بين الفناء والإلغاء: هل تصمد الدولة العربية؟

د. ليلى نقولا الرحباني

تعيش المنطقة العربية على وقع ضربات التكفير والأحلام بإعادة الخلافة المتبدلة بين فصيل وآخر، والتي تتعامل مع المنطقة بأنها كتلة جغرافية واحدة، كانت فيما مضى دولة واحدة وعليها أن تعود كذلك، فتزال الحدود التي يعتقودون أنها مصطنعة، وتدمج الدول جميعها في بوتقة واحدة يحكمها حاكم واحد باسم الدين.

بما أن التيارات والأحزاب العربية بمسمياتها المختلفة قد تفاجأت بالتبدلات الحاصلة في المنطقة، وبظهور فكر تكفيري لم يشهد الزمان مثله من قبل، وبصعود الاخوان المسلمين وسقوطهم بسرعة قياسية، وفوضى عارمة غير مسبوقة، فإن التعامل مع هذه التبدلات أظهرت نوعًا من عدم النضوج السياسي لدى البعض، والأوهام لدى البعض الآخر، ودفن الرؤوس في الرمال، ومنهم من وصل الى حد الخيانة العظمى برهاناته اليائسة.

وقد يكون الارتباك في التعامل مع التطورات شاملاً لمختلف القوى والنخب العربية ومنها التيارات القومية العربية بأحزابها المختلفة، حيث نجد أن المعركة الحالية الدائرة في العالم العربي قد شظّـت هؤلاء وقسمتهم كما تمّ تقسيم كل شيء، ومنهم من اندفع الى ارتكاب الخطايا المميتة.

واقعيًا، لعبت القومية العربية دوراً بارزاً في إبراز الهوية العربية في منتصف الخمسينيات وإلى بداية السبعينيات من القرن الماضي، وقد يكون من أهم تلك الأدوار قدرتها على تحريك الشارع العربي داخلياً ودولياً نصرةً للقضايا التي تمس الهوية العربية، وخاصة القضية الفلسطينية والتخلص من الاستعمار الأجنبي وغيره.

ولكن التيارات والأحزاب التي رفعت شعارات القومية بدأت تعاني أزمات كبرى منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، لذا فإن هبوب رياح الفوضى في العالم العربي، أتت التطورات كاشفة لتلك الازمات وليست منشئة لها ، خاصة أن الانظمة التي ثارت الناس عليها في البداية هي أنظمة بدأت رافعة هذه الشعارات الوحدوية وانتهت بوحدة العائلة والقبيلة وحرية قتل الشعوب واستعبادها وحرية السرقة والنهب واشتراكية اللصوص في المال العام.

أما اليوم وبعد مرور سنوات ثلاث على الثورات العربية، نجد أن أزمة هذه التيارات تفاقمت، لا بل أن بعضها دخل في خيانة للوطن، سواء عن جهل أو سوء تقدير، فعلى سبيل المثال لا الحصر، رحب حزب البعث الاشتراكي العراقي باحتلال داعش للمحافظات السنيّة وسوّق لها باعتبارها “ثورة” على ما أسماه “مخلفات الاحتلال الأميركي”، ولم يكد يجف حبر البيانات حتى بدأ تنظيم داعش بتطهير عرقي وحرب إبادة على المكونات العراقية كافة. أما حزب البعث السوري، فقد أظهرت الحرب على سوريا أن الفساد كان قد نخره حتى العظم، وأن معظم القرى والمدن التي ثارت كانت مدن فيها مسؤولون بعثيون في الدولة السورية، ما يعني أنهم انقطعوا عن مجتمعاتهم ولم يهتموا بالانماء، هذا عدا عن الانشقاقات والخيانات التي حصلت من قبل أناس غنموا من الدولة السورية لوقت طويل. أما التيار القومي المصري، فقد دعم في بداية الأمر وصول الأخوان المسلمين الى السلطة، الذين ما لبثوا ان اقصوهم كما اقصوا جميع التيارات الأخرى، واليوم يحاول هؤلاء أن يستعيروا عباءة عبد الناصر القومية المجيدة لالباسها للمشير عبد الفتاح السيسي في استعارة للتاريخ قد لا تتناسب مع تفكير الرجل وطموحاته وقدراته….

واقعيًا، إن الشارع العربي ومع انبثاق ثوراته، أطلق شعارات الديمقراطية والحرية وبناء دولة قانون عصرية، وهي شعارات دولتية لا تؤسس ولا تعني بأي حال من الأحوال انه كان هناك فكرًا وحدويًا – عابرًا للحدود،  بالعكس إن من أتى بالشعارات الوحدوية العابرة لحدود الدول هم الاسلاميون الذين وصلوا الى السلطة واستأثروا بها متوهمين قدرتهم على إعادة تأسيس الخلافة.

ويكمن الخطر الأكبر اليوم، أن الفوضى عمّت أرجاء العالم العربي، والمذهبية طفت على السطح، ما دفع الناس الى تبني فكر أضيق بكثير من الفكر الدولتي- فضاعت الهوية الدولتية لصالح هويات أصغر مذهبية وعشائرية وقبلية، غذاها الخوف من الإلغاء ومن الفكر العابر لحدود الدول الذي يملكه الاسلام السياسي والتكفيري.

لذا، وانطلاقًا من كل ذلك، لم يعد أمام الشعوب والنخب العربية خيارات كثيرة، بل ضاقت الخيارات وبقي منها:

– الخيار الانتحاري: تقسيم الدول العربية على أساس مذهبي وطائفي، والعيش في قرون من الظلامية المذهبية التي تدفع أبناء الوطن الواحد الى الاقتتال الى حد الفناء، وهو ما يبدو أنه مخطط اسرائيلي لتفتيت الدول العربية وقيام الدولة اليهودية العنصرية على أرض فلسطين.

– الخيار الالغائي: وهو الفكر العابر للحدود والذي يريد اقتلاع الهويات والخصوصيات الثقافية في المنطقة وفرض فكر آحادي تكفيري على الجميع، وهو خيار الاسلام السياسي بمسمياته المختلفة. وهو ما يجعل الفكر القومي العربي الوحدوي غير صالح لهذه الفترة من الزمن، بسبب الخوف المشروع من فقدان الخصوصية الثقافية والخوف على الهوية والخوف على الوجود، وحيث بات التبشير باقتلاع الحدود المصطنعة وفتح الحدود – من أي جهة أتى- موازيًا للفكر الاسلاموي الذي يريد إقامة الخلافة.

– الخيار العقلاني: وهو التشبث بالدولة، والحفاظ على وجودها وهويتها الجامعة، والسعي في مرحلة اولى لانقاذها بحدودها الموجودة والمعترف بها دوليًا، على أن يتم السعي في مرحلة لاحقة الى تطويرها على أسس المواطنية الصحيحة التي لا تميّز بين مواطن وآخر بسبب عرقه أو دينه أو مذهبه، وبناء دولة القانون العصرية والحديثة.

إن هذا الخيار الأخير، هو الخيار الوحيد المتبقي لبقاء الدول العربية وشعوبها، وأي فكر أو تيار ينادي باقتلاع الحدود، أو بتقسيم وتجزئة الدول العربية على أساس مذهبي وديني وعرقي، سيدفع الشعوب العربية الى الفناء.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s