بيان المستقبل: مراجعة أم عنصرية ؟

د. ليلى نقولا الرحباني
منذ التفجير الإرهابي الذي هزّ الضاحية الجنوبية وأسقط الشهداء الأبرياء، يعيش اللبنانيون قلقاً أمنياً لم يشهدوه من قبل، وتعيش الضاحية على وقع إجراءات أمنية مشددة لم تعرفها في السابق، وبغض النظر عن قدرة هذه الإجراءات وغيرها على حفظ أرواح اللبنانيين أو عدمها، ومع التأكيد على أن الأمن هو بطبيعة الحال سياسي قبل أن يكون أمنياً – عسكرياً، لكن لا يمكن أن يُلام أهل الضاحية على قلقهم على مصير أبنائهم وأرواحهم من الإرهاب المتنقّل الذي يتهددهم بالصميم، خصوصاً بعد ازدياد التهديدات الأمنية واشتداد الحرب العالمية والإقليمية ضد “حزب الله”.
وبتقييم شامل للتهديدات التي يتعرض لها “حزب الله” داخلياً وإقليمياً ودولياً، يمكن أن نرصد تقاطع التهديدات “الإسرائيلية” المستمرة للبنان والمقاومة، حيث قام الجنود “الإسرائيليون” بتخطي الخط الأزرق وانتهاك السيادة اللبنانية براً، محاولين القيام بعملية أمنية في الداخل اللبناني، ثم الضغط الأوروبي بإدراج “الجناح العسكري” للحزب على لائحة الإرهاب الأوروبية، تضاف إليها التهديدات التي تصدر عن المجموعات التكفيرية، وتهديدات “الجيش السوري الحر”، الذي يحمّل “حزب الله” مسؤولية دعم النظام السوري عسكرياً وميدانياً، ولا ننسى الداخل اللبناني، حيث تصدر مواقف رسمية وغير رسمية تطالب بعدم القبول بإشراك “حزب الله” في الحكومة المقبلة، والانتقاد الرئاسي للمقاومة، في موقف مستجد لا يشبه مواقفه قبل انتخابه رئيساً، ولا يشبه خطاب القسم، وأخيراً التهديدات التي صدرت عن الناطق الرسمي باسم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان؛ مارتن يوسف، وكل التسريبات حول إصدار قرار اتهامي جديد سيشكّل صدمة في لبنان، بالأدلة الدامغة التي يملكها.
إذاً، هي حرب مفتوحة بين “حزب الله” وكل هؤلاء، ولا بد لها من أن تُشعر أهل الضاحية الجنوبية ومختلف بيئة “حزب الله” بالتهديد والقلق على أمنهم وحياتهم، ولا تنفع معها تطمينات أو دعوات “تيار المستقبل” لترك الأجهزة الأمنية اللبنانية تقوم بحماية هؤلاء، وهي – كما أشار البيان المستقبلي – “تتحمل وحدها مسؤولية القيام بهذا الدور، وهي التي تتمتع بالغطاء الشرعي والسياسي والشعبي الكامل لحفظ أمن المواطنين”.
نحن في المبدأ مع إعطاء الأجهزة اللبنانية الدور الكامل في حماية لبنان ومواطنيه، وهي مهمتها في الأساس، لكن لنا مع بيان “كتلة المستقبل” ورئيسها فؤاد السنيورة بعض الاستفسارات البديهية:
أولاً: أين عكار وعرسال وطرابلس وصيدا والشمال من هذا التفويض الذي يريد “تيار المستقبل” أن يمنحه للأجهزة الأمنية في الضاحية؟ ولماذا لا تُعطى الأجهزة الأمنية – وهي قادرة حسب التصريح المستقبلي – على القيام بما يتوجب عليها من حماية المواطنين وأمنهم؟  وهم لو أعطوا هذا التفويض للجيش اللبناني منذ بداية الأزمة السورية، لكانوا وفروا على الجيش وعلى اللبنانيين الكثير من التضحيات والدماء البريئة والهزات الأمنية.
ثانياً: كيف يمكن للرئيس فؤاد السنيورة بالتحديد، أن يتحدث عن “قدرة الأجهزة” و”قدرة الدولة اللبنانية”، وهو الذي كان قد أرسل رسالة إلى مجلس الأمن بصفته رئيساً للحكومة اللبنانية، يطلب فيها تدخله في التحقيق وفي مقاضاة من ارتكب الجريمة الإرهابية في 14 شباط، ويطلب الحماية من الاغتيالات، وذلك بسبب “عدم قدرة الدولة اللبنانية وعجز الأجهزة اللبنانية عن القيام بذلك” – بحسب رسالته – وهو ما أنشأ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وكلّف الدولة اللبنانية ملايين الدولارات سنوياً، وبتحليل بسيط للبيان، نكون أمام احتمالات ثلاثة:
– إما أن الأجهزة الأمنية اللبنانية كانت عاجزة سابقاً وباتت قادرة اليوم على القيام بالتحقيقات التامّة والشفافة وكشف الجناة في التفجيرات الإرهابية وحماية اللبنانيين، وهو أمر يستدعي رسالة أخرى إلى مجلس الأمن من قبَل الدولة اللبنانية تبلغه فيها بأن الدولة اللبنانية باتت “قادرة”، وبالتالي لا داعي للاستمرار في الآليات الدولية، ولتحوَّل القضايا والتحقيقات إلى الأجهزة اللبنانية التي يثق السنيورة بقدرتها الآن.
– أو أن تكون الأجهزة الأمنية عاجزة في كل الحالات، وما يقوم به السنيورة هو إعلان عنصري يميّز بين الشهداء، أي أن ضحايانا لهم العدالة و”التحقيق القادر” والآليات الدولية، وضحاياهم من الدرجة الثانية “لا قيمة لدمائهم”، ولْتستباح مناطقهم بتفويض قوى “عاجزة” بحمايتها.
– أو أن تكون الأجهزة الأمنية اللبنانية قادرة بكل الحالات، وهو الأمر الواقعي والحقيقي الذي يعرفه الجميع، وعندها كان من المفترض أن يقوم السنيورة بمراجعة تاريخية ويعتذر عن تشكيكه بأجهزة الأمن اللبنانية وقدرتها، ويعتذر من الجيش اللبناني على ما صرّح به نواب ووزراء من “تيار المستقبل” من إهانات بحق الجيش اللبناني، والمطالبة بتحويل ضباطه إلى التحقيق، ويعتذر من المواطنين اللبنانيين لأنه سبّب عبئاً إضافياً على الخزينة اللبنانية، ولأنه استجلب التدخلات الخارجية من خلال المحكمة الدولية وغيرها.
واقعياً، وبحسب الشواهد التاريخية، لطالما كانت الأجهزة الأمنية اللبنانية قادرة على القيام بمهماتها على أكمل وجه، وما تكشّف من التحقيقات في الأعمال الإرهابية التي طاولت اللبنانيين منذ 14 شباط ولغاية الآن، يؤكد أن الأجهزة اللبنانية كانت – وما زالت – قادرة، ويُشهد لها بالاحترافية، والمطلوب فقط كفّ أيدي السياسيين عنها.. وهذه مأساة لبنان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s