اشكالية التوازن بين العدالة وبناء السلام

DSC_3063 DSC_3008 DSC_3070ICC 2 ICC 3

إشكالية التوازن بين العدالة وبناء السلام: المحاكم الجنائية الدولية نموذجًا... هو عنوان الكتاب، وهو عنوان واسع وصعب بشهادة كثيرين، ويحتمل الكثير من التوسيع وعدم القدرة على ضبطه.

       ولعل ما حملني على اختيار هذا العنوان، هو المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بالتحديد. ففي آذار من العام 2009، باشرت المحكمة أعمالها، وكان الانقسام على أشدّه بين اللبنانيين حول المحكمة، فمنهم من يراها أداة ستمنع الافلات من العقاب، ويعتبر أن إطلاق الضباط الأربعة هو دليل على عدم تسييسها، بينما يرى الآخرون أنها آداة لتجهيل الفاعل من خلال مؤامرة دولية تريد أن تلصق التهمة بحزب الله.

       وأمام هذا الواقع اللبناني المنقسم، كنت أريد أن أكوّن رأيًا موضوعيًا علميًا أكاديميًا، حول عمل وآلية تلك المحاكم، فلا أجعل من التوجهات السياسية التي أملكها أو أميل اليها، بأن تجعلني أسير في ركاب التصفيق أو التأييد الأعمى لهذا الرأي أو ذاك.

الاشكالية الرئيسية التي بنيت عليها هذه الدراسة هي ببساطة كلية ما يلي:

       في متن قرار مجلس الأمن رقم 827، الصادر في 25 أيار 1993، يتحدث المجلس عن العزم على إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة ومقاضاة الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني في يوغسلافيا السابقة، ومؤكدًا أن إنشاءها سيحقق العدالة ما يسهم في استعادة السلم وصونه( انظر نص القرار 827\ 1993، الديباجة، ص 1).

       هذه الدراسة تدرس مدى صحة هذه المقولة، بعد مرور عشرين عامًا على تأسيس تلك المحكمة وغيرها من المحاكم التي تلتها، والتي أضيف الى مهامها الأساسية بتحقيق العدالة، استعادة السلام وصونه، وبعضها حُدد لها مهمة المصالحة أيضًا.

       وكان لا بد من نقاش موسع، لآليات العدالة الانتقالية، ونظرياتها المختلفة والتي ناقشت نظريًا هذه الاشكالية حول أيهما أصلح لبناء السلام في المجتمعات الخارجة من إرث من الصراع: هل العدالة الجنائية هي الأنسب، أو العفو والتسامح والغفران يقود الى المصالحة، فالسلام؟.

       وكما في كل علم جديد متطور، لم تقدم الأطر النظرية إجابات شافية، حول نتيجة عمل تلك المحاكم على الأرض فيما خصّ بناء السلام، فمن النظريات من مجّدها كآلية هامة في مسيرة سلام الشعوب الخارجة من ارث من الانتهاكات، ومنهم من رجمها باعتبارها عائقًا أمام السلام معتبرًا أن العفو هو الاصلح للسلام والاستقرار، ومنهم من طالب باستبدالها بآليات أخرى كلجان الحقيقة والمصالحة وغيرها، علمًا أن خلاصة النظريات تلك وآخرها دعا الى مزج الآليات، واختيار ما هو الانسب والأصلح لكل مجتمع بذاته، وبحسب ثقافته وبيئته التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

       أما بالنسبة للاطار التطبيقي، فكان لا بد من القيام بتحديد مفهوم بناء السلام، من خلال متغيرات يمكن قياسها، فتمّ تحديده بما يلي:

إن بناء السلام يفترض:

أولاً: تأمين الاستقرار الأمني والتخفيف من العنف أو وقفه.

ثانيًا: تفعيل الديمقراطية، وحقوق الإنسان.

ثالثًا: التعايش وبناء الثقة بين المواطنين وبينهم وبين الدولة.

رابعًا: حكم القانون.

       وهكذا، تمّ الاستناد الى دراسات وتقارير ميدانية وتوصلنا الى النتائج متباينة، فحيث وجدنا تأثيرًا ايجابيًا للمحاكم تحدثنا عنه، وحيث وجدنا تأثيرًا سلبيًا أو حتى لا تأثير، أشرنا اليه.

       علمًا أننا ندرك أن جذور الصراع  في البلدان محور المناقشة، هي متعددة ومتنوعة، وقد لا تستطيع – أو ليس من مهمة- المحاكم الجنائية حلّها، باعتبار أن المحاكم لها وظيفة أساسية هي تقديم المجرمين للعدالة، ولكن وكما أشرنا سابقًأ، إننا نريد أن ندرس مدى صحة القول السائد بأن المحاكم الجنائية هي المعبر لتحقيق واستعادة السلام وصونه.

       وهنا نشير الى أن أصحاب النظرية القصوى ومبشرّي حقوق الانسان والعدالة الدولية العالمية، ومنهم الأمين العام للأمم المتحدة قد أثقلوا المحاكم الجنائية الدولية بمهمات ليست من اختصاصها أساسًا.

وهنا يصح التساؤل: هل أضرّ هؤلاء بسمعة المحاكم الدولية بها من حيث لا يدرون عندما رفعوا سقف التوقعات المأمولة منها واعتبروها دواءً شافيًا لمجتمع عانى الابادات والتطهير وانتهاكات جسيمة لحقوق الانسان؟…

الأجابة، قد تكون نعم بالطبع، وبالاضافة الى هؤلاء، قام الموكلون بمهام العدالة بالاضرار بها من خلال التسييس والفساد الذي طبع بعض هذه المحاكم. هناك فصل كامل في الكتاب يتحدث عن تسييس تلك المحاكم، والانتهاكات وشهود الزور، بالاضافة الى البدع الفقهية التي أقرّتها ومنها المشروع الجنائي المشترك الذي يُعتبر وصفة لاتهام أي كان لمجرد الشبهة ب “النية الجرمية” أو “الحالة الذهنية” المشتركة مع الجناة.

 

النتائج

       وقبل ذكر النتائج التي توصلت اليها هذه الدراسة، أريد أن أشير الى ملاحظة هامة، هي أنه بعد التعمق والقراءة والبحث في الموضوع، ولحين الوصول الى دراسة نتائج عمل المحاكم الجنائية المختلطة، كانت قد تكونت قناعة لدي، بأن المحاكم الدولية هي آداة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأضعف، وأنها تضيف مزيدًا من المشاكل الى الأزمات المستفحلة في البلد المعني.

       لكن، تبدلت قناعتي تلك حين وصلت في الدراسة الى تجربة المحكمة الخاصة بكمبوديا الايجابية على المجتمع الكمبودي. وحينها، كان لا بد من البحث المعمق في جميع القضايا الأخرى، حتى لو لم يتسع الكتاب لعرضها جميعها، وقد توصلتُ على أثرها الى خلاصة موضوعية، مفادها أن المحاكم الدولية هي آلية إيجابية لتحقيق العدالة بشكل عام، ولكن تحتاج الى الكثير من الضوابط والآليات المرافقة والى الحيادية وعدم التحيّز والتسييس.  ويجب أن تتوافر فيها كل سبل الإنصاف والشفافية ومعايير العدالة الحقيقية لكي يستجيب المجتمع إلى تحقيق العدالة الجنائية بطريقة إيجابية.

يمكن القول، أن أبرز ما توصلت اليه الدراسة ما يلي:

– بالنسبة للاجابة على الاشكالية الرئيسية، وهل فعلاً أن تحقيق العدالة الجنائية هو الذي يحقق السلام؟ وهل استطاعت المحاكم الجنائية الدولية أن تحقق الأهداف المنوطة بها؟

       العدالة الجنائية ليست معبرًا أكيدًا للسلام، وليست شرطًا أساسيًا يجب توفرّه لكي يشعر المجتمع بالأمان والاستقرار ويبدأ مسيرته نحو بناء السلام.

بالعكس، إن تحقق السلام – ولو بمعناه السلبي- وتوفّر الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلد المعني قد يسمح بتحقيق العدالة – ولو بعد حين- وتقديم المرتكبين إلى القضاء وإنصاف الضحايا والاعتراف بحقوقهم ومعاناتهم.

– العدالة الجنائية كآلية يمكنها أن تسهم في مسيرة بناء السلام فقط إن ترافقت مع آليات سياسية أخرى، وبالتالي فإنها كآلية معزولة لا يمكنها وحدها أن تفعل ذلك.

كما بيّنت التجارب بشكل واضح، أن الحل الأمثل هو أن يقود الحل السياسي آليات العدالة، وليس العكس.

– بالنسبة لجدلية العفو والمساءلة ، أظهرت الدراسة أن كلًّا من المحاكمات وحدها أو العفو وحده، يبدو آلية غير حاسمة وغير قادرة على تحقيق السلام في بلد خارج من إرث الصراع، لا بل إن كلًّا منهما يحتاج إلى آليات أخرى مرافقة لتحقيق السلام أو على الأقل، لتحقيق مصالحة مقبولة في المجتمع. ويمكن القول إن “التوازن” يجب أن يكون العنصر الحاسم في اختيارات الدول من بين آليات العدالة الانتقالية المتعددة.

– قد تكون مفاهيم كالعدالة والسلام عالمية بجوهرها، لكن تبيّن أن تعريفها يختلف باختلاف البيئة الثقافية للمجتمع وحاجاته وتاريخه، لذا لا يمكن أن يكون هناك وصفة واحدة لتحقيق العدالة أو بناء السلام أو حتى إطار واحد لتعريفهما.

– لا “وصفة سحرية” لتحقيق السلام في البلد الخارج من ارث من الصراع، بالعكس إن استيراد التجارب وتعميمها يبدو مضرًا بمصلحة الشعوب والمجتمعات أكثر مما هو مفيد لها، إن أفضل سبل لاختيار آليات العدالة الانتقالية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار معايير ثلاث: المجتمع المخاطب، والأهداف المرجو تحقيقها، والآليات الأفضل لتحقيق تلك الأهداف.

في التصور المستقبلي:

– إن شهرة المحاكم الدولية واستمرار رواجها مرهون بنمط التغيير الحاصل في النظام الدولي الجديد الذي تتبلور أسسه رويدًا رويدًا منذ الازمة الاقتصادية العالمية 2008.

– لاسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية عديدة، التوقع بأن لا يقوم المجتمع الدولي بتأسيس محاكم “خاصة” دولية صرف مشابهة لمحكمتي يوغسلافيا ورواندا، ولن يكرر التجربة، بل ستكون المحاكم الجنائية الدولية كناية عن محاكم “مختلطة” تنشأ باتفاقية بين البلد المعني والأمم المتحدة.

– بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة: ستبقى الإشكالية الدائمة التي تعانيها المحكمة، هو مبدأ التكامل الذي يفرض حصول الكثير من المساومات والمقايضات مع الدول، وتقديم التنازلات لها – ما يظهرها وكأنها أداة بيدها- طالما استمرت السيادة جوهر العلاقات الدولية، وطالما نعيش في “نظام وستفالي” يجعل من الدول الفاعل الأهم في النظام الدولي القائم.

الحل الأمثل

·       أولاً: على الآليات السياسية والقضائية أن تتكامل، وذلك لكي لا تبدو المحاكم منذ تأسيسها كأدوات فوقية تمارس وصاية على المجتمعات، أو تبدو وكأنها أدوات انتقامية من طرف سياسي على آخر.

·       ثانيًا: يجب أن يأتي تشكيل المحكمة بعد إتمام الحل السياسي ونتيجة له وليس قبله أو خلاله، ما يؤدي الى عرقلته وإطالة أمد الأزمة وإهراق المزيد من الدماء في البلد المعني.

·       ثالثًا: الإطار الجغرافي الأمثل للمحاكم الجنائية الدولية، هو داخل البلد المعني وليس خارجه، ولهذا الأمر ايجابيات وفوائد هامة على صعيد نظرة المواطنين وتفعيل الهيكل القضائي المحلي وسواه.

الكتاب – الدراسة موجودة في مكتبة “قصر السلام” ومكتبة  “المحكمة الجنائية الدولية” في لاهاي، وسيتم ترجمة الدراسة الى اللغة الانكليزية ونشرها باللغتين العربية والانكليزية خلال خريف 2013.

 

فكرتان اثنتان على ”اشكالية التوازن بين العدالة وبناء السلام

  1. مبروك وبالتوفيق في أعمال أخرى.
    عندي سؤال بسيط دكتورة حول إمكانية التظلّم بصفة شخصية أو جماعية (غير حكومية) لدى المحكمة الجنائية الدولية حين يتعرض مواطن لمظالم قضائية في بلده أو عندما تكون الدولة مورّطة في الجريمة والحكومة تطمس معالمها بالضغط على الأمن والقضاء. إنّ مقتل شكري بلعيد (رئيس حزب معارض في تونس) منذ 6 فيفري 2013 والضبابية التي عولج بها هذا الملف سيدفع تونس لمزيد التوتّر نظرا للإعتقاد السائد أن “النهضة” هي المستفيد الأول من الإغتيال.

  2. الصديق العزيز
    بما أن تونس هي دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية، فيمكن القيام بما يلي: 1- الضغط على الحكومة التونسية لتطلب مساعدة المحكمة في التحقيق في القضية، 2- أو يمكن للمنظمات غير الحكومية أن تراسل المدعي العام للمحكمة وتضغط عليه لكي يباشر بالتحقيق من تلقاء نفسه….. لكي تقوم المحكمة بالنظر في القضية، على الدولة التونسية أن تظهر أنها غير راغبة في التحقيق أو عاجزة عن القيام به.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s