البحرين ..وثورة اللاعنف

تعليق على كتاب “جدران 14 فبراير”، الصادر عن صحيفة “مرآة البحرين”

بيروت- الاونيسكو 14 شباط 2013

ليلى نقولا الرحباني

أن تؤرخ لثورة لم تنتهِ قد يكون أصعب من التأريخ لحدث تاريخي مضى وانقضى، وبانت وثائقه وأسراره وظهرت خباياه. وأن تعيش الحدث وتؤرخه في الوقت نفسه، قد يجعلك تحت دائرة الضوء، ومجهر القارئ الناقد الذي يريد أن يستشف مما كتبته، أين أنت وما هو موقعك، ولماذا تكتب أو تصوّر.

“جدران 14 فبراير” كتاب يصدر عن “مرآة البحرين” ليوثق للأجيال ثورة سلمية لم تتخلَ عن سلميتها بالرغم من كل ما حصل، ولم تندفع الى القتل والتنكيل والتكفير كما حصل في بلدان عربية أخرى… أن تسالم وتقاوم لهو أصعب بكثير من امتشاقك السلاح والساطور وتقطع أعناق معارضيك، وتجزّ أعناقهم باسم الله.

هل يمكن للجدران أن تشكّل مرآة!؟ نعم، لقد استطاعت جدران البحرين في هذا الكتاب ان تكون مرآة عاكسة لثورة لاعنفية في ثقافة عربية يتجذر فيها العنف والبطش منذ ما قبل الاسلام، حين كانت الحرب مؤسسة لصنع الابطال ولاكتساب الغنائم، والحصول على السبايا، والوصول الى السلطة.

فما هي فلسفة اللاعنف هذه، التي اختارها شعب البحرين؟

بالتأكيد، إن الاستراتيجية اللاعنفية التي اختارها البحرينيون، هي نقيض لاستراتيجتين معروفتين: الرضوخ والانصياع السلبي للظلم، أو الصدام المسلح معه.

وبتحليل إضافي لفلسفة واستراتيجيات اللاعنف المعتمدة تاريخيًا، قد يكون من المفيد إدراج بعض الملاحظات على أهمية مفهوم اللاعنف كاستراتيجية معتمدة في المعارك الداخلية للتحرر من الفساد والظلم والاستئثار والانتصار في معركة بناء الدولة، وهي على الشكل التالي:

– اولاً: اللاعنف لا يمكن أن يكون مطلقًا

يقول غاندي في تعليقه على مجموعة من أبناء شعبه، تركوا منازلهم وهربوا من الشرطة التي شنّت هجومًا على قريتهم، ونهبت أموالهم واغتصبت نساءهم، وحيث إنهم برروا هروبهم بامتثالهم لأوامره وتعليماته باللاعنف: “أردت أن أراهم يقفون كالترس بين الأعظم قوة وبين الأكثر ضعفًا… والحق أنه دليل بعضٍ من شجاعة أن يدافع الناس عن مقتنياتهم بحد السيف، ويصونوا كرامتهم…إني أفضل ألف مرة أن أخاطر فألجأ إلى العنف على أن أرى شعبًا بأسره يتعرض للإبادة”. ويضيف: “بين العنف والجبن، فانا أفضل العنف”.

وهكذا، فان اللاعنف لا يعني الجبن ولا يدعو اليه، فأمام تهديد الوجود أو الكرامة، لا يمكن للانسان أن يهرب من المواجهة بذريعة اللاعنف، ومن هذا المبدأ، قاوم بعض البحرينيون ورفعوا لافتات نجدها في ثنايا الكتاب تقول “عاشوراء … نهج وثورة” وبعضها يؤكد “كلنا كربلائيون”.

– ثانيًا: اللاعنف هو بالتأكيد ليس نأيًا بالنفس عن مقاومة الظلم

اللاعنف هو أبعد ما يكون عن السلبية والخنوع والاستقالة من الواجب الوطني بالمقاومة، لا بل ان اللاعنف يتطلب شجاعة هي أكبر بكثير من استراتيجية العنف. ويتطلب من الإنسان أن يتخذ موقفًا حاسمًا من القضايا، فلا يمكن أن يكون رماديًا بين أبيض وأسود، ولا يمكن أن ينأى بنفسه عن الصراع الدائر بين الحق والباطل، وبين العدل والظلم، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.

واللاعنف ليس”من ضربك على خدك الأيمن در له الايسر” بذريعة السلام، فالعلاقة بين العبد والسيد هي حياة سلام طالما بقي العبد مستكيناً قانعًا شاكرًا سيده على النعمة، لكن “السلام الزائف” ينتهي عندما يبدأ العبد بالمطالبة بحقوقه وحريته.

– ثالثًا: في اللاعنف تتوحّد الغاية والوسيلة

اللاعنف هو استراتيجية ككل الاستراتيجيات الاخرى؛ قد تنجح وقد تفشل بحسب ظروف استخدامها، وقد تؤدي – كما العنف- الى تحقيق الهدف المنشود أو لا. إلا أنّها تتميّز بأنّ هدفها النهائيّ ليس الانتصار في المعركة فحسب، بل تهدف الى تغيير الواقع نفسه.

بالتأكيد، إن الوسائل غير الاخلاقية كقتل الابرياء وجزّ الاعناق، لا يمكن أن تؤدي الى أهداف أخلاقية ونبيلة، فالوسائل تكون بحد ذاتها أهداف، أو انها أهداف بطبيعتها.

-رابعًأ: المساواة هي ميزة المقاومة اللاعنفية

أي انها تشكّل حيزًا مفتوحًا يمكن للجميع أطفالاً وشبابًا وشيبًا، نساء ورجالاً، المشاركة فيه، على عكس العنف الذي يعتمد على القوة ويحتاج شبابًا وصحة و”ذكورة”، وهذا ما نلمسه على جدران الكتاب، فنحن نرى الطفل، والشيخ، والمرأة وحتى ذلك الأعرج في الصفحة 19، الذي لم تقعده اصابته وعصاه عن ممارسة حقه في المقاومة.

بهذا المعنى يمثل اللاعنف نقلة نوعية على المستوى الإنسانيّ، من خلال المساواة التي يؤمنها لممارسيه، فيعيد إليهم الأمل بقدرتهم على إحداث التغيير، إذ يستطيع كلّ شخص أن يكون فعّالاً مهما ضعفت وتواضعت امكاناته، وبنفس المستوى، دون أيّ تمييز بحسب الجنس او العمر أو الثقافة وغيرها.

        “جدران 14 فبراير” مبادرة توثيقية من خلال الصور والجرافيك، لصحيفة مرآة البحرين، لتقول للقارئ العربي أن جدار العزل الصهيوني العنصري ليس أقوى من جدار برلين الذي سقط، وجدران البحرين ستكون شاهدة على سقوط الخوف والترهيب باسم الدين المنتشر في أزقتنا، والذي يصبغ جدراننا بلون الحقد الأسود…

ها هي مرآة البحرين الشفافة تعكس ضمير الانسانية الصامت.. ضمير انسانية رأى في جدار برلين جدارًا عنصريا يجب هدمه، لكنه صمّ آذانه عن صرخات أطفال فلسطين، وصيحات المقاومين في البحرين… انسانية لا بد أن تجد نفسها يومًا في جدران صامتة قد تكون أبلغ كلامًا من كل خطابات الدول مدعية الحرية وحقوق الانسان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s