الاهتراء السياسي يزيل الغطاء التجميلي عن “الطائف”

نُشر في الثبات في 5 تموز 2012

منذ الاستقلال وحتى منتصف السبعينات من القرن الماضي، حمل العقد بين الطوائف اللبنانية اسم “الميثاق الوطني”، وهو العقد الذي قامت به طوائف – سبق وجودها وجود الدولة – خشيت على نفسها من سلطة دولة مدنية قوية قادرة، فأقامت نوعاً من الدستور الذي كرّس لها دورها ونفوذها، ثم أعادت صياغته في وثيقة الوفاق الوطني التي استبدلت كلمة “كيان” الميثاقية بكلمة “وطن” ذات المدلول الروحي.

منذ ذلك الوقت ولغاية الآن، جعلت الطائفة من نفسها ممراً ومعبراً ضرورياً للفرد من أجل الوصول إلى وظائف الدولة، وإلى المجلس النيابي، وهكذا أصبح الانتساب إلى الوطن انتساباً غير مباشر عن طريق الطائفة، فانتُقصت المواطنية، وتمت التضحية بالكفاءة والجدارة، على حساب المحسوبية والزبائنية.

مما لا شك فيه أن الأزمات المتلاحقة التي يعيشها الوطن اللبناني منذ عام 2005 ولغاية الآن، تشهد أن الطائف، وبعدما أزيل الغطاء التجميلي الضابط له، ظهر على حقيقته، بوصفه نظاماً معطلاً غير قادر على إدارة النزاع في الدولة بالوسائل الدستورية والقانونية والديمقراطية، وهو لم يخرج عن كونه “تسوية” تمّ بموجبها تكريس ميثاق جديد عكس موازين القوى التي استجدت بعد الحروب التي أنهكت اللبنانيين وأضعفت المسيحيين.

ولعل الأداء الحكومي التعطيلي، يضاف إليه النظام المعطل أساساً، هو ما جعل اللبنانيين يشعرون أنهم بحاجة إلى حل جراحي للوضع اللبناني الهشّ والمهترئ، خصوصاً في ظل الأحداث السورية، والتحريض المذهبي المنتشر في منطقة عائمة على بركان من البارود، يُخشى انفجاره في أي لحظة.

وفي تحليل للأسباب التي تجعل من هذه الحكومة فاقدة القدرة تعتمد سياسة الهروب إلى الأمام، وإدارة الأزمات لا حلّها، نجد الأسباب الآتية:

–       الحسابات الانتخابية الضيقة لبعض الفرقاء في الحكومة، والتي جعلتهم يقومون بإسقاط هيبة الدولة، كما فعل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والوزير الصفدي في قضية شادي المولوي؛ المطلوب بتهم تهديد أمن الدولة والانضمام إلى تنظيم مسلح، ما أعطى رسالة قوية بأن الإفلات من العقاب ممكن في حال تلطى الإرهابيون وقُطاع الطرق وتستروا بطوائفهم، وهي بريئة منهم، وهذا ما أدى إلى تسيّب أمني جعل بعض المواطنين يستسهلون اللجوء إلى الشارع وقطع الطرقات الرئيسية، وقطع أرزاق اللبنانيين، وحرق الإطارات وقطع الطرق الدولية، وتهديد القوى الأمنية.

–       الهدف التعطيلي والتوتيري للوزراء المحسوبين على النائب وليد جنبلاط، والذي اعترف به أكرم شهيب صراحة قائلاً: “إنهم دخلوا من أجل تعطيل المشاريع التي يتقدم بها تكتل التغيير والإصلاح، وإنهم نجحوا في ذلك مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة”.

–       أداء رئيس الجمهورية الذي يتخلى عن صلاحياته – وهي نادرة بالمناسبة – لمنافسة وزراء تكتل التغيير والإصلاح على صلاحياتهم، فالرئيس الذي من المفترض أنه رئيس كل لبنان، ينافس في الدائرة المذهبية والمناطقية الضيقة، ما يجعل الفرقاء الآخرين في الحكومة يتذرعون بموقف الرئيس لعرقلة المشاريع التي يتقدم بها وزراء تكتل التغيير والإصلاح، وهي بمعظمها مشاريع حياتية حيوية، وأهمها ملف الكهرباء.

–       شعور الاطمئنان بعدما برزت ضرورة المحافظة على هذه الحكومة في ظل الوضع الإقليمي المتفجر، جعل الحكومة اللبنانية تستخدم نفس السياسة التي استخدمها الحكام العرب سابقًاً للتهرب من مسؤولياتهم تجاه شعوبهم، حين تستروا بالخطر الخارجي ليحرموا شعوبهم لقمة الخبز والأمن الاجتماعي والكرامة والديمقراطية.

كل هذه الحسابات السياسية الضيقة، بالإضافة إلى الوضع الإقليمي الفائق الدقة والحساسية، جعل الدولة اللبنانية تعيش اهتراء أفقياً وعمودياً، وتسير مسرعة للدخول في نفق مظلم قد لا تظهر تباشير النور منه إلا بعد انقضاء الانتخابات الأميركية وإيجاد تسوية للقضية السورية، والتي يبدو أنها مؤجلة إلى السنة المقبلة، فهل يستطيع الاقتصاد اللبناني الصمود كل هذه الفترة؟

من هو مطالب بالتعطيل وتأجيج الفتن، واختراع أصناف التوتير الأمني والطائفي والمذهبي، قد لا يدرك أن الحرائق المطلوب منه إشعالها في لبنان قد تمتد لتحرقه قبل أن تنتشر في هشيم المجتمع اللبناني، وهذه الحكومة التي عطّلت مصالح الناس وخربت أرزاقهم وحرمتهم الكهرباء لصالح تمويل المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بلبنان، تبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى، وبعد إعلان تكتل التغيير والإصلاح مقاطعة جلساتها، عارية من ورقة التوت التي ظللتها طوال الفترة الماضية، وقد لا تستطيع بعدها الاستمرار بالتذرع بالوضع الإقليمي لبقائها، وقد لا يعلم مَن وضع العصي في دواليب الإصلاح التي حاول تكتل التغيير والإصلاح إطلاق عجلته بأن عباءة الحكومة التي قد يخلعها وزراء التغيير والإصلاح عنهم هي أضيق بكثير من عباءة المعارضة القوية من الخارج لكل طبقة الفساد التي يغذيها أمراء الطوائف، والتي إن استمرت في سياسة هدم الدولة المنظمة فهي ستهدم الهيكل على الجميع.

في المحصلة، وبالرغم من كل ذلك التغني بفذاذة تلك الصيغة الطائفية التوافقية، يتبدى لنا يوماً بعد يوم أن التوافقية لا تقوم بوظيفتها الأساسية المرجوة منها عندما تكون الحاجة ماسة إليها، أي في زمن الأزمات، وأثبت النظام السياسي الطائفي اللبناني أنه نظام لا ينتج إلا الأزمات، ولا يسمح للبنانيين بالعيش في ظل حكم القانون، والتأسيس لبناء السلام في لبنان.. إن اجتماع الطوائف في بقعة جغرافية لا يشكل مجتمعاً، كما أن الاتفاق العمودي بين الطوائف لا يشكل وطناً، هو اتفاق، إن حصل، يهدف إلى تجميد الوضع من قبل تلك الطوائف – المَزارع حتى يتسنى لها استغلاله لتأمين حصتها، والقضاء على أي محاولة للتغيير أو التجديد، أو الإصلاح.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s