مفاجآت قوى المقاومة في مرحلة الهجوم المضاد

تتسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، ويبدو المحوران المتواجهان في المنطقة في سباق مع الزمن لتجميع أوراق القوة، تحضيراً لتسوية لا بد أن تحصل في المنطقة، تمهيداً للانسحاب الأميركي من العراق، أو عقب ذلك الانسحاب مباشرة.

بعد أن استمر الضغط شديداً على محور المقاومة، حيث كانت أضلعه الرئيسية – سورية وإيران – عرضة لحرب كونية متعددة الأشكال والوجوه، استُخدمت فيها جميع أساليب القوة الصلبة والناعمة والاستراتجية، وبعد أن مرّت سورية بمرحلة خطيرة هددت وجودها وسيادتها ووحدتها، وقد عدّت بحق أخطر مرحلة مرّت بها في تاريخها الحديث، يبدو أن محور المقاومة بصموده وثباته وامتلاكه أوراقاً استراتيجية هامة رفعها بوجه المحور المقابل، استطاع أن ينتقل من “رد الفعل وتلقي الضربات” إلى استراتيجية “الهجوم المضاد”، والتي تردع الخصم وتكبده خسائر هامة تجعله يعيد النظر في الأساليب والوسائل التي اعتمدها في هجومه “الانتقامي”.

وإذا كانت لاستراتيجية الهجوم المضاد مؤشرات بارزة للعيان، وأخرى تجري في كواليس السياسة ولا يُفصح عنها في الإعلام، يمكن أن نذكر بعض ملامح النجاح البارزة في تلك الاستراتيجية، وذلك كما يلي:

أولاً: في مجال القوة الصلبة، ويبرز فيها تقدم ملموس لمحور المقاومة، وذلك من خلال:

– المناورة العسكرية السورية التي أعقبت مناورات إيرانية هامة استمرت أياماً، بالإضافة إلى إسقاط طائرة استطلاع أميركية فوق الأراضي الايرانية. وإذا كانت المناورات الإيرانية قد باتت أمراً مألوفاً، فإن المناورات السورية أبلغت رسالة واضحة مفادها أن الجيش السوري قادر على مواجهة جميع التهديدات والتدخلات الدولية. وعلى ما يبدو، فهم الإسرائيليون الرسالة جيداً، فذكرت الصحافة الإسرائيلية أن المستوى الأمني “ينظر بقلق إلى ما يحدث في سورية”، لاسيما في ظل مرحلة “عدم اليقين في المنطقة”، وبشكل خاص في ظل “الحديث عن آلاف الصواريخ الموجّهة طوال الوقت باتجاه إسرائيل”.

– تزويد روسيا لسورية بصواريخ “ياخونت” المضادة للسفن في إطار منظومة باستيون المتحركة للدفاع عن السواحل.

– الفشل الاستخباري غير المسبوق الذي حلّ بالمخابرات الأميركية والصهيونية، وهو يؤشر إلى بروز قدرة فائقة لمحور المقاومة في استخدام “الحرب الإلكترونية”، وأنظمة الرصد والتشويش والتعقب، وليس أدلّ على الهزيمة سوى تبادل الاتهامات بين تل أبيب وواشنطن بتحمّل المسؤولية عن الفشل الاستخباري في لبنان وإيران.

– إعلان السيد حسن نصر الله، ولأول مرة، في خطابه في ذكرى عاشوراء، أن المقاومة تمتلك منظومة دفاع جوي تضاف إلى المنظومة الدفاعية البحرية والبرية والصواريخ التي تمتلكها.

كل هذه المؤشرات أرسلت رسائل واضحة وشديدة اللهجة إلى من يعنيهم الأمر، بأن الهجوم على سورية لن يكون بمنزلة نزهة أطلسية أو تركية، وأن محور المقاومة لن يقف مكتوف الأيدي تجاه أي تهديد بتدخل عسكري أو تدويل، أو فرض مناطق عازلة في سورية، أو شنّ حرب على أحد أطرافه، سواء أكانت ضربات إسرائيلية للمفاعل النووي الإيراني – كما تمّ الترويج – أو تدخل تركي أطلسي في سورية أو سواها.. ولعل عودة السفيرين الأميركي والفرنسي إلى دمشق، تُظهر عدم استعداد الغرب للذهاب بعيداً في خيار القوة الصلبة في سورية؛ في موقف يحرج عرب الغرب، الذين دعوا رعاياهم لمغادرة سورية فوراً؛ في أسوأ حرب نفسية يمكن أن يشنها عربي على “أخيه” العربي السوري.

وقد بدأت تباشير الهجوم المضاد تظهر أيضاً في المجاليْن الدبلوماسي والاقتصادي، فمن الناحية الاقتصادية، بدأ الرد السوري على العقوبات التركية، وعلى إجراءات الجامعة العربية التي فرضتها على سورية؛ في ضغط غير مسبوق حجماً ونوعاً على أي بلد عربي سابقاً، والتي وصفها وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري بأنها قاسية وفاقت جميع التوقعات.

وانطلاقاً من مبدأ “المعاملة بالمثل”، قام السوريون بالإعلان عن وقف العمل باتفاقية الشراكة المؤسسة لمنطقة التجارة الحرة بين سورية وتركيا، وفرض رسم بنسبة 30% على كل المواد والبضائع المستوردة ذات المنشأ التركي، الأمر الذي سيكبد الاقتصاد التركي خسائر فادحة، لاسيما أن الميزان التجاري بين تركيا وسورية يميل بشكل لافت إلى مصلحة تركيا.

أما في ما خص جيران سورية، فقد رفض العراق العقوبات، ونأى لبنان بنفسه عنها، كذلك تململ الأردن، وطالب باستثناء قطاعيْ التجارة والطيران الأردنيين من العقوبات العربية بحق سورية، فتوقُّف الشاحنات الأردنية يهدد الاقتصاد الأردني، ويضر بمصالح عائلات أردنية عدة، علماً أن 60% من مبادلات المملكة الأردنية التجارية مع الخارج تمر عبر سورية، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الأردن وسورية منذ العام 2000 قرابة سبعة مليارات دولار.

وتزامناً، ولدعم قدرة سورية على الصمود ومواجهة العقوبات الاقتصادية، قررت الجمهورية الإسلامية الإيرانية شراء كل المنتجات السورية؛ أياً كان نوعها وكميتها، وبالعملة الصعبة”.

إذاً، على أبواب انسحاب أميركي من العراق، يؤشر إلى مرحلة جديدة في المنطقة، يبدو محور المقاومة في أكثر أوضاعه راحة منذ أشهر، فقد استطاع استيعاب وامتصاص الصدمات التي تلقاها، وبدأ التحضير للهجوم المضاد الذي يعيد له القدرة على فرض شروطه في أي تسوية قادمة، في منطقة يبدو أنها مقبلة على عصر يؤرّخ لهزيمة جديدة للمشروع الأميركي في المنطقة، تضاف إلى الهزيمة التي مُني بها في لبنان عام 2006.

* استاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s