هزيمة الارهاب في عرسال… والتسوية الاقليمية

د. ليلى نقولا الرحباني
وفجأة تمّت إعادة خلط الأوراق الإقليمية، فالولايات المتحدة وبالرغم من التحذيرات الروسية بضرورة التنسيق مع الدولة السورية قبل ضرب مواقع تنظيم “داعش” في سورية، واشتراط موافقة مجلس الأمن، قامت وبعض “الشركاء” في الحلف الدولي ضد الإرهاب بقصف مواقع “داعش” في الرقة والبوكمال، وبعض المناطق السورية المحاذية للعراق، علماً أن الدولة السورية أعلنت أنه تمّ إبلاغها بهذه الضربات قبل حصولها.

اللافت أنه منذ إعلان الحرب الأميركية الثانية على الإرهاب، وتشكيل تحالف الراغبين – القلقين من الخطر المتنامي “للدولة الإسلامية – داعش” على أمنهم القومي، ولغاية اليوم، تبدّلت معطيات عديدة في المنطقة، أهمها:

– تسوية في أفغانستان: فبعد مضي أشهر على أزمة سياسية مفتوحة نتجت عن الانتخابات الرئاسية، كادت تودي بالبلاد إلى حرب أهلية، وقّع المرشحان اللذان خاضا الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الأفغانية؛ أشرف غاني وعبد الله عبد الله، الأحد الماضي اتفاقاً لتشكيل حكومة وحدة وطنية، على أن يتولى أشرف غاني الرئاسة، ويتمّ تعيين عبدالله رئيساً للوزراء بصلاحيات موسَّعة.

وبالتأكيد، لم يكن للجانبين أن يتفقا وأن تُحلّ الأزمة السياسية في البلاد لولا مساهمة إيرانية واضحة دفعت إلى حسم الخلاف والتوصل إلى تسوية كانت الولايات المتحدة الأميركية تحتاج إليها بشدّة قبل انتهاء العام الحالي؛ موعد خروج قوات حلف “الناتو” من البلاد.

– تسوية في اليمن: بالرغم من اعتقاد العديد من المحللين أن نتائج اجتياح الحوثيين لصنعاء واحتلالها، ثم القبول بتسوية سياسية لتشارك السلطة، هو ضربة للمملكة العربية السعودية، إلا أن العكس يبدو حاصلاً في اليمن، حيث أظهرت التسوية التي حصلت بعد الانتصار الحوثي الكاسح، أن أصدقاء إيران تعفّفوا عن استلام السلطة، وتبيّن أن الخسارة الكبرى مُني بها فرع “الإخوان المسلمين” في اليمن، وخسر هؤلاء ما كسبوه بعد الثورة اليمنية التي أطلقوها ضد علي عبد الله صالح، وتمّ تقاسم السلطة بين حلفاء كل من السعودية وإيران.

وهكذا يكون التفاهم الإيراني – السعودي قد أطاح بالتسوية التي أتت بـ”الإخوان المسلمين” إلى السلطة، واستطاعت السعودية أن تضرب عصفوريْن بحجر واحد، الأول هو استعادة اليمن من جديد، بعدما أقصت “الإخوان” عن الحكم؛ كما فعلت في مصر في وقت سابق، وتشكيل منطقة عازلة تمنع تمدُّد “القاعدة” نحو أراضيها من البوابة اليمنية، عبر الحاجز الثقافي الحوثي.

لكن وبعد بروز التسويات في المنطقة، وبعد لقاءات بين الإيرانيين والسعوديين، وتصريحات وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل، والتي تحدثت عن فتح صفحة جديدة مع الإيرانيين، والاستفادة من تجارب الماضي وعدم تكرارها، هل يمكن أن تنسحب التفاهمات الإيرانية السعودية على الوضع اللبناني؟

ما زال الوضع في لبنان – ولغاية الآن – ضبابياً وغير واضح، إذ يبدو أن التسويات لم تنضج في الداخل اللبناني ليتبع لبنان كلاً من أفغانستان واليمن في التسوية بين الطرفين الإقليمييْن، لكن بالتأكيد أي تسوية مفترَضة بين طرفي النزاع القائم في المنطقة، لن تنسحب على الوضع اللبناني قبل هزيمة ميدانية للمجموعات المسلحة في جرود عرسال، تؤدي إلى تكريس واقع جديد، وتُسهم في تكريس تسوية جديدة يكون طرفاها إيران والسعودية، ولكي تبرز هذه التسوية كنتيجة طبيعية، على “تيار المستقبل” قيادة هذه الحرب الداخلية على الإرهاب، وفكّ الارتباط المعنوي والعاطفي والمادي لبيئته مع المجموعات المسلحة، سواء في طرابلس أو عكار أو في عرسال، حتى لا يتمّ تصوير التسوية اللبنانية وكأنها انتصار من طرف على آخر، وتعيد شحن النفوس كما حصل غداة السابع من أيار 2008.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s