باسم “الخوف من الفتنة”…. يُستباح لبنان

نشر في الثبات بتاريخ 6 أيلول 2012

يعيش اللبنانيون على وقع وعود حكومية بتحسن في معالجة للملفات الداخلية الكبرى؛ المالية والانتخابية، بالتوازي مع انكشاف أقنعة المسؤولين الرسميين، وظهور نفاق “النأي بالنفس الحكومي” تجاه سورية، وظهوره على حقيقته بالهروب من مواجهة الملفات المصيرية، بدفن الرؤوس في الرمال.

وإن كان كل هذا الاهتراء السياسي قد ظهر وبات يدق جرس الإنذار على أبواب الخريف القادم إلى اللبنانين، ومؤذناً ببدء العام الدراسي، الذي يحمل معه هموم الأقساط والاضرابات والاعتصامات، بالإضافة إلى أنه كلما انفرج اللبنانيون بانحسار موجات الحر في ظل انقطاع الكهرباء، حتى دبّ القلق في نفوسهم خشية من شتاء قارس لا يملكون ثمن محروقاته، في ظل هذا الارتفاع الهائل لأسعارها.

في خضم كل ذلك، تقوم قوى 14 شباط بتصعيد متدرّج، ظاهره ضد النظام السوري، وحقيقته ضد المقاومة في لبنان، والتي يبدو أبرزها العريضة التي قدمها فؤاد السنيورة إلى رئيس الجمهورية، موقَّعة من نواب المعارضة، تطالب بقطع العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسورية، وإلغاء الاتفاقيات الأمنية بينهما، وتطالب بنشر اليونيفيل على الحدود مع سورية.

لكن ليست مستغرَبة مطالبات قوى 14 شباط بقوات دولية على الحدود بين لبنان وسورية، بل إن هذه المطالبات تمّت في السابق إثر انتهاء حرب تموز 2006 وصدور القرار 1701، ومنها إدراج مهمات اليونيفيل تحت الفصل السابع، وتعديل قواعد الاشتباك وتوسع رقعة انتشارها إلى الحدود الشمالية مع سورية، لمراقبتها ومنع تهريب السلاح إلى حزب الله في لبنان، وهذا يعني المطالبة بمنع دخول السلاح من سورية إلى لبنان، وبقائه مفتوحاً بالاتجاه الآخر.

وبالرغم من أن العريضة لا قيمة قانونية لها، ولا يمكن استعمالها دولياً، كما استُعملت العرائض في السابق لتمرير المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، لكن لا تُلام قوى 14 شباط على التصعيد الدائم الذي تقوم به، فالسياسة ليست جمعيات خيرية، ويمكن للخصم أن يستعمل كل ما لديه من وسائل لكسب معركة ضد خصومه أو أعدائه.

وانطلاقاً من هذا المبدأ، تعتمد قوى 14 شباط مع حزب الله فزّاعة الفتنة السُّنية – الشيعية منذ اغتيال رفيق الحريري ولغاية الآن، حيث يطل سيف التخويف من الفتنة كلما تحركت مكونات الحكومة لدفع عجلة السير بالبلاد.

الخوف من الفتنة الدائم جعل المقاومة تقوم بتسليم السلطة إلى تلك القوى عام 2005، وهو الخوف نفسه الذي جعل الانتصار الميداني في حرب تموز عام 2006 يتحول إلى شبه هزيمة سياسية بصدور القرار 1701، وهو الذي سمح بعدم مساءلة ومحاسبة مَن تعامل وخطط وحرّض وساهم بالعدوان “الإسرائيلي” على لبنان، وهو ذلك الخوف نفسه الذي أزال مفاعيل السيطرة الميدانية التي حققتها المقاومة في معرض دفاعها عن نفسها، والذي قامت به بعد تصعيد 5 أيار 2008 الشهير، وما قام به وليد جنبلاط وحكومة السنيورة، والقرارات التي اتخذتها حول شبكة اتصالات المقاومة، وكانت نتيجة الانتصار الميداني أن تخسر المقاومة بالسياسة ما ربحته في الميدان، فقامت بتسليم السلطة التنفيذية والتشريعية إلى خصومها، فكان اتفاق الدوحة وإعادة سعد الحريري إلى رأس السلطة التنفيذية في لبنان، وانتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، على الرغم من كل علاقاته المعروفة بالأطراف الدولية والإقليمية والمحلية، والتي بمعظمها معادية للمقاومة، وقانون انتخابي أجريت على أساسه انتخابات عام 2009، والتي شهدت أكبر عملية تزويرية في تاريخ لبنان، وتدخلات خارجية بالمال والإعلام، ومجيء نائب الرئيس الأميركي بايدن شخصياً لدعم قوى 14 شباط، ودعوتها للانتصار واستلام السلطة.

هي الفزّاعة نفسها التي كبّلت يد الأطراف اللبنانية التي أطاحت بالحريري في بداية الثورات العربية، حيث كان باستطاعة المقاومة وحلفائها تشكيل الحكومة اللبنانية، في ظل انشغال العالم بثورة مصر وسقوط مبارك، إلا أن السياسة تدخلت وأضاعت فرصة ذهبية كان بالإمكان التقاطها وتشكيل حكومة متجانسة تحكم بموجب برنامج عمل واضح، وتسهم في إنهاض البلد من كل الفساد والزبائنية والاهتراء الذي أوقعته فيه الحكومات المتعاقبة، وهكذا تأخّر التشكيل إلى ما بعد التقاط الأميركيين والعالم أنفاسه، ودخول سورية على خط الزلازل الإقليمي، ما أدّى إلى تشكيل حكومة واجِهَتها الحلف المقاوم، بينما واقعها الفعلي ونفوذها لقوى 14 شباط، التي أبقت نفوذها وسيطرتها في كل المرافق الأساسية، كالقضاء والأمن والهاتف، ورئاسة مجلس الوزراء وغيرها، وما كان خافياً سابقاً بات حقيقة اليوم، فها هو جنبلاط عاد إلى قواعده الطبيعية سالماً، ورئيس الحكومة أعلن موت “الوسطية” ودفن “النأي بالنفس”، ورئيس الجمهورية بات يتبنى معظم خطابات 14 شباط؛ مباشرة أو مواربة، والفتنة التي يخاف منها حزب الله ويقدم التنازلات باسمها تطل برأسها كل يوم، فتسحب من الأكثرية كل ما يمكن أن تحققه على أبواب عام انتخابي قادم.

باسم “الخوف من الفتنة” يمر كل التآمر على لبنان، وكل التعامل مع العدو، وجرّه للعدوان على لبنان.

باسم الخوف من الفتنة “يكزدر” الأسير ومسلحو الجيش السوري الحر، ويستبيحون شاشاتنا وساحاتنا وأمننا، ويتنطح فتفت والمرعبي والضاهر ويحاضرون بـ”العفة”، وتعشعش الحركات الإرهابية في أزقتنا.

باسم الخوف من الفتنة، تستولي أوجيرو على أموالنا، ويصبح الإرهابي بطلاً قومياً، وتستبيح القوى الأمنية حرياتنا وخصوصياتنا وتدخل إلى غرف نومنا لتستبيح أعراضنا.

باسم الخوف من الفتنة، تهجَّر عائلات من طرابلس وعكار، ويتحمل المواطنون تبعات رصاص الابتهاج ومدفعية الأسى، و”فشات خلق الشباب”.

باسم الخوف من الفتنة تُعطّل القوانين، وتتوقف المشاريع، وتنهار الدولة والمؤسسات.

مع الأسف، إن فائض القوة الذي حصلت عليه المقاومة تمّ تعطيله بفزاعة أو براجح.. وهكذا دخلت المقاومة داخلياً ــ كما أميركا و”إسرائيل” ــ في عجز القوة وضعفها.

ويبقى السؤال: ماذا لو أتى راجح؟ هل الكلفة أكثر مما ندفعه الآن؟ وهل هناك راجح فعلاً؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s