدرة على استهداف تركيا في حال غامر الأتراك بتدخل عسكري مباشر في سوريا.

–         إن اندلاع حرب إقليمية تساهم فيها إيران، مدخلها تدخل عسكري في سوريا، ستلهب أسعار النفط العالمي، وبالتالي فإن عاصفة اقتصادية هائلة سوف تضرب اقتصاديات الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية، وسيكون الثمن المدفوع لتدخل عسكري غير مضمون النتائج كبيراً جداً.

–         هذا في ما خص الأطلسي، أما في الحديث عن قيام إسرائيل بهذه الحرب فلا يبدو واقعياً أيضاً، فالوضع الإسرائيلي لا يسمح لإسرائيل الآن في الدخول في حرب لا تعرف نتيجتها، ولا تستطيع أن تضبط إيقاعها، فالإسرائيليون مشغولون بأزماتهم الداخلية، ويدركون هشاشة جبهتهم الداخلية، لذا لن يذهبوا إلى خيار تدخل عسكري في سوريا غير مضمون النتائج.

–         أما تركيا، فهي تدرك أيضاً أن الدخول العسكري المباشر في سوريا لن يكون نزهة كما أن السوريين والإيرانيين يملكون من الإمكانيات والأوراق التي تجعل من المغامرة التركية مكلفة جداً.

هكذا إذاً، تبدو الطريق مقفلة أما تغيير النظام السوري بالقوة، فالدروس المستفادة غربياً من التجربتين الليبية والعراقية، بالإضافة إلى ما تملكه سوريا من أوراق استراتيجية هامة، تجعل من هذه الرهانات، غير واقعية لا بل أقرب إلى سراب وأوهام تبقى في تمنيات مطلقيها وخيالاتهم، لذلك ما على السوريين إلا الجلوس للحوار فيما بينهم، للسير ببلدهم نحو طريق الإصلاح والتغيير الديمقراطي الصحيح، وعدم الاتكال على الخارج ولهم في التجربة العراقية وتهجير الشعب العراقي وتشتته في بقاع الأرض ونهب ثروات العراق بذريعة “دمقرطته”، عبرة ودرس لا يجب إغفاله.

  • أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s