مناقشة كتاب “آبيات شعر مفخخة” للكاتب آلان صفا

مداخلة ليلى نقولا الرحباني
الاونيسكو في 14 تشرين الاول 2011
عندما طلب مني الاستاذ آلان ان اناقش كتابه “آبيات شعر مفخخة”، لم أتردد بالرغم من أن اختصاصي الاكاديمي وهو علم السياسة، بعيد جدًا عن الشعر والعواطف ووجدانيات اللغة والادب.
لم أتردد لأني كنت قد تابعت العديد من قصائده وقرأتها عبر الفيسبوك، واعرف أن الكاتب وطني ملتزم، مؤمن بلبنان التعددي، جنوبي الهوى والانتماء، مقاوم للظلم ونصير للحق والمظلومين والمظلومات… وهي صفات أجد نفسي، عاجزة الا أن أحييها واقدرها في أي لبناني صميم، وخاصة انه مهاجر منذ سنين.
أما بالنسبة للكتاب:
لفتني هذا الجمع من الشخصيات الانسانية في كتاب شعري واحد، ولم أعرف إن كان الشاعر هو نفسه مجموع هذه الشخصيات، أو أنه يقول: ها هي الشخصيات الانسانية أمامك، فاختر ما تجده قريب لشخصك واقرأ، ولا تخشى انفجار الابيات، ففي الانفجار لذة الخروج عن المألوف وروعة طيران ذا علو منخفض، بحيث ترى الارض من فوق وتستمع بمناظرها كاشفًا عيوبها ومفاتنها، وقارئًا ما بين سطورها متعلمًا من تجربتي التي قد تكون سبقتك.
وقبل أن افند الشخصيات التي لمستها في الكتاب، اود أن اشير الى حقيقتين لم تغيبا عن الكتاب لحظة، ولم نشعر انهما فقدتا في أي سطر من سطور الابيات الشعرية، بجميع تلاوين القصائد وتنوعها وهما:
شخصية المواطن الاصيل – وشخصية المؤمن الحقّ.
الحقيقة الاولى وهي التعلق بلبنان … بالفعل كان حب لبنان لافتًا في جميع ثنايا الكتاب، في قصائد الغزل وقصائد الانتصار والحديث عن المرأة، وفي ذاكرة الجنوبي الذي لا ينسى، وفي بركان الغضب الثائر على الظلم والغاضب على ممارسات عدو لا تنتهِ ولا يعرف الا لغة الحقد والموت والدمار.
الحقيقة الثانية: المؤمن الفعلي بالله… المؤمن الذي لا يحتاج نصوصًا معلبة، ولا يؤمن بأن رجال الدين وسيط بيننا وبين الله… يُظهر إيمان بالله من كل قلبه وكل روحه وكل وجدانه.. وهو يعلم أن حب الله هذا، قد لا يدركه كثيرون ممن علّبوا انفسهم وأرواحهم في خدمة نصوص جامدة أنستهم وجه الله الحقيقي وأبعدتهم عن قلبه.
وهنا أنتقل الى الشخصيات الاخرى التي تنقلت بين القصائد:
1-    الشخصية الاولى: الابن المحب الوفي لأم ناضلت وعانت في مجتمع ذكوري ظلمها، كما ظلم الكثير من بنات جنسها.. ابن، وجد في عذاب نساء الارض، مثيلات لأمه، فاختار الطريق الاصعب وهنا يقول:
تركتيلي يا أمي عاطفي لاعطيها لكل بنت محرومه من العاطفه
تركتيلي يا أمي ضو تا ضوي عا كل بنت مظلومه
تركتيلي يا أمي دوا اسمو الحنان تا أعطيه لكل واحد ناقصو حنان
صعب كثير هذا الالتزام يا آلان!!!! وهذا التفاني في خدمة بشرية لا تعرف الا الحقد والطمع ولا تحترم الا القوة، وعادة ما تعتبر الحنان ضعفًا، فتقوم بسحق الضعفاء.
ثم تتبلور شخصية الابن الذي شاهد عذاب أمه في القصائد التالية، فيصبح نصير المرأة وسندها، يجعل من الدفاع عن المرأة وحقوقها قضيته، ويعتبر مساعدة المظلومات من باب عبادة الله…
وهنا، لا يكتفي الكاتب بالدفاع عن المرأة فقط، بل يجتهد لتعليم الرجل كيف يخاطب امرأته، وكيف يتعامل معها، وكيف يكسب رضاها.. الى ان يصل في قضيته المبدأية الى الذروة بقوله: أقصر طريق يوصلك إلى الله هو معرفة المرأة.
2–    الشخصية الثانية: نسر شامخ حر، مرفوع الهامة
لفتتني مجموعة من القصائد تشير الى نسر يحلق في رحاب الحرية، حدوده سماء ملؤها العنفوان والكرامة والشجاعة والثقة بالنفس، مبيته قمم جبال صنين البيضاء الشامخة، يخاطب امرأة تحلق الى جانبه ( ليست تحت، ولا وراءه)… وتطير معه في سماء لا تبدو قريبة الى هذا العالم، هو عالم خاص لا يدركه الا ارتفاع هامات شامخة، ويعجز عن إدراكه حقد بشري من هنا، ودناءة انسانية من هناك…
والملفت هنا، ان شخصية “المتفاني في حب الناس والمليء بالحنان”، لم تغادر النصوص مع بروز شخصية النسر، فلم نجده يتحدث عن انقضاض على طريدة، ولم نقرأ أنه نشب أظافره في عنق غزال، ولم تحدث معركة طاحنة في السماء أو على قمم الجبال… بقي النسر في كل النصوص مترفعًا محلقًا، يحمل من يريد أن يتعلق به، فيحضنه بحنان ويطير به فيرفعه عن الارض الى سماء الحرية والانتصار.
3–    الشخصية الثالثة: العاشق المتفاني الى درجة إلغاء الذات
ظهرت في القصائد الشعرية الغزلية الغرامية، نفحة قوية من التفاني التي جعلت العاشق يبالغ نسبيًا في اظهار الحب والتفاني للمحبوبة الى درجة الغاء الذات.
هنا في قصائد العشق والغزل، وعندما اصبحت المرأة عاشقة وتيقنت من حب الرجل لها وخضوعه، تبدلت صورة المرأة التي شهدناها سابقًا، فوجدنا نوعًا من السادية في تصرفاتها. فهي المتكبرة المتسلطة التي تسبب الالم والقهر، فتسجن، وتحطم وتسلخ جلد العاشق وتدمي شفاهه وتكتب بدمائه، وتجعله لا يعرف بيته، ويتمنى المنفى.. لكن، اللافت أن العاشق قانع ومتلذذ بساديتها، يطلب المزيد!!!!!!!!
وهنا السؤال الذي اوجهه للكاتب: هل بدّل الشاعر نظرته للمرأة وتخلى عن قضيته المبدأية؟ أو أنه أراد أن يقول لنا أنه يعرف أن ليس كل النساء مظلومات، وأراد أن يرسل درسًا تعليميًا آخر كما في القصائد المعنونة” لغة التواصل بين الرجال والنساء”؟ أو انه يقول ببساطة: يمكن للنسر أن يستريح وينزل عن عليائه وعنفوانه عندما يطرق الحب الجنوني بابه؟.
شكرًا استاذ صفا،على اتاحة الفرصة لي بأن أكون من مناقشي هذا الكتاب وهو يستحق بالفعل القراءة والتمتع  فلأول مرة في تاريحنا اللبنانيا لمليء بالحروب يكون هناك قنابل من ورود شعرية معطرة مليئة بالتفاؤل والامل وحب لبنان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s