دور سعودي لما بعد الانسحاب الاميركي من العراق؟

الثبات- الخميس 22 كانون الاول 2011

بعد الفشل الذي مُني به المشروع الغربي في سورية، وبعد الانسحاب الأميركي من العراق، والذي سيؤرّخ لمرحلة جديدة في منطقة الشرق الاوسط والخليج، بسبب الفراغ الأمني والسياسي الذي سيتركه، خصوصاً لما كان للوجود الأميركي في العراق من قوة عسكرية يرفد بها الحلفاء الخليجيين الذين يرتبطون بمصالح واتفاقيات مشتركة مع واشنطن، بدأت خريطة جديدة في المنطقة في التبلور، ومن منطقة الخليح بالذات هذه المرة، من خلال إعلان الكيان الموحد لمجلس التعاون الخليجي.لقد أتى الانسحاب الأميركي من العراق ليؤشر إلى فشل الأهداف الأميركية من احتلال هذا البلد، فبعد أن كانت الولايات المتحدة تتوقع أن يكرّس احتلالها للعراق بقاءها فيه عقود عديدة، وتحويل العراق إلى ما يشبه الدولة – الحاجز في وجه انتشار النفوذ الإيراني في المنطقة، وبعد الوعود بجعله “دولة ديمقراطية نموذجية” في الشرق الأوسط، تُلهم الدول الأخرى بتبني نظامها ونموذجها، وتسمح بتكريس نظرية الدومينو التي تعني وقوع جميع الدول في الشرق الأوسط تحت السيطرة الأميركية، تبدو النتيجة عكسية اليوم، فبعد إنهاء الأميركيين ما يقارب سنوات تسع من الاحتلال العسكري المباشر، يبدو العراق دولة متهالكة تنخرها الطائفية والمذهبية، والصراعات الداخلية بين قوى سياسية فاسدة.

يبدو العراق اليوم على شفير أزمة سياسية كبرى، تغذيها العصبيات المذهبية والسياسية، وتختلط فيها المصالح الإقليمية، وتذكّر بما حصل في الجبل اللبناني غداة انسحاب الصهاينة منه عام 1983، والمجازر التي حصلت آنذاك، وما يُحكى عن سعي “إسرائيلي” لها، من خلال الانسحاب فجأة من منطقة تغذيها الأحقاد والعصبيات المذهبية والطائفية.

وبعد إدراك الجميع بعدم قدرة التدخل العسكري في سورية، أو إسقاط نظام الأسد بالقوة، وبعدما تبيّن أن من نتائج الحراك الذي حصل في المنطقة عام 2011، ازدياد النفوذ الإيراني في المنطقة بشكل عام، لاسيما بعد ما أظهرته من تفوق عسكري وتكنولوجي، ونجاح غير متوقع في الحرب الإلكترونية، وبعد فشل الحلم التركي باستعادة دور إمبراطوري كان قد فقده في بداية القرن العشرين، تبرز اليوم إلى الواجهة رغبة أميركية شديدة باحتواء إيران ونفوذها المتعاظم في المنطقة بعد الانسحاب، وذلك من خلال محاولة استعادة الدور السعودي، وإعطائه دوراً بارزاً في هذه العملية من خلال ما يلي:

– تحوّل دول مجلس التعاون الخليجي إلى “كيان واحد”، تلبية للدعوة التي وجهها العاهل السعودي الملك عبد الله إلى دول مجلس التعاون الخليجي؛ بتجاوز مرحلة التعاون إلى الاتحاد، والتي تبنتها دول المجلس في قمة مجلس التعاون الخليجي.. وإذا تحققت هذه الخطوة، وقام هذا الكيان الخليجي بنجاح، فسيكون للسعودية سيطرة واضحة على مقرراته، لما لها من قوة اقتصادية، وبسبب مساحتها الجغرافية التي تعطيها وزناً لا يستهان به بالنسبة إلى الدول الصغيرة المحيطة بها.

– إضعاف العراق ومنعه من التحول إلى دولة إقليمية وازنة، من خلال إثارة الانقسامات المذهبية، وإدخاله في أزمة سياسية كبرى، على أثر الانسحاب الأميركي منه، خصوصاً بعد الدور الذي حاول أن يلعبه في الأزمة السورية، من خلال الوساطة التي كان يحاول القيام بها، والوقوف علناً في وجه المشاريع العربية الهادفة إلى عزل سورية.

– ما يُحكى عن دور سعودي في الحراك السياسي العراقي المستجد بعد الانسحاب، وذلك من خلال تحريض المحافظات ذات الغالبية السُّنية على المطالبة بالتحول إلى أقاليم ذات استقلال ذاتي، وبالتالي تحويل العراق إلى دولة فيدرالية ضعيفة مقسّمة على أساس طائفي.

– ازدياد النفوذ السعودي في اليمن، بعد نجاح مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي في اليمن، والتي تمثلت في إقناع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بالتنحي.

– دعم خليجي واضح في المجالات السياسية والأمنية والتنموية لكل من مملكة البحرين وسلطنة عمان، وفي ذلك رسالة واضحة بأن الحراك الشعبي ممنوع في تلك الدول، وأنه لن يتم التهاون مع التحركات الشعبية التي تتهم دول الخليج إيران بتغذيتها، وبهذا الإعلان تحاول السعودية ودول الخليج استخدام سياسة “العصا الغليظة” تجاه التحركات الشعبية في دولهم، وضد كل ما يعتبرونه تدخلات خارجية – وتحديداً إيرانية – في شؤون دول الخليج.

وعلى ما يبدو، فإن السعودية اليوم من خلال سياستها المعلنة تجاه التحركات الشعبية التي حصلت في الخليج، ومن خلال إعلان “الكيان الواحد” الذي حصل في قمة كجلس التعاون الخليجي، تسعى لتطبق مع إيران في الخليج ما يشبه مبدأ “مونرو” الذي اعتمدته الولايات المتحدة الأميركية عام 1832 مع أوروبا، والذي انطلق من قاعدة أساسية مفادها أن “أي محاولة من قبل الدول الأوروبية للتدخل في شؤون القارة الأميركية، تشكّل خطراً على سلم وأمن الولايات المتحدة”، ما يعني حق الولايات المتحدة بالتحرك للدفاع لدى تهديد سيادة أي دولة من دول أميركا اللاتينية من قبل الأوروبيين، ويأتي في هذا السياق تصريح سعود الفيصل حول توازن الردع النووي، للغمز من قناة النووي الإيراني المهدد للمنطقة.

في النهاية، لا بد من الإشارة إلى أن الاتحاد بين دول عربية متجاورة ومتعاونة على غرار التعاون الأوروبي، هو أمر مرغوب ومطلوب في حال كان هدفه السعي إلى تقوية هذه الدول اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وعلمياً، والسير بها نحو التقدم والالتحاق بركب الحضارة، والتقدم التكنولوجي، وتحقيق رفاهية شعوبها، أما إذا كان الهدف منه تقوية نفوذ الولايات المتحدة الأميركية في الخليج، وإعلان سياسات عدائية تجاه الدول العربية الأخرى، ومحاولة إضعافها، فالأفضل ألا يتم السير به، لأنه سيؤدي إلى خراب الأمة، وفقدان سيادتها بالكامل، بعدما فقدت الكثير من مقومات الوحدة، خصوصاً بعد تحوّل الجامعة العربية إلى أداة في يد المشاريع التقسيمية المعدَّة للمنطقة.

  • استاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s