ربيع للحرية….. أم لاجتثاث الاقلية؟

في ظل ما يظهر من توجه للعالم العربي إلى مزيد من التطرف والتعصب في مرحلة ما بعد الانتفاضات العربية، يبرز تخوف مشروع على الأقليات وحقوقهم ومصيرهم ووجودهم في ظل ما يصدر من فتاوى تحريضية، وما يبدو أنه اكتساح “الإسلاميين الجدد” للانتخابات في البلدان التي شهدت حراكاً شعبياً خلال العام المنصرم.

وإذا كان المثل الشعبي العربي يقول “المكتوب يُقرأ من عنوانه”، فإن ما ينتظر الأقليات غير المسلمة في البلدان العربية، قد يقرأ من خلال الفتوى التي أصدرها القرضاوي أو من يطلق عليه اسم مفتي “الربيع العربي المزعوم”، عندما حرّم – وفي ظاهرة مستغربة لم يشهدها العالم العربي والإسلامي من قبل – على المسلمين “تقديم التهاني والتبريكات للمسيحيين بعيد الميلاد، وكل ما يتعلق به”.. وفي هذه الفتوى ما يشير إلى تحريض علني ضد المسيحيين، ورفض للآخر وعزل له وهذا ما لم يحدث طيلة 1400 عام، خصوصاً أنه يأتي في وقت يزداد فيه التعصب المذهبي وثقافة الانتحاريين في أنحاء العالم كافة، وتشهد الكنائس اعتداءات من قبل التكفيريين في كل من العراق ومصر ونيجيريا وغيرها من البلدان، في تشويه حقيقي ومتعمد لصورة الدين الإسلامي المبني على التسامح وقبول الآخر، تماماً كما فعلت بعض الفتاوى “الغريبة” التي أطلقت العام الفائت.

وبغض النظر عن المسار الذي ستسلكه التحولات السياسية في المنطقة بعد الانتفاضات، فإنه يبدو جلياً لغاية الآن أن مستقبل المنطقة قادم على مرحلة من حكم الحركات الإسلامية المتطرفة التي ستتولى الحكم من بوابة الانتخابات والديمقراطية المنبثقة بعد الثورات، وهنا يجب أن تطرح على بساط البحث، ويشكل جدي، قضية “الأقليات” الدينية وحقوقها ومصيرها، في ظل ما يُحكى عن تطبيق للشريعة بحسب ما يحتكر تفسيرها هؤلاء، وفي ظل الشعارات المرفوعة “الإسلام هو الحل”، وهنا يكون تفسير عبارة “الإسلام” نابعاً من العقائد الدينية والسياسية الحزبية الخاصة لهذه الجماعة أو تلك، والتي قد يختلف معهم معظم المسلمون على تفسيرها أيضاً.

وإذا انطلقنا من التعريف المعتمد لكلمة الأقليات، والمأخوذ من الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية بأن “الأقلية هي جماعة من الأفراد يتميزون عن بقية أفراد المجتمع عرقياً أو دينياً أو لغوياً”، فيمكن التأكيد أنه – بهذا المعنى- لا تخلو دولة في العالم من الأقليات، بل إن الشرق الأوسط بالتحديد يضم ما مجموعه تسع وخمسون أقلية، أي أنه يشكّل المساحة الجغرافية التي تحتوي على أكبر حشد “أقلّوي” في العالم، وهذا يعود إلى عوامل عدة، منها الديني ومنها الجغرافي ومنها التاريخي الاجتماعي.

لكن، وبالرغم من وجود الأقليات وانتشارها في العالم العربي، إلا أنه – باستثناء لبنان كمثال فاضح- فإننا لا نلحظ خلافاً عموديا بين الأقليات والأكثرية على مفهوم الهوية، ولم يصل الصراع بالرغم من حدته وبروز العناصر المذهبية والطائفية فيه بشكل غير مسبوق، إلى مرحلة يصبح فيها “الوطن” حيزاً جغرافياً لتداخل أقليات بلا هوية جامعة، بل – واقعياً- يشترك الأقباط والمسلمون في مصر بتعريف أنفسهم أنهم “مصريون”، كما يتبارى “المسلمون السنة” و”العلويون” و”المسيحيون” في سورية في إظهار ولائهم لسورية “الوطن”، مدّعين أن كلاً منهم يختار الطريق الأسلم للحفاظ على هذا الوطن، ولو اتخذ الصراع في بعض الأحيان تعابير طائفية ومذهبية قاتلة.

بلا شك، يرتبط احترام حقوق الأقليات ارتباطاً وثيقاً بحقوق الإنسان مفهوماً وممارسة، وهنا يظهر النفاق جلياً في ممارسات الدول الغربية التي تدّعي رغبتها حماية المدنيين وحقوق الإنسان، في وقت تغض الطرف عن ممارسات وكلائها وحلفائها التي تعمد إلى تهميش حقوق المواطنين من الأقليات الدينية في ممارسة عقائدهم الدينية بحرية تامة بدون ترويع أو إرهاب، وتحرمهم حقهم في العيش بكرامة وأمان في وطنهم، كما تشجع على الممارسات التي تجعل من أي أقلية دينية أو عرقية أو طائفية فئة من المواطنين درجة ثانية، يحتاجون إلى الحماية الأجنبية لحفظ حقهم في الوجود، وذلك من أجل استخدامهم كحصن طروادة للتدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول، بما يذكر بالسياسات الاستعمارية التي مارستها أوروبا مع الإمبراطورية العثمانية والتي أدّت إلى تفكيكها.

من هنا، إن الصراع – الذي بدأ مفتعلاً في بداياته- بين أقليات وأكثرية، والذي دخل إلى النسيج الاجتماعي وبات يأخذ طابعاً دموياً خطيراً، يحتم دق ناقوس الخطر، والتنبيه من مستقبل دامي للمنطقة، يشوّه صورة الإسلام الحقيقية فيظهره ديناً دموياً رافضاً للآخر، ويسمح بمزيد من المطالبات بالانفصال والتقسيم، ويريح إسرائيل التي تتجه رويداً رويداً ومن خلال إعلان نفسها دولة يهودية، إلى مزيد من الأقلوية، بما يعني ذلك من طرد وإبعاد لجميع الأقليات غير اليهودية الموجودة في فلسطين، ويجعلها تتزعم، من خلال تفوقها العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، عالماً شرق أوسطي وعربي، يسوده التكفير والتخلف والجهل، تحكمه أنظمة متناحرة على “ملكية الله”، وتتجدد فيه الأساليب السلطوية وتحكمه الديكتاتورية المقنعة بالدين.

ليلى نقولا الرحباني*

*أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s